شؤون ثقافية

آدم..طريد الفردوس، ومحنــة الوجــود

آدم..طريد الفردوس، ومحنــة الوجــود
 
بـُرهــان شــاوي
 
 
إن هبوط (آدم) وزوجه إلى الأرض يشكل بداية لتاريخ الإنسان الشامل، وبداية لنشوء الثنائيات، وفي مقدمتها ثنائية (اللاهوت) و(الناسوت)، ليس على مستوى مضمون المصطلح كعلوم لدراسة الإلهيات أو لدراسة كل ما له علاقة بالإنسان وبشرائع البشر، وإنما ثنائية عالم الروح وعالم المادة، عالم الغيب الإلهي، أو الجغرافيا الإلهية، وعالم الوجود المحسوس والجغرافية المادية الكونية ـــ الأرضية.
 
هل كانت الأرض موجودة حينما كان (آدم) في الجنة؟ أم خُلقت بعد اقترافه المعصية؟ إن هذا السؤال على بساطته فإنه يسوق بدوره إلى واحد من أهم أسئلة الفلسفة الوجودية، وبالتحديد فلسفة (هايدغر) حينما يطرح سؤاله: أين تتجلى ظاهرة الوجود؟ في الموجودات.
 
لكن هناك أحوال عديدة للوجود وأنماط مختلفة للموجودات: وجود الشيء، وجود الأداة، وجود الإنسان، بأي نمط يجب البحث؟ ويجيب (هايدغر) على هذا السؤال: يجب أن نبدأ من وجود الإنسان، وجودنا نحن، إذ لا توجد نقطة ارتكاز أخرى أقوم من الإنسان.
 
فنقطة ابتداء البحث في الوجود ينبغي أن تكون إذن هي تحليل وجود الإنسان. ويؤكد في كتابه (الوجود والزمان ــــ بالألمانية): (إن ماهية الإنسان جوهرية بالنسبة إلى حقيقة الوجود). ووجود الإنسان يسميه (هايدغر) بالآنية أو (الوجود هنا ـــــ Dasein) أي الوجود في العالم، وهذه العبارة لا تحمل معنى الوجود المكاني وحسب وإنما الوجود الشامل. وهذا الأمر مرتبط بالخاصية الأساسية لوجود الإنسان على الأرض ألا وهي: الحرية. بمعنى أنا الذي أقرر طريقة وجودي بنفسي، وبإرادتي واختياري لأحد أوجه الممكنات المتاحة أمامي. وهكذا فأنا أختار نفسي في وجودي، وأنا مسؤول عن ذاتي.
 
إن عقوبة (آدم) ليس في طرده من الجنة فحسب، وإنما أن يلقى به إلى (الوجود) المحسوس والمادي، في الأرض وحيدًا ومعزولًا، فالعزلة كانت هي عقابه الأقسى. و(وعي آدم) لمعصيته وتقبله لعقاب ربه جعله مسؤولا أمام (إرادته) و(اختياراته) و(قراراته).
 
وإذا ما كان (هايدغر) يرى بأن الوجود الإنساني يتجلى في (الوجود مع)، وهذا يفترض وجود الآخر، و(الوجود في) الذي يحمل ثلاث خصائص هي: (الموقف Befindlichkeit) وهو الذي يكشف للإنسان بأنه كائن في موقف الوجود، وأنه ذات فردية، و(الفهم) وهو يعني لديه بأن يفهم الإنسان العالم ويعيش موقفه.
 
و(الفهم) هو التعبير عن وجود الإنسان نفسه، الفهم هو الوجود الإنساني، و(المعنى) هو كل ما يتحدد في (الفهم)، إنه مضمونه المنظم. و(المعنى) هو الذي يؤسس (اللغة)، و(اللغة) هي التي تؤسس كل ما هو كائن، من حيث هو كائن، إذن اللغة تقول الوجود، مثلما القاضي يقول القانون. وأخيرًا، السقوط، ويعني (هايدغر) به محاولة للإفلات من قبضة الوجود، أي هروب الإنسان من ذاته لأنه خائف منها، خائف من خطيئته، لكن ليس بالمعنى الديني، أي ليس (الخطيئة الأولى)، وإنما اكتشاف الإنسان بأنه متناهٍ، وأنه فانٍ، أي اكتشافه للموت. (سقوط) الإنسان في (الوجود) أو العالم يتميز بملامح محددة هي: الإغراء، والطمأنينة الظاهرية، مغايرة الذات، والمؤجل.
ومن أبرز ملامح (السقوط) هو الإغراء، فهو يعني أن يُغرى الإنسان بالوجود السهل، وجود الناس، رفض الذات والهروب منها، والولوع بالثرثرة.
 
المـــوت ـــ عقــوبة آدم ــــ وخطيئة اكتشاف الجسد
 
بل إن هناك ما هو أقسى من عقاب الطرد من الفردوس، والأمر بهبوط آدم وزوجه إلى البرية ليكدحا ويعيشا عزلتهما ومحنة وجودهما الفردي، وليتحمل ثقل الحرية والمسؤولية التي يتضمنها وجودهما، وهذه العقوبة الأقسى هي الحكم عليهما بــــ (الموت) و(الفناء).
 
فما إن حكم عليهما الرب الخالق بالطرد من الجنة وأمرهما بالهبوط إلى الأرض، فإنه قد ألغى عنهما ميزة خلود الكائنات السماوية. فليس هناك من (موت) في الجنة، وإنما (الموتُ) هو مصير بشري، بل يبدو أن (تاريخ الموت) يبدأ مع الإنسان، مع (آدم) وهبوطه الأرضي، ومع أول جريمة في التاريخ حينما يقتل (قابيل) أخاه (هابيل).
 
(الموت) هو أعلى مراتب اليقين البشري. وبالتالي فإن (حرية آدم) على الأرض تختلف عما كانت عليه في الجنة، فهي هنا تعني القدرة على الانفتاح على سؤال الوجود من أجل الوصول إلى الحقيقة، التي هي كشف الحجب كي يخرج الوجود من النسيان، وأن يحقق الخلود.
 
إن مشكلة (آدم) وزوجه هو اكتشافه للجسد، وللجنس، وبالتالي فإن فكرة الخطيئة الموجودة في جميع الأديان مرتبطة باكتشاف الجسد، من حيث إن معنى الخطيئة في الأديان هي خضوع آدم لشهوة الجسد وتذوقه للذة المحرمة، والتي انتقلت إلى سلالته، وبالتالي فإن الأديان ترى في كل إنسان (آدم) جديدًا، وهنا انتبه (فرويد) في ربط (غريزة الحياة) بــــ (غريزة الموت).
 
إلى جانب ذلك كان للجسد سماته المقدسة في جميع الأديان، ومن هنا تعرض للتحريم. وإذا ما كانت بعض الديانات قد احتقرت الجسد فإن (الجسد) في الإسلام ارتبط بصورة طهرانية، ولذلك تم التركيز على النظافة والتطهر الجسدي وتهذيب الحواس والغريزة، سواء من خلال الصلاة اليومية وما تفرضه من وضوء أو من خلال الصيام الذي هو صيام للحواس أيضًا. وبالتالي محاولة التواصل المستمر ما بين الدنيوي والروحاني ولمرات عديدة في اليوم.
 
وهنا نجد أن غريزة (الجنس) التي هي التجسيد لإرادة الحياة تقف بالنقيض من قدرية (الموت)، لكنها كانت سابقة على (الموت) من حيث إن سبب طرد آدم وزوجه من الفردوس كان قائمًا على اكتشاف الجنس، وبالتحديد اكتشاف (الجسد)، وبالتخصيص اكتشاف (الأعضاء الجنسية) التي لم تكن آنذاك سوى أعضاء لاكتشاف (اللذة). وقد أشار النص القرآني إلى أن (آدم) وزوجه حينما اقترفا الخطيئة باقترابهما من الشجرة المحرمة، اكتشافا (سوءاتهما).
 
من كتابي “وهم الحرية”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق