شؤون ثقافية

فاطمة… /. قصة قصيرة

فاطمة… /. قصة قصيرة
ليلى عبدالواحد المرّاني
صدرت الأوامر برفع صور الرئيس شبه المخلوع، من على جدران الصفوف، ومكانها تتربّع صور الرئيس الجديد. في غرفة الصف الثالث متوسّط، وقفت المدرّسة متعبةً والعرق يتصبّب منها، كان يوماً قائظًا، وبطنها منتفخةً تكاد تنفجر ويخرج منها الجنين، وثلاث طالباتٍ اختارتهن لتنظيف الصفّ، ورفع صورة الرئيس السابق. في متوسّطة الوفاء للبنات، في أحد أزقّة حيٍّ قديم من أحياء بغداد الفقيرة، حيث المجاري تخرج من كلّ البيوت لتصبّ المياه القذرة في الأزقّة الضيّقة، يلعب ويتقاذف بها الأطفال وهم يضحكون.
في ذلك الحي القديم، تسكن عوائل معدمة في بيوتٍ عتيقة يكاد بعضها يتهاوى، تكثر فيه معامل صنع الراشي التي يعمل فيها بعض رجال الحيّ.
الصفوف مكتظّة بالطالبات، بعضها يتجاوز أربعين طالبة، تجلس بعضهنّ على الأرض، يحتضنّ اللوحة المهترئة التي استحال سوادها إلى بياض. انهمكت اثنتان في تنظيف غرفة الصف، علا الغبار وأثار حسّاسيّة الست فوزية، وانتابها عطاسٌ مستمرّ، جعل جنينها يرفس في بطنها حتى كاد يمزّقه.
فاطمة، بنت الخامسة عشرة، هادئة، عيناها تشعّان ذكاءً، اختيرت فارسة الصف لتفوّقها، عليها أن تقوم بمهمّة تبديل مواقع الصور. نظرت في عيني الرئيس المخلوع وهي تبتسم بشماتة، عيناه مطفأتان، وابتسامة خاوية، مسروقة ترتسم بوهنٍ على فمه. قفزت أمامها صورة أخيها الكبير، اقتيد ليلاً، قالوا أنه ينتمي إلى تنظيمٍ خطير، ولم يسمعوا عنه شيئاً بعد ذلك. عائلةٌ فقيرة بالكاد يسدّ رمقها أبٌ يعمل في أحد مصانع الراشي، وأمٌّ تبيع المكانس والمهافيف التي تصنعها من جريد وسعف النخيل اليابس، وستة أبناءٍ آخرون، وحلمٌ أن تصبح مدرّسةً مثل الست فوزية التي تكنّ لها كلّ حبٍّ واحترام.
أنزلت الصورة، ضاحكةً وهي تسأل..
ـ ست، ماذا أفعل بها؟ هل أرميها في سلّة المهملات؟.
هل سمعتها الست فوزية التي كادت تختنق فوقفت في باب الصف، تستنشق نسمة هواء؟.
الطالبتان الأخريتان، منهمكتان في التنظيف.
صبيحة اليوم الثاني، وجومٌ ثقيل يخيّم على وجوه الطالبات حين دخلت الست فوزية. أدارت بصرها بين الوجوه الباكية، سقطت نظراتها على مكان فاطمة الشاغر، وصديقتها مطأطئةً رأسها..
ـ أين فاطمة؟.
سألت، بيدٍ مرتجفةٍ قدَّمت الصديقة الحزينة وردة جوري حمراء ذابلة..
ـ هذه من فاطمة بعثتها لك يا ست.
ـ وأين هي؟.
ـ فجراً أخذوهم بملابس النوم وهم يتباكون، سفّروهم….
لم تتمالك نفسها، بكت الست فوزية، شاركتها الطالبات….
بعد يومين، صدر قرارٌ بنقل الست فوزية، مدرّسة اللغة العربيّة، إلى قسم الحسابات في مديريّة التربية

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق