شؤون ثقافية

الضمير اللقيط

الضمير اللقيط
 
عبد الوهاب الملوح
النَصُّ سُلْطَةٌ يُمَارِسُ سَيْطَرَتَه مِنْ خِلاَلِ ما يَتَوَفَّرُ لَدَيْهِ مِنْ احْتِمَالاَتِ غِوَايَةٍ احْتِمَالاَتٌ تَبْقَى رَهِينَةُ التَحَايُلِ عَلَى تَشْرِيعَاتِ هَذِهِ السُّلْطَةِ النَّافِذَةِ المُتَمَكِّنَةِ.
وَفِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ لَنْ يَتُمَّ الدُّخُولُ إِلَى النَّصِّ –قِرَاءَةً أَوْ كِتَابَةً-إِلاَّ بالْمُرُورِ عَبْرَ بَوَّابَاتِهِ وامْتِلاَكِ تأَشِيرَةِ الْعُبُورِ.لَنْ يَتُمَّ الْعُبوُر ُإِلَى النَصِّ إِلا َّبَعْدَ الالْتِزَامِ بِتَشْرِيعَاتِهِ؛ إِنَهُ مُؤَسَّسَةٌ, لَهَا قَواِنيِنُهَا وَهَيَاكِلُهَا الْتِي لاَ مَجاَلَ للانْخِرَاطِ فِيهَا إِلاَّ بالامْتِثَالِ لِأَعْرَافِهَا وَدَسَاتِيرِهَا.
عَلَى الْكَاتِبِ أَن ْيَلْتَزِمَ بِهَذهِ التَشْرِيعَاتِ والْقَوَانِينِ مُتَمَكِّنًا مِنْهَا خَبِيرًا بِهَا حَافِظًا لَها حَتَّى إِذَا قَدَّمَ عَمَلاً يَجِيءُ مُسْتَوفِيًا شُرُوطَ النَصِّ وَعَلَى القَارِئ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُلِمًّا بِشَيءٍ مِنْ هَذِا حَتَّى لاَ يَشْتَكِي مِنْ عَدَمِ الْفِهْمِ .
النَصُّ سَقَفٌ عَالٍ ؛ وَاطِئٌ لِمَنْ خَبِرَ أَرْكَانَهُ.
النَصُّ مَمْلَكَةٌ رَحْبَةٌ ,شَاسِعَةٌ ؛ضَيّقَةُ لِمَنْ اتَّسَعَتْ رُؤَاهُ.
كُلُّ نَصٍّ وَقَبْلَ البَدْءِ فِيهِ هُوَ جَاهِزٌ وَمُكْتَمِلٌ وِفْقَ الصِّيَغِ الْتِي تَسْمَحُ بِهَا وَ تُوَفِّرُهَا تَعَاليمَه وَ اشْتِرَاطَاتُهُ وَإِذْ يُوَفِّرُ كُلُّ نَصٍّ مَرْجَعِيَةً تَمْنَحُ النّاصَّ/ الْكَاتِبَ تَأشِيرَةَ مُبَاشَرَةِ إِنْجَازٍ فَنِّي فَإِنَّهَا تَضَعُ مَجْمُوعَةً مِنَ الاشْتِرَاطَاتِ وَتُحَدِّدُ جُمْلَةً مِنَ الالْتِزَامَاتِ عَلَى هَذَا النَّاصِّ /الْكَاتِبِ الانْصِيَاعَ لَهَا والْعَمَل ِفي دَائِرَتْهَا .
لاَ مجَالَ للْخُرُوجِ عَنِ النَصِّ كَيْ يَجِيءَ مُطَابِقًا للْمُوَاصَفَاتِ المَعْهُودَةِ .
كُلُّ نَصٍّ وَحَسَبَ جِنْسِهِ لَهُ تَعَالِيمُهُ.
القَصِيدَةُ الْعَمُودية؛ نصُّ؛ لَها بُحُورُها كاملها مشطورها و مجزوؤها و منهوكها ولها زحافاتها وعروضها وأغراضها وقوافيها ورويها و تصريعها ومحسناتها البديعية وقوانينها البلاغية .
قَصيدة التفعيلة ؛نصٌّ؛ مدورة أو مسترسلة لها نظامها وأشطارها وعدد التفعيلات في كل سطر والزحافات المجازة لهذه التفعيلات ومواقع التقفية الممكنة.
قصيدة النثر؛نص؛ لها أعرافها وقانونها الداخلي وطرائق تشكيل الصورة كما حددها وبينها أهل البلاغة الحديثة ولها لغتها المناسبة .
الرواية؛نصٌّ؛ لها ضوابطها من تقنيات سردية وآليات لتشكيل المعمار الدرامي وقوانين لهيكلة الشخوص وحبك العقد وبناء الحوارات بجميع أصنافها وحذق تقنيات الإسترجاع و الإستباق والتداخل بين الأحداثِ ألخ ألخ
وكذا القصة والمسرحية والمقالة…..
الخ الخ …من القوانين التي يتحدد بها كل نص حسب جنسه .
النص سقف علوه واطئ ؛ ’’النصُّ ما لايحتل إلا معنى واحد’’
يقول محمد مفتاح:
((يفترض في النص أن يحتوي على معنى قار وحقيقي ونهائي))
النصّ مشروع مكتمل وجاهز وهو أفق غير أنه أفق محدود أما الكتابة فهي مشروع مفتوح لن يكتمل وهي أفق مفتوح .
الكتابة إحياء للكاتب والنص قتل له
كل نص هو اغتيال حقيقي للكاتب أما الكتابة فهي خروج به إلى الخلاء واختبار لقدراته الفنية وإمكاناته الإبداعية بعزل عن كل مرجعية ؛ ليس في الكتابة تجنيس وتصنيف وهي أوسع من النص المسجون في جملة من الأطر
تدشن الكتابة السؤال في الإبداع أما النص فهو يقتل السؤال بما أنه جاهز وثابت
يمنح النص الكاتب آلية تيسر سبل اشتغاله وتقلل من دوافع الحيرة فيه إن لم تنفها تماما أما الكتابة فلا تمنح الكاتب شيئا ولكن تفسح له مجال التجلي وفق رؤاه وبقدر فوضاه حتما ليست الفوضى العدمية ؛غير أن فوضى السطح تدل على انتظام العمق
حالة ملتبسة تُتَرْجمُ توق الذات المستلبة إلى التحرر من إلزامية وانضباطية السير داخل حدود مسار التاريخ؛ تفتح لها آفاق ابتداع تاريخها الشخصي وتمجيده؛ قلت حالة ملتبسة بما إنها طارئة…ولكنها متواترة أيضا والحقيقة إن ما يجعل لبسها واضحا إنها تأتي فيشكل قشعريرة تدهم الكيان وتهز جميع مقوماته؛ ليست المسألة متعلقة بدرجة تواطؤ هذا الكيان مع هذه الحالة غير إن ثمة ما يشبه التعاقد السري بينهما ؛ إذا ما الذي يجعل هذه الحالة طارئة ربما لأنها متغيرة ولا تضرب موعدا عندما تبدأ في الهبوب . عبارة هبوب مهمة جدا في هذا السياق؛ إنها تهب فعلا لتزعزع فتستولي فتسطو فتتملك دواخل الذات وتسكنها لمدة.المدة وحدة زمنية غير محدودة لكنها أوسع من اللحظة لذلك أفضل الحديث عن حالة ………… حالة الكتابة
كصاحب ابن المقفع الذي وقع في الجب ينشد إلى شجيرة حتى ليسقط في الهاوية حيث الأفعى لكن يغاويه عسل فينشغل به غير عابئ بالجرذان تقرض أسفل الشجيرة كذلك الكاتب/الشاعر و إذ هو في مهب الكتابة يتلذذ التماهي معها وقد تأخذه حيث لا يدريكما أوقعت جويس في الجنون ووصلت ناظم حكمت إلى أقبية السجون وتوهت رامبو الضليل وأخذت بيد بوا تسيلان إلى حيث ألقى نفسه في نهر السين والمسألة ليست هنا بل أنها ملتبسة لأنها مزيج من الغبطة والكآبة يحضر فيها القلق المطمئن ويضج فيها الصمت ويمتلئ الحضور بالغياب.وإذ ينخرط صاحب الرؤيا في هذه الانخطافة يسوقه التردد وتدفعه الريبة وإذا به في مجاهل التيه وغيبوبة الرشد يذهب بعيدا في استكشاف مدارات غير آهلة تأخذه في المغامرة ؛ مغامرة لعل الحياء الديني وحده هو الذي دفع الفرزدق إلى وصفها’’ أشد من آلام ضرسي’’ولم يجرؤ على القول مثل بيكيت إنها ’’جلسات تعذيب الروح ’’ ولأن من شأن هذه الحالة أن تنعش الروح سيعمد الكاتب / الشاعر إلى تقويتها بموتيفات تعمل على إطالتها وجعلها تتلبث في قاع الدواخل وتمس أدق الخلايا كأن يلجأ إلى تغييب الوعي تماما عبر وسائل أخرى….. حالة ملتبسة هي عبارة على تفجرات إشراقية دفاقة ممتلئة بالحياة لا تشبهها غير حشرجة الموت للانولاد من جديد.
ماذا عن الكتابة ؛الكتابةُ عندما تتحول إلى شكل من أشكال الوجود ؛وبالتالي تمحي جميع التصنيفات بشأنها؛ فلا يعود هناك شعر ولا نثر/رواية أو دراما أو نقد بل هناك كتابة فقط كتابة تحاول أن ترتقي إلى أعلى درجات الفن وتندمج مع التعبيرات الفنية الأخرى / الموسيقى / الصورة/ الصوت/ ليكتمل الفعل الإنساني إبداعا متكاملا ؛ لا أعتقد أنه مازال يمكن تجنيس الكتابة وتصنيفها بحسب ما يشترطه الأكاديميون الانضباطيون لقواعد من صنعهم ؛أن تقرأ جويس أو تقرأ فيرجينيا وولف أو تقرأ مارسيل بروست أو كامو أو إبراهيم الكوني أو سليم بركات ألم يقومو ا كل هؤلاء بنسف الحدود الاصطناعية في الكتابة ؛ ألم يحن الوقت لمحو كلمة قصيدة وتعويضها بكلمة أخرى ونفس الشيء بالنسبة للرواية أو القصة أليست هناك تعبيرات أخرى أو مصطلحات يمكن أن تعبر عن الكتابة في جوهرهها العام بدل القول أـن هذه رواية تتوفر على شعرية عالية أو قصيدة تتوفر على سردية محكمة؛الكتابة الكتابة وفقط في انتظار نحت مصطلحات جديدة
******
تحليق بلا أجنحة في سماء بلا حدود ؛ ذهابات بلا عودة ولا ضفاف لريحها لا تنشد شيئا ولا يتبعها سوى ماردها المستحيل هي الضمير اللقيط لا يصطف ضمن الطابور ليأخذ حصته من اليومي المألوف ولا يلتفت إلى الوراء رغم إدراكه لما يحويه هذا الوراء واطلاعه الموسوعي عليه إنه اللقيط الذي أنجبه هم الإقامة في الوجود بشكل أفضل لا يسمي نفسه لانه إذا تسمى انخرط ضمن القطيع لن يعدم الضمير اللقيط بقية الضمائر بما إنه يدعوهم إليه ويمتصهم جميعا سوف لن يكون السارد المنضبط لاوليات السرد ولن ينحني لسلطة النظرية بما أنه وليد اللحظة ؛ للحظة التي لا مبرر لها غير الجمال فقط؛ سينبري من يقول أن للكتابة أصولها وله ذلك وسيعترض من له الحق في ذلك ليعيد الامور إلى سياقاتها فالامر ليس هينا طالما إنه أمر جلل ولا بد من إجلال طقوسه بما يفيد الانحناء لضوابطه
الكتابة حرية
وهي فوضى السطح التي تدل على انتظام العمق
المعاناة الحقيقية لا يمكن ان تأتـي منضبطة ضمن شروط ثابتة وكذلك الكتابة على اعتبار إنها معاناة حقيقية نعم لقد استطاع المنظرون أن يدجنوا الفعل الابداعي وفق مقارباتهم لبعض الاعمال الادبية المهمة والجادة ولكن هل ينسحب قولهم وتنظيرهم على كل ما قيل
مرة قيل إن دون كيشوت لسرفانتس تتضمن التقنيات الفنية للسرد القصصي ومن وقتها تطور السرد القصصي إلى كتابات بوتور اليوم مرورا بالاختراقات الكبرى التي أحدثها جيمس جويس فرجيننيا وولف ومارسيل بروست سواء على مستوى تشكيل البنية السردية أو على مستوي لغة الحكي أوعلى مستوى المضمون ومن يقرأ الان جان ماري لو كليزيو سيلحظ حجم الاختراقات في شروط الكتابة السردية مما دعا المنظرين في هذا الجنس إلى إعادة النظر ومعاودة النظر في تنظيراتهم ايضا من حيث وظيفة السرد عموما
سيتعلق الامر ايضا بالشعر
اليست قصيدة النثرفي ها الاطاروهوما يبحث النقاد مسألة تدجينه وانقاد بعض الشعراء للاسف وراء هذا البحث ايضا كأن يبحثون لها عن شرعية في الشعر وهي الكتابة المتجاوزة للاجناس بامتياز فلماذا الاصرار على تسميتها بقصيدة النثر
قصيدة النثر التي تمتص جميع أجناس الكتابة من السرد إلى موتيفات الحوار إلى الميتا كتابة وتغذيتها بمكونات فنية أخرى
نعم هذا هو الضمير اللقيط الذي لا يستند فقط الى انفعالاته وهي وان تتغذى بما خلفه الاخرون واقصد قصيدة النثر طبعا تمتصه وتلقي به بعد ان تذوب في دواخلها كل ما فيه من جمال وتمزجه بما هو مختلف ومغاير وجديد ومتردد
كتابة مترددة فلا يقين لها ولا قرار ؛ ولا تتجه لقارئ بعينه تبحث عن جمالها في تمردها فقط اعتمادا على ما توفره مادتها الاولى ’’ ان صح ان لها مادة ’’بما أن اللغة فيها غاية بذاتها لذاتها ليس في إطار استعادة جماليات البرناسية
ما عاد الامر يتعلق بمجانية فجة غير أن المسألة تستدعي أن الجمال لا بد ان يأخذ حصته وحده مما هو مشترك بين العموم
هو هذا اللقيط الذي لا ينتسب لأحد وسيعمل كل واحد من أجل ان ينسبه إليه
و لاأحد سوى من امتلك موهبة اللعب بالهواء وبعثرته وتشكيله كرات لغوية
أليس الهواء بقاء الكائن في الوجود
*****
أيتها الكلمات
أودعتك غبطة الحياة
فأسلمتني إلى غربة الغياب
وأنا أرتقي تلك المدارج الحجرية المعتمة لم أكن أفكر في الوصول ؛ غير إني كنت منشغلا باجتياز الدرجة الموالية ؛ كمن يصعد قطارا دون وجهة مُحددة حيث لا محطة ينتظره فيها أحد ؛ حيث لا وصول ؛أجدني مقذوفا كآنية من الطين غير المحمَّى في رحم البياض وأحتال عليه بتقييد كلمة وأخرى بين تفاصيله …
أيتها الكلمات
المجنحة في السماء
دعي هتافي فيك يفتح لك في الافاق سماوات أعلى ****
من هذا البياض أرى العالم سلَّة مهملات ؛ أتوغَّل ؛ يسوقني التردد وشهوة غامضة لاجتياح تضاريس بكر تعلو وتهبط بي في منعطفات الفراغ …
قد يتهيَّأ لي إنني أكتب كما أتخيل لو إنني أطير في فضاء يزدحم بأحصنة تجر عربات لا عجلات لها ولا اجنحة وإنما هي مجازات مفردات تتمرَّد على سيرتها في معاجم تفتقد رائحة الهواء الطلق .
 
الليلة؛ أوقدت الريح قنديلا وسهرت على إيقاع رقص الكلمات
الليلة؛لن أستدعي أحدا للعشاء وذلك لعدَّة أسباب سوف أكتفي بذكر ما يحضرني منها الان:
أولا إنني لا أ‘رف متى سيكون هذا العشاء جاهزا
ثانيا لا أضمن لأحد أن يكون هذا العشاء سهل الهضم .
ثالثا وهذا الأهم ليس لدي من أستدعيه .
لا أنتظر أحدا و لآاحد ينتظرني …
لا أفكر في من سيقرؤني …
أعتقد أن فكرة القراءة أصابها البلى و تآكلت ؛ أليس من الأجدر التفكير في من سيعيد الكتابة أو يضيف إليها …
أفكر إنه إذا لم يكن القارئ كاتبا فهو لا يستحق أن يكون قارئا ؟؟
 
ما أجمل أن لا يكون لك مستقبل أيتها الكتابة أفضل من أن يلوثك العابرون بالمجاملات الفرغة…
 
لا أعتقد إنه يلزمني أن أعتمر بعمامة فقهاء اللغة لأعبر عن حب خارج مدار الجاذبية العاطفية المعتادة أو أقول معاناة يضيء عتمتها دمي ؛ سوف يحتاج إلى دروس معمقة في النحو من يعتقد أن اللغة مجرَّد أداة وفي المقابل طالما أن اللغة شرفة تفتحني على الوجود فإنها أوسع من أن يربيها النحو ..
النحو شرطي يصلح حين تشتد حركة السير عند الظهيرة غير أنه يتحول إلى مصيبة ؛ كارثة عندما يكون مخبرا يطارد ظل الملائكة …
وهبتك دمي وحياتي أيتها الكلمات أليس هذا أفضل من النحو.
 
أدخل البياض لأباغت الفراغ وأسطو على ما يزخر به من تفاصيل مربكة أعدُّ للكلمات مكائد نزوات عابرة أطارد فيها نشاوي لا أستعجل إفراغ شهواتي منها ..لست معنيا بالحديث عن شيء لا يهمني ..
كل شيء يعنيني غير إنني منشغل فقط بمطاردة الفراغ
أليس من مهما أن أكتب الفراغ ..
لا أسعى إلى صياغة معنى أو ترتيب شؤون فكرة ..
أذهب في الكلمة بنية عدم العودة بنية مباغتة الموت غير انها عادة ما تؤجل ذلك وتدعوني إلى فنجان شاي في صالة الذهول ذات الستائر الزرقاء المطلة على بحر أبيض اللون..
****
لا انتظر شيئا مما أكتبه ولا أدَّعي إنني سأعيد صياغة الكون ..****
سوف لن يهمني ما سيقال غير أن تلك التسميات من قبيل :
جميل -رديء -مدهش -سيء الأخ ألخ من مشتقات البذاءة النقدية وقلة الحياء الجمالي وقصر النظر الذوقي بما فيه من بلادة تزيد من حاجتي إلى مزيد ارتكاب حماقات أشد رداءة ليليق بي أن أكون كاتبا رديئا بامتياز.
****
أفكر في :
غينسبرغ-الماغوط- داريوفو-سعد الله ونوس-تسيلان -بوكوفسكي صنع الله ابراهيم -ميشيما- ساراماغو-بارت
سليم بركات -إيميلي برونتي -الخ …
أقول إما أن تضيف إلى ما قدمه هؤلاء أو تستحي وتكتفي بالصمت والقراءة..اما المحاولة فاقرأها علبى الريح..
ثمة من يكتب ليصبح نجما مشهورا ..
ثمة من يكتب ليكدس الثروات
ثمة من يكتب ليحقق أغراضه الشخصية البئيسة
ثمة من يكتب أيضا لإرضاء ناس آخرين
ثمة من يكتب ألخ الخ ألخ
أنا أكتب لأنه ليس لي ما أفعله
سأقول إنني في حالة طوارئ مستمرة مادمت تحت ذمة الكلمات في أي وقت ..
لا قلم لي مخصص لا ورق لي بعينه وليس بالضرورة أن أجلس إلى طاولة وأفكر؟؟ لأبتكر وجودا مختلفا
كل شيء يجيء بشكل عفوي وتأتي الكتابة من حيث لا انتظرها دائما ؛ تأتي كما تشاء وغالبا لا اطمئن إلى مواعيدها الخاطئة فيهرِّبني بؤس أشد منها إلى رغبات أخرى لا علاقة لها بالفن لإطلاقا ..
هكذا أمارس طيشي مع الكلمات
******
لَمَّا كَانَتِ الكِتَابَةُ تَجَاوُزًا وَاسْتِعَادَةً لِلْمُعْتَادِ عَلَى نَحْوٍ غَيْرِ عَادِيٍّ: الْخُرُوجُ إِلَى الْخَلاَءِ والذَّهَابُ نَحْوَ الأَقْصَى؛ الرَّقُصُ عَلَى فِضَّةِ الْمَاءِ؛ التِّيهُ فِي أَقَالِيمِ الذُّهُولِ ؛اخْتِبَارُ الْواقِعِ بالْحلْمِ وتَحْويل هَذا الْحلْمِ إلى دُستور أَوَّل بَنْدٍ فِيه الْحُرِّية والفَوضى
لَحْظَةُ الْحُلْمِ تَنْفَلِتُ مِنَ الزَّمَنِ لِتَنْكَتِبَ خَارِجَ التَّأرِيخِ مُتَمَرِّدَةً عَلَى أَيِّ سُلْطَةٍ
لاَ سُلْطَةَ عَلَى الْكِتَابَةِ؛إِنَّهَا هِي السُّلْطَةُ.
تَبْدَأُ الْكِتابَةُ مِنْ لحْظَةٍ مُلْتَبِسَةٌ وَلَكِنَّهَا طَارِئَةٌ قُشَعْرِيرَةٌ تَدْهَمُ الْكِيَانَ وَتَعْصِفُ بِجَمِيعِ ُمقَوِّمَاتِهِ وَتتحَوَّلُ اللحْظَةُ إِلَى حَالَةٍ ؛ حَالةٌ بَيْن الصَّحْو والسُّكر هَكَذا تَمَاهَى مَعَهَا أَبُو نواس ؛ حالةُ الانْعِتَاقِ مِنْ جَاذِبية الإِقَامَةِ الأَرْضيةِ إلى إقَامَةٍ في مَجَازِ الكَلِمةِ .
حالة من الغِبْطةِ والاكتئاب يَلْتَبِسُ فِيها الحضور بالغِيابِ : صَمْتٌ ضَاجٌّ هُدوء قَلِقٌ واحتفال بسفح الروح ’’ جلسات لتعذيب الروح’’ كما وصفها الذي ينتظر جودو
حالة جنون ؛ الحالة القصوى تتلبَّس الكاتب /صاحب الرؤْيَا فَيَنْهَضُ فِي خِضَمِّ أَتُّونهَا رَاعِيًا للنُّجُومِ ؛ حَارِسًا لأَنْهَار النَّوْءِ البَاردَةِ ؛ منْدَفِعا نَحْو اخْتِرَاقِ المَجْهُولِ لَيْسَ يُوقِفُهُ مُقَدَّسٌ أَوْ مُحَرَّمٌ مَلْعْون أَو مَحْظُورٌ ذَاهِبًا بَيْنَ عَواصِفِ التَرَدُّدِ وَمَتَاهَات الحِيرَةِ و..سَكِينَة التَجَلِّي الْكُبْرَى .
لا شيء يَطَالُ حَالة الكِتابة غير القُدْرَة على الثَّبَاتِ و..الصمت واقتناص الرؤيا لذلك تتأَكَّدُ فِعْلا كونيا خَارج القانون ؛ خارج النصِّ .
:يقول لطفي اليوسفي في ’’ نداء الهوامش’’
(لَكَأن الشعر هو نداء المتوحش في الذات أينداء من الذات لا يقبل الترويض والتدجين والاحتواء ؛ إنه نداء الحرية)
ليس الشعر متنا إنما هو هامش؛ الهامش ما لم يتم تأطيره ؛ هو المختلف ؛ المغاير والمحدث ؛ الهامش هو ما لم يمتثل لأي سلطة طلبا للحرية
الشعر حرية
( أَنا أكبر من العروض)قالها واحد من اكبر شعراء العرب في زمن الامتثال لسلطة العروض ..العروض مؤسسة وسلطة أدبية دستور في الكتابة اتفق عليه العرب قديما و..حديثا ؛ المارق عن هذا الدستور فاسد وفاشل و لا خير فيه غير انه لا خير في الشعر إذا دخل الخير أيضا
قال الأصمعي وهو من هو :
(الشعر نكد بابه الشر ؛ فإذا دخل في الخير فسُد)
أما لطفي اليوسفي فيؤكِّد مرة أخرى:
(عالم متناقض مع متطلبات المدينة والاجتماع لأنَّه يقوم على الخروج الدائم من الأليف إلى المتوحش ؛ من النظام إلى الفوضى )
أقوى الشعر ما تمرد على الانضباط و خرج عن المؤسسة وأضمر الخيانة خيانة افق انتظار القارئ يربكه ويزعجه لأن الشعر هو شكل إقامة في الوجود لا تلتزم بالقانون ؛ لذة المغامرة وإطالة أمد الحلم وسطو الرؤيا على الواقع
الشعر أكبر من النص والكتابة أكبر من الشعر والإقامة على الأرض رؤويا أكبر من الكتابة وهذا شأن آخر
********
تفتقد الأسماء مبرراتها ومشروعيتها وتتكفل التجليات التي يحياها الفرد لحظة مطاردة الغواية بتعريفه وتلمس الطريق إلى هويته هذا إذا تماهينا مع الإعتقاد السائد الزائف من أن الاسم هو أحد وجوه معرفة الكائن ؛ ليس لأن الاسم شكل من أشكال السمو وليس لأنه حرف منطوق يُراد من تلفظه إزالة غربة الكائن في قطيع الزحام ولكن لأنه مجرد رقم في دفتر مؤسسة شديدة الانضباط حولت سمو الحرف إلى خضيض الرقم فلن بعني الاسم غير التدجين ؛تدجين الكائن المتوثب في الدواخل وتقييده في سلسلة من الأرقام يلهو بها سيد الرعية مثلنا يلهو بمفاتيح سيارته ومفاتيح بيت العشيقة وخزانة المال ويحدث أحيان أن رقما من هذه الأرقام يتجرأ ليتحول عددا فيجعله السيد صفرا
لن يعني اسمي شيئا
لا اسم لي
ورقمي في المعادلة الحسابية المغلوطة مشوش.
ولعلني إذ أراهن على الكتابة إنما أحرِّض الحرف على الرقم ليتحول فعل الكتابة من مجرد إقامة في الوجود إلى مواجهة ومقاومة وهو ما يعني الوفاء إلى المعنى القتيل للكتابة ألا وهو التحرر
الكتابة تحرر وخروج وهي مكابدة وعاناة من أجل تسريح الذات من مشاغلها الزائفة
سيغدر بك الاسم كلما حاولت السمو به
يشدك إلى الحضيض
سيحفر لك قبرا في الضجيج
ويهيئ لك مصيدة في الزحام
سيؤبنك حتما في تقمصات أخرى
ولكن بعد أن يغتالك الآن بالحرمان
سيحرمك لذة المشي وحيدا حيث تشاء ويهججك حيث لا تشاء في دفتر برف وسط خزانة متآكلة يقتات منها الغبار و العثُّ
سيتبعك كمحبر يتملى تفاصيلك و مزاجات روحك
سيشي بك كلما نويت الرقص على الرصيف تخت المطر ويشيبك كلما اهتز فؤادك لعشق طارئ
سيشي بك ويسجنك
لا اسم لي
والكتابة مقاومة شديدة الشراسة للاسم
وإذ نولد أمواتا حين يسموننا تتصدى الكتابة لاستعادة الحياة فينا
لا حاجة للكاتب باسم لذلك يعمد أشد الكتاب توهانا إلى استعارات طارئة وإجرائية
اسم الكاتب ما يكتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق