مقالات

الثقافة والمقدس الديني بين عليّة التأسيس وأفق التحرر

توطئة:

من الأوّليات المؤلِّفة للبنية التركيبية لجبلة الإنسان بعدَ القابليات الذهنية، والنزوع الأخلاقي، الحاجةُ إلى الدين، والتسليم للمقدّس، إذ يندرج ضمن الاستعدادات الطبيعية المشكلة لبنية الذات الإنسانية؛ فتسليم الفرد لقوة متعالية حالة طبيعية عنده، بحكم محدوديته العضوية، والجغرافية، فنحن كبشر عاجزين عن إيجاد أنفسنا وإعالتها، واستقلاليتنا عن الغير نهاية لنا، وقضاء على الوجود؛ فالإنسان اجتماعي بالطبيعة، وملزم بالحياة داخل مدينة أو جماعة مدنية: “يظهر إذن.. أن الدولة من الأمور الطبيعية، وأن الإنسان من طبعه حيوان مدني..”.[2]

والبعد المدني يؤسِّس لإنشاء منظومة المقدس لزوما، وذلك راجع لطبيعة المجتمع المدني؛ فالمدنية تقتضي تجاوز الأنانية، والذاتية والاحتكام إلى سلطة متعالية، فنحن بالطبيعة نميل إلى تحقيق حاجاتنا، ومتطلباتنا؛ أي إننا نتحرّك في أفق ضيق هو مجال الذات الفردية، ولتنظيم، وتهذيب هذه الطبيعة الفردية نحتاج إلى منظومة قانونية متعالية عنا، والتي أخذت من حيث المضمون أشكالا عدة: دينية، وقانونية، وميثولوجية، تتقاطع في مبدأ واحد هو القداسة، وسلطتها على الأفراد.

وعليه، تكون الثنائية الضدية: المقدس، والمدنّس منظومة ثقافية ابتدعتها السلطة الاجتماعية للدفاع عن نفسها أمام إرادة الذات، ونزوعها نحو الحرية والاستقلال، وحاجة الفرد لغيره من المداخل الأولية عند السلطة في فرض سيادتها؛ فالطبيعة المدنية تفرض عليه الانصياع، والانقياد لسلطة متعالية تبدأ من سلطة الوالدين، التي تقوم على قابلية الفرد للانقياد وقبول الإملاءات، فلا يمكن تربية الطفل دون ترسيخ لمبادئ وقيم يفرضها المجتمع فرضا، ولا يمكنه التكيف مع المحيط إلا بالالتزام والتقيد بقيم وثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه، ولكن ثقافة السلطة القائمة على مبدأ الاستعباد، والاسترقاق تعمل على تحويل هذه القابلية، إلى علاقات قوة، وهيمنة، بقوة العادة.

وسلطة المقدس ليست معطى أنطولوجيا مستقلا يمكن تجاوزه، بل هي جزء من هوية الفرد؛ فسلطة الضمير تثبت حضور المقدس في النفس، والشعور بالانزعاج من الفعل ونتائجه، من أبسط الردود التي نعجز عن إيجاد تفسير لها، ناهيك عن التبكيت الذي يحكم أعماق الفرد، ولا نروم البحث في طبيعة الضمير بل القصد هو الإشارة إلى محايثة المقدس، والثقافة القيمية للذات الإنسانية، فلا يمكن التفكير خارج إدارة المقدس الكامن في الذات، فكل فرد فينا محكوم بتراث لا يعرف عن جذوره شيئا.

وبالرجوع إلى سياقات المقدس اللغوية، والأنثروبولوجية، يتبين لنا الحضور اللاواعي لهذه المعاني والقيم في الذات الفردية والجماعية، وأثرها في تطويع الإرادة لمطالب السلطة الثقافية التي اعتمدتها المؤسسة السياسية، فعند سيغموند فرويد* ينطوي التابو*- المقدس- على دلالتين متعارضتين: من جهة أولى، دلالة الشيء المقدس، المكرس؛ ومن الجهة الثانية، دلالة الشيء المقلق، الخطر، المحظور المدنس..”.[3]

نستخلص مما سبق، أن المقدس يظهر أولا في التعالي، وثانيا في الملمح القهري الذي يوجب على الأفراد العمل والامتثال لأوامر، والانتهاء عما تمنع السلطة من القيام به، فهو طقس مفروض، تغيب فيه الحرية والاختيار عند الفاعل، فهو مجرد مطبق، لا يملك الحق في أشكلة الفعل أو الأمر، والبعد الثاني حسب فرويد والمتضمن في المقدس يتجلى في القلق الوجودي الذي يعيشه الفرد، فالتوتر، والقلق الذي يعانيه مرده إلى غربته، وشعوره بغياب إرادته في تشريع القرار، فتتشكل عنده نفسية متوترة سلبية بامتياز، تعمل على توجيه الملكات العقلية إلى مسار مزدوج، ينتج نوع من أنواع النفاق الاجتماعي، فيكون المرء في امتثاله مجرد مدار – من المداراة – ويكون من المسلم به انتظار التمرد، أو الثورة مستقبلا على هذه السلطة، لأن الأصل الاجتماعي في المقدس كما يعتقد فرويد هو: ” – حماية أشخاص أشراف أمثال الزعماء والكهنة، وحماية أشياء تعلق عليها قيمة ما من أي ضرر ممكن، – حماية الضعفاء النساء، الأطفال، الرجال بصفة عامة من المانا: القدرة السحرية القوية للكهنة والزعماء، …اتقاء الاضطرابات التي قد تقع أثناء إنجاز بعض الأعمال الحياتية المهمة: الولادة، الزواج، الوظائف الجنسية، حماية الأطفال الذين سيولدون أو الرضع من مختلف الأخطار التي تتهدّدهم من جراء تبعيتهم الوجدانية لوالديهم في حال قيام هؤلاء الوالدين بأفعال أو تناولهم لأطعمة من شأنها أن تطبع أولادهم بطابع خاص”.[4]

السلطة الأبوية

تستمد السلطة الأبوية قوامها من توجه طبيعي عند الفرد، وعند الوالدين، فهم جزء وفلذات أكباد؛ أي هم من جهة العضوية استمرار، وانقسام عضوي تم واستقل بأنطولوجيا موضوعية مستقلة، فهم من الوالدين، ولا زالت البحوث لم تستقر على حقيقة ثابتة في المسألة، كما أن التنشئة الثقافية سلطة لا يملك الفرد خيارا وإرادة في القبول بها، أو رفضها، ويجد نفسه بالطبيعة تابعا لأوامر تلك السلطة، وعليه تصبح تعاليم وفلسفة التربية المعتمدة من قبل السلطة متفاوتة، ومتغايرة، من بيئة إلى أخرى، ومن محيط ثقافي إلى آخر، “.. العائلة اليابانية التقليدية تلقن صغارها فضيلتي التضامن والطاعة، على أنهما شرطان أساسيان للبقاء والاستمرار، تماما كما تلقن العائلة العربية صغارها. وإذا كان اليابانيون يمارسون التضامن والطاعة خارج نطاق العائلة وفي المجتمع الأرحب، فإن هاتين الفضيلتين في المجتمع العربي تبقيان منحصرتين في البنى الأولية: العائلة، العشيرة، الطائفة..”.[5]

تبدأ علاقة الهيمنة والتسلط على الأفراد من تحول التنشئة الاجتماعية إلى سلطة ثقافية قاهرة، في بدايات المرحلة العمرية؛ فالأفكار القيمية التي يتلقاها الطفل أكثر حضورا في شخصيته من الأحكام التقريرية، لأنها تجد في الذاتية، والانفعال العاطفي أرضا خصبة للنمو والنشوء، وتكون أحكامه ومواقفه المستقبلية مشروطة بتلك المعطيات الأولية التي تلقاها، أو ما يعبر عنه علماء الاجتماع بالنموذج الثقافي؛ فالفرد “.. منذ لحظات الحياة الأولى يتشرب النموذج عبر نسق كامل من المحفزات والنواهي، صريحة وغير صريحة، تدفع به، وقد أصبح كهلا، إلى امتثال لا واع للمبادئ الأساسية للثقافة تلك هي الصيرورة التي أسماها علماء الأنثروبولوجيا الترسيخ الثقافي”.[6]

وقد حاول رجال الفكر تبرير وإضفاء الشرعية على هذه البطركية Patriarchie التي رافقت الفعل الثقافي عند بني الإنسان؛ فالبشر لا يولدون أحرارا، عند البعض من العلماء، والعبارة المشهورة عن الخليفة عمر بن الخطاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا؟!”، تسرد واقعا كان معيشا آنذاك، متمثلا في استعباد، وإدارة حياة البعض ليس على مستوى الجانب المدني، بل كان أشدّ وطأة، حيث كان الفرد لا يملك حتى جسده، وهذا ما نلمسه في العبودية التي لم تشمل السود فقط، بل تعدتهم إلى أصحاب البشرة البيضاء أيضا؛ فالعبد لم يكن يملك الخصوصية الإنسانية، بل كان مجرّد آلة ضرورية للبيت، وهذا ما أقرّ به أرسطو، الفيلسوف الأكبر والمعلِّم الأول: “وكما أن الصناعات المحدودة تحتاج إلى آلاتها الخاصة لإنجاز العمل؛ كذلك الإدارة البيتية تحتاج إلى أدواتها الخاصة للقيام بشؤونها. ومن الأدوات ما هو جامد، ومنها ما هو حي… إذ إن الخادم في الصناعات هو بمثابة الآلات. وعلى هذا النحو، فالقنية أداة للمعيش؛ والاقتناء وفرة أدوات، والعبد قنية حية؛ والخادم كأداة، مقدم على كل الأدوات”.[7]

وتاريخ الثقافات يثبت اعتماد السلطة المدنية للمؤسسة الدينية في إقرار نفوذها، وجبروتها، إذ تستمد منها مشروعية وجودها، فهي المؤسسة الوحيدة التي تملك كيان الفرد، وروحه، فإن كانت المؤسسة المدنية تحكم جسد الإنسان، فإنها لا تقدر على التحكم في روحه، وتطلعاته، ويمكننا التمثيل بالشخصية الإسلامية في هذا السياق، حيث إن المسلم لا يرتبط روحيا بالحكومة التي يخضع لها، بل يعيش وجدانيا مع الحكومة التي تسيطر على الأماكن المقدسة التي يرتبط بها روحيا، لأن محدِّدات الأنا مفتوحة، وغير مقيّدة بحدود جغرافية، ومدنية، وما ينتمي إليه هو الأنا الإسلامي، والذي يخضع لمحدد عقدي، والمؤسف أن التعدُّدية التي تشمل العقيدة الإسلامية من خلال مذاهبها الكلامية والفقهية تنعكس بشكل واضح على السلوك الذي يصدر عن هذا الأنا، والذي عمل الجهل، والمركبات النفسية بالقصور أمام الغرب على تغذيته. يقول الأستاذ هشام جعيط: “إن الأنا عند المحافظ القديم المتخرج من جامعة الزيتونة هو الأنا الإسلامي في أسمى مستوى. إنه بالتأكيد تغذّى وتربّى في الوطن التونسي، وبقي وفياًّ لنمط العيش الذي درج عليه منذ الطفولة، تونس وطنه الحسي في حين أن وطنه الروحي هو در الإسلام قاطبة..”.[8]

من هذه المسلمة، نجد أن جميع المنظومات المعرفية المعتمدة في إدارة الأفراد، تستمد قوتها وآليات وجودها من سلطة رجال الدين، وبلوغ المناصب السياسية عند الساسة يشتغل أيضا على هذا الوتر؛ فالثقافة الإنسانية بجميع أشكالها محكومة بالمقدس الديني، وسنستأنس بنماذج من التاريخ الإسلامي الذي عملت السلطة فيه على توظيف المقدس الديني في تقييد وحصار الفعل الثقافي، ومن تاريخ العلم.

سلطة التدين الزائف ونكبة الفلسفة

تبدأ الفلسفة مع المقدّس وجودا، مع التضاد والتعارض بين الموروث الفكري والاعتقادي، والفطرة العقلية السليمة، وقصة سقراط مع المجتمع الأثيني خير دليل، فحث الناس على التدبر، والتفكر، وتفعيل الملكات الذهنية الكامنة في الفرد تم تجريمه من قبل السلطة المدنية آنذاك، حيث لجأت السلطة إلى المقدس الديني في إثبات الجرم لتمرير حكم الإعدام الذي أرادته السلطة وسيلة في إقصاء سقراط نهائيا من الساحة الفكرية، وكان للآلهة حظها من ذلك المقدس، وكثيرة هي الأمثلة لدرجة يمكن القول فيها، إن المقدس الثقافي كان عائقا أمام الفكر البشري، ولم يسهم في تطوير البشرية إلا بنسب ضعيفة.

نكبة ابن رشد في التراث الإسلامي من النماذج التاريخية التي تجسِّد الاستثمار السياسي للمؤسسة الدينية في توجيه الفعل الثقافي؛ فالحرب على الفلسفة، والمنطق لا تمت بصلة للدين، بل هي مجرد تسييس لمسألة فكرية؛ فالتأصيل العلمي الدقيق للمنطق، والحجاج الفلسفي يوجد في القرآن الكريم، وكثيرة هي الدراسات التي تثبت، وتقر بضرورة التفكير المنطقي، من بين الدراسات التي تهتم ببيان البعد الفطري للمنطق كتاب الأستاذ محمود يعقوبي “المنطق الفطري في القرآن الكريم” الذي حاول فيه “..إثبات وجود منطق فطري لدى جميع الناس سليمي الفطرة في جميع الأزمنة وجميع الأمكنة، ولو كان معظمهم غير قادرين على معرفة قوانين هذا المنطق الفطري عن طريق تحليل مادة التفكير الطبيعي، للوقوف على صوره الواحدة لدى جميع الناس”.[9]

شكّلت نكبة ابن رشد منعرجا فكريا وثقافيا في أمتنا العربية؛ فإعلان الحرب على ابن رشد بداية لمحاربة العقل، والتفكير الحر، والتعاطي مع ابن رشد كشخصية فردية، محددة بمؤشرات نسبية، يجعل من الحرب عليه مسألة ذاتية، ولكن المسألة هنا تتعلّق بحرمان المجتمع من حقه في النمو والتقدم، فتقزيم الفيلسوف، لا يعني حرمانه من حقه في النبوغ، بل هو حرمان للأمة من الانتفاع بذلك الحق.

وعليه، نجد أن المقدس الديني كان سلاحا بيد السلطة عملت به على تدجين العلماء والفلاسفة المخلصين الذين أفنوا أعمارهم في البحث عن الحقيقة من أجل إضاءة طريق الأمة، وهذا ما وقع لابن رشد، وإن كانت الروايات التي فسرت نكبته متضاربة، من قائل بأنها عائدة لعلاقته بأخ المنصور أبي يحيى الذي كان منافسا للمنصور الحاكم آنذاك، وهذه المقاربة السياسية التي تبين البعد الوظيفي والأداتي للمقدس الديني في يد السلطة، والذي يكوِّن الأصل الحقيقي للأزمة.

وهذه المقاربة تجد مرجعية في المصادر التاريخية، إذ تورد المصادر التاريخية أن ابن رشد هو من توسط لأخ المنصور أبي يحيى في تعيينه واليا على قرطبة، والمشكلة أنه عمل على جمع التأييد من العامة للوصول إلى سدة الحكم بعد أخيه، عندما كان طريح الفراش، ومن سوء حظه أن المنصور تعافى، وانتقم منه بعد شفائه، والنتيجة الحاصلة هي الكيد والعمل على الانتقام من كل مقرب منه، وابن رشد منهم، كما كانت علاقته بعم المنصور الذي كان ساخطا على تصرفاته، وتحركاته العسكرية، إذ يذكر الأستاذ أحمد شحلان مبررا آخر للنكبة هو العلاقة التي كانت بين ابن رشد، وبين عم المنصور: “..أبو الربيع سليمان والي تادلة الذي كان صديقا لابن رشد يحضر مجالسه العلمية على عهد أخيه أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن…”.[10]

وفي سياق توظيف المقدس الديني في تجريم المفكرين، أو الفعل الثقافي من خلال قصة ابن رشد، واتهامه بإنكار لبعض مبادئ الشريعة، ومعطياتها مثل إنكاره لوجود قوم عاد، والتي وجدت فيها السلطة السياسية حق تجريمه، وإدانته. والنص التالي يكشف عن التوظيف السياسي للمقدس الديني في تقييد حرية الفعل الثقافي عموما، والفلسفي خصوصا: “.. وقد جرى ذكر هذا المتفلسف وماله من الطوام في محادة الشريعة، فقال: إن هذا الذي ينسب إليه، ما كان يظهر عليه، ولقد كنت أراه يخرج إلى الصلاة وأثر ماء الوضوء على قدميه، وما كدت آخذ عليه فلتته إلا واحدة، وهي من عظمى الفلتات، وذلك حين شاع في المشرق والأندلس على ألسنة المنجمة أن ريحا عاتية تهب في يوم كذا وكذا … قال شيخنا محمد عبد الكبير، وكنت حاضرا: فقلت في أثناء المفاوضة، إن صح أمر هذه الريح، فهي الريح التي أهلك بها قوم عاد.. قال، فانبرى إليّ ابن رشد ولم يتمالك أن قال: والله وجود قوم عاد ما كان حقا، فكيف سبب هلاكهم! فسقط في أيدي الحاضرين وأكبروا هذه الزلّة التي لا تصدر إلا عن صريح الكفر والتكذيب لما جاءت به آيات القرآن..”[11]

والنص التالي يكشف عن خلفية ثقافية عند العامة، استثمرها المنصور في تأليب الناس ضد ابن رشد: “.. وقد ألَمَّ أبو الحجّاج بن غَمْر بذكرها في “تاريخهِ” فقال: وأما أبو الوليد بن رشد، فكان قد نشأ بينه وبين أهل قرطبة قديما وحشة جرتها أسباب المحاسدة، ومنافسة طول المجاورة، فانتدب الطالبون لنعي أشياء عليه في مصنفاته تأولوا الخروج فيها عن سنن الشريعة، وإيثاره لحكم الطبيعة، وحشروا منها ألفاظا عديدة، وفصولا ربما كانت غير سديدة، وجمعت في أوراق..”[12].

ومن بين الأمثلة التي نجدها تتقاطع في كثير من اللحاظ مع نكبة ابن رشد، والتوظيف السياسي للمقدس الديني محنة الفيلسوف الفرنسي ديكارت، حيث أثبتت بعض الدراسات الحديثة أن ديكارت مات مسموما، وهذا ما أكده الباحث الألماني تيودور إيبيرت من قبل رجل دين، وهو فرنسوا فوغييه الذي عمل على دس السم للفيلسوف، وعلة ذلك كما يقول هاشم صالح إنه: “..كان يعرف بأن الملكة كريستين ذات ميول كاثوليكية في أعماقها ولكنها لا تتجرأ على البوح بذلك، لأنها تحكم بلدا بروتستانتيا كبيرا. وبالتالي، كان يطمع في تحويلها عن مذهبها لكي تعتنق المذهب الكاثوليكي المضاد. وعندئذ يحقق الفاتيكان أكبر انتصار على البروتستانتيين الهراطقة، ولكن هناك مشكلة أو عقبة تحول دون ذلك. وما هي؟ إنها ديكارت نفسه! فعلى الرغم من أنه كاثوليكي أبا عن جد، فإن فلسفته كانت أقرب إلى المذهب البروتستانتي العقلاني التوجه. ومعلوم أنه هو مذهب الإصلاح الديني الذي ثار على الفاتيكان وهزه هزّا، وشق المسيحية الأوروبية إلى نصفين”.[13]

وكما أن رفات ديكارت قد أخرج وتم ترحيله، فكذلك الحال حصل لرفات ابن رشد، وإن كانت الحادثة تحمل بعدا رمزيا مشفرا يعلن عن نهاية عصر العقل، وبداية حقبة الغيبيات والتصوف، وهذا ما لمسناه في القصة التي يرويها ابن عربي: “فما اجتمعت به حتى درج، وذلك سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة مراكش، ونقل إلى قرطبة وبها قبره. ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر، وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسن محمد بن جبير كاتب السيد أبي السعيد (الأمير الموحدي)، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ، فالتفت أبو الحكم إلينا، وقال: ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟…”.[14]

ولقراءة فهم أبعاد هذا النص، الذي سجله ابن عربي والرموز الثقافية المضمرة فيه، نستأنس بقراءة فنية للأديب المغربي عبد الفتاح كيليطو؛ فميزان السلطة السياسية يضع الشخص (جثة ابن رشد) في كفة، وفي الأخرى مؤلفات ابن رشد (الفعل الثقافي)، فأبو الحكم: “… الناسخ هو من لاحظ غرابة المشهد.. ومن لفت انتباه أصحابه إلى جهة المعادلة، إلى حال توازن الجثة؛ هذا الإمام وهذه أعماله عبارة حاسمة نهائية، ولا سيما أنها صادرة من شخصية اسمها، أو بالأحرى كنيتها أبو الحكم ذات دلالة أنه الحكم القاضي”.[15]

ومن الدلالات التي تحملها أيضا قصة الترحيل، فكرة التفوق والغلبة، فالمغلوب، والمنهزم دوما في العلاقة بين المثقف وسلطة المقدس، هو المفكر أو المثقف، والتي تؤكد أن سلطة المثقف أمام المقدس ليست بذات أهمية أصلا، فهو حاضر، ومتمكِّن من السلطة الاجتماعية ما دام خادما طيّعا بيد السلطة، ومطلي به القار أجرب إذا عارض السلطة، في أحسن الأحوال، والذي نلحظه في موقف المؤرخ ابن جبير في النص: “أما ابن جبير، فقد حيرته، وأربكته ملاحظة الناسخ، وكان رد فعله هو الدفاع: يا ولدي نعم ما نظرت… وقبل سنوات كان قد اشترك في الاضطهاد الذي انصب على الفيلسوف، ونظم حينئذ كثيرا من الأبيات الهجائية منها:

الآن قد أيقن ابن رشد أن    تـواليــفــــه تــوالــف

يا ظالـما نفسـه تأمـل        هل تجد اليوم من توالف”.[16]

نجد في النص أن ابن جبير، وموقفه من ابن رشد لم يكن مشرفا، في حين أنه جزء من هذه المؤسسة العلمية على قاعدة انتمائه للبحث العلمي (التاريخي)، وهذا يدل أيضا على ضعف نسبة الالتزام الأخلاقي مع المؤسسة التي ينتمي إليها؛ فالسلطة من خلال المقدس تقدر على تدجين الثقافة.

وإذا قرأنا ابن رشد خارج أسوار ثقافته العربية والإسلامية، لوجدناه أبا للنهضة الأوروبية، وكذلك الحال بالنسبة إلى الفيلسوف ديكارت – فمن خلال مؤلّفاتهما انطلقت أوروبا في مسيرتها الحضارية – والقاسم المشترك بينهما أيضا هو الغبن، الذي عايشه كل منهما مع المؤسّسة المدنية التي تستخدم المقدس الديني وسيلة لتحقيق مآربها؛ في المؤسسة العلمية والثقافية عبر التاريخ لم تكن تملك سلطة موازية للسلطة السياسية، تمكّنها من فرض مشروعها الإنساني والحضاري، والواقع المعاصر يؤكد ذلك؛ فالعلم لا تقوم له قائمة دون الدعم المادي، الذي يكون دوما بيد السلطة التي لا تملك الملكية، والسلطة الفعلية على ذلك المال، بل هو عائد في الحقيقة لأشخاص لا تعرفهم المؤسسة العلمية، وبالتالي تصبح المؤسسة العلمية والثقافية خادمة لمؤسسة لا تعرفها.

وما نستخلصه أيضا من هذه المقاربة، ضرورة وجود مؤسسة موضوعية متعالية، مهمتها مراقبة المسار والآليات الموظفة من قبل السلطة في تحقيق الغايات المدنية، والتي نجدها في المؤسسة العلمية، أو فئة من العلماء مجلس علمائي يخضع لمقاييس علمية وأخلاقية، موضوعية يقوم بالتنظير؛ أي البحث عن القواعد المعرفية التي تسمح بتفتق القدرات، والملكات الفردية والجماعية ومتابعة الإجراءات التنفيذية التي يتجلى بها الفعل الثقافي.

[1] نشر هذا المقال في مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 59

[2] أرسطو، السياسيات، ترجمة أوغسطينوس برباره، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، بيروت 1957 ص. ص: 8/9

* عالم نفس نمساوي، مؤسس مدرسة التحليل النفسي

* كلمة بونيزية تعني المنع، والتحريم.

[3] فرويد، سيغموند، الطوطم والحرام، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1983 ص: 31

[4] المصدر نفسه، ص: 33

[5] هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، تر محمد شريح، منشورات مركز الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية 1993 ص: 53

[6] دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، منشورات مركز الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 2007 ص: 67

[7] أرسطو، السياسيات، ترجمة: الأب أوغسطينس برباره، اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، بيروت، 1957 ص: 12

[8] هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية.1990. ص: 17

[9] محمود يعقوبي، المنطق الفطري في القران الكريم، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 2000 ص: 04

[10] ابن رشد، الضروري في السياسة، ترجمة أحمد شحلان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط: 1 1998 ص: 37

[11] الأنصاري، أبي عبد الله محمد الذيل والتكملة، م: 4، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، تونس الطبعة الأولى 2012 ص. ص: 29-30

[12] الأنصاري، المصدر نفسه، ص: 26

[13] هشام صالح، لماذا قتلوا ديكارت؟ جريدة الشرق الأوسط الجمعة: 31 يناير 2014 رقم العدد: 12848-

[14] ابن عربي، الفتوحات المكية، تحقيق وتقديم عثمان يحيى، تصدير إبراهيم مذكور السفر الثاني، القاهرة المجلس الأعلى للثقافة، معهد الدراسات في السوربون المكتبة العربية 1985 ص 337

[15] عبد الفتاح كيليطو، لسان آدم، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، المغرب الطبعة الثانية 2001 ص: 64

[16] المصدر نفسه، ص: 65

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق