شؤون ثقافية

(القافلة) تقرع أجراس الخطر!

(القافلة) تقرع أجراس الخطر!
 
جلال زنكَابادي
 
{ (القافلة تقرع الأجراس) إفتتاحية العدد الثاني من مجلة(القافلة) الفصلية الصادرة عن وزارة ثقافة إقليم كردستان،
في صيف 1993 والتي كنت سكرتير تحريرها،
ويتجلّى فيها جهيراً إستشراف الإحتراب الكردستاني البغيض قبل قرابة السنة!
ولقد تعرّضت بسببها لمساءلة الشاعر شيركو بيكس، وزير الثقافة و(رئيس تحرير المجلة) آنذاك؛ حيث إستعداه عليّ نفر من أعضاء برلمان الإقليم وفلول العفالقة ! لكنه سرعان ما سبقني ، في خريف السنة نفسها، باستقالته؛ قبل أن يقيلوه من منصبه لأدائه الفاشل!
أمّا أنا فقد تركت المجلة مستقيلاً من سكرتارية تحريرها، بعد صدور عددها المزدوج (3و4) خريف وشتاء 1993
وهنا يحضرني ردّي على صديقي الشاعر بيكس:
” أنا أديب ومثقف مستقل مستميت معتز جداً بمواقفي وآرائي،
لست عرضحالجياً.
لماذا لا تكتب أنت أو وكيلك من الحزب الحليف إفتتاحيات المجلة بالكردية لأترجمها ، فتنشروها؟
ثمّ أليس من الأفضل أن تصبغوا بالفيفتي- فيفتي صفحات المجلة
باللونين الأخضر والأصفر؟!” }
والمقالة منشورة أيضاً في كتابي (الثقافة الكرديّة: مشكلات، معضلات وآفاق…) المنشور في 2010
وإذْ أعيد نشرها بعد 20 سنة؛ فلأن ثمّة جوانب عديدة في مجمل أوضاع كردستان، ينطبق عليها ” ما أشبه اليوم بالبارحة!”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رهن العديد من الحصارات الغاشمة، التي تتحلّق كردستاننا المحررة، وفي وضع لابشري مزرٍ وعصيب، تُستثنى فيه الحرّية العزلاء! يخوض شعبنا الذي انعتق منذ سنتين من نير الكابوس الدكتاتوري البغيض، باستماتة تجربته الديموقراطية الفتيّة، ملتفاً حول برلمانه المنتخب ديموقراطياً، وحول حكومته الإقليمية الناهضة، التي أضحت محط أنظار كل الكرد المتطلعين إلى نيل حقوقهم القومية المشروعة…وهكذا أصبحت كلمة (الديموقراطية) منذ عامين ونيّف ملكة قاموس مجتمعنا الكردستاني بكل شرائحه، التي طالما كابدت الظمأ التاريخي إليها؛ مادامت بمثابة الدواء السحري لكل داء! لكنّما ما أشقى هذه (اللفظة) التي تكاد أن تفقد جوهر دلالاتها الثرية؛ من فرط تداولها الببغائي والمجاني..!
إذ ان الديموقراطية على كل الصّعد تعني:
– قوّة الحق، لا حق القوّة.
– سيادة القانون والنظام.
– عدم التمييز عنصرياً، دينياً وطائفيّا…
– الإحتكام إلى إرادة جماهير الشعب.
– ضمان إحترام كرامة الإنسان وحرياته الأساسية ومنها: العقيدة، التعبير، التنظيم والإنتخاب …
– تعايش التعددية: السياسية، الدينية والثقافية.
– حرية الصحافة.
– ضمان إحترام الأغلبية لحقوق الأقلية، وفي أولويتها: حقها في المعارضة؛ حيث يكون حق الأكثرية في الحكم مشروعاً ومتواصلاً على قدر اعترافها الفعلي بحق – الأقلية- الأصيل في ممارسة المعارضة بالأساليب والطرق المنصوص عليها قانونياً.
– تكافؤ الفرص؛ حيث تتحاور العقول، تتعانق القلوب، تتسامح الضمائر، وتنتج وتبدع الأيدي والعقول، في بوتقة التعايش، بلا إكراه ولاتعسّف..
– مناهضة البيروقراطية بشتى مظاهر فخفختها وأبهتها الجوفاء الزائفة.
ثم إن الديموقراطية تعني من قبل ومن بعد:
حضور العدالة الإجتماعية، التي طالما دمّر حجبها أقوى الإمبراطوريات ومنها ما لم تكن الشمس تغيب عنها! أجل؛ إن الحريّة بلاعدالة تسودها الفوضى، بل لاحريّة بلا خبزنا كفافنا أصلاً!
وهنا أعني نفراً من خالطي الأوراق(جهلاً أو تجاهلاً) هنا وهناك، يحشر عنوةً أيّ نقد (حتى البنّاء) لسلبيات مسيرتنا الديموقراطية، في خانة دسائس( الطابور الخامس) !
كان لابدّ من تسطير المديح السالف لمعشوقتنا (الديموقراطية) المنشودة قبيل تقديم لمحة خاطفة مونتيفية عن مشهدنا الثقافي الراهن، لاسيما تسليط الضوء على محنة المثقف في إطار المشهد الحياتي العام؛ ففي المشهد الثقافي الراهن:
يهيمن الخطاب الإعلامي/ الدعائي على الخطاب الثقافي/ الإبداعي، رغم مضيّ أكثر من عامين على انتصار الإنتفاضة الربيعية العظمى، التي كان من المفروض أن تعقبها إنتفاضة ثقافية، بل ثورة ثقافية جذرية ترتكز على سياسة ثقافية قومية وديموقراطية راديكالية؛ بغية تنمية ثقافية مستقبلية الآفاق…لكن وا ثقافتاه وأسفاه؛ فمازال السائد هو:
– التخلف
– غياب الوحدة الثقافية
– غياب الحوار الثقافي
– غياب سلطة الثقافة
– ديمومة الغزو الثقافي
– تفاقم هجرة العقول وذوي الكفاءات
– بطالة عشرات الألوف من خريجي الجامعات والمعاهد…
– و……….
وكلها مشكلات ومعضلات خطيرة، لايجوز غض النظر عنها والإستهانة بها …
فبدلاً عن نشدان الوحدة الثقافية القومية، تخطياً للحدود المصطنعة والغيتوات اللهجوية والإقليمية، أخذت إرهاصات (غيتوات الحزبنة) بالنشوء، والتي ربما ستفضي إلى الشيزوفرينيا الثقافية والإحتراب السياسي من بعد!
وبدلاً عن نشدان الهوية القومية الأصيلة؛ أمست أكثرية فقرات برامج قنواتنا التلفزيونية بؤرة متطوعة للغزو الثقافي الأجنبي وغير ذلك؛ ممّا يشكّل خطراً جدياً على مستقبلنا الثقافي.
ثم إن الإهدار الملحوظ في المال والجهد والوقت على الصعيد الإعلامي بالأخص ذو أثر ضئيل جداً في المنحى الثقافي/ الإبداعي، وهو أضأل من أن ينقذ مستقبلنا الثقافي…
ولذا فإن المسألة الثقافية تتطلّب من كل المعنيين والمختصين فتح حوار شامل وعميق، جاد وبنّاء للشروع العاجل بدراسة وبحث المشكلات والمعضلات السائدة( الآنية والمزمنة)، والتعجيل باختيار الحلول الناجعة لها قبل فوات الأوان بإقران الأقوال بالأفعال والشعارات بالأفعال الخلاّقة؛ فالأجدى(مثلاً) للأحزاب السياسية المناضلة، وهي ذات إمكانيات مادية هائلة تفتقر إليها حكومتنا (الرضيعة!) أن تبادر باستقدام المطابع، وتنسّق بعدها مع وزارتيّ الثقافة والتربية وسائر الإتحادات والجمعيات والمنظمات: الأدبية،الفنية، العلمية، الفكرية والمهنية(شبه المشلولة حالياً) بغية تفجير أعظم إنتفاضة ثقافية ممكنة…وعندها سيكون الحصان أمام العربة بالتأكيد.
فحذار، إذنْ، من تفويت هذه الفرصة التاريخية الذهبية، التي قد لاتتكرر حتى قرن آخر! إن وضعنا الراهن معقد وإستثنائي على الصّعد كافة؛ وعليه يستوجب منّا حلولاً وأفعالاً إبداعية/ إستثنائية، لا بالأساليب التقليدية المتخلفة عن استيعاب هذه الإنعطافة التاريخية الحاسمة في حياة شعبنا التوّاق إلى مستقبله المشروع، وإن أيّ تذرّع ببقاء النظام الدكتاتوري لايعدو سوى التلويح بـ (قميص عثمان)!
وهنا أيضاً حسبنا أن نستنهض همم الغيارى والمخلصين إزاء محنة المثقف الكردستاني، وما أدراك ما محنته!!!
يقيناً إن أمتنا الكردية المعطاء لم ولن تفتقر، ذات يوم، إلى المبدعين شأنها شأن سواها من الأمم، لاسيما المجاورة، التي استفادت أيّما استفادة من مبدعينا المنسلخين قومياً! لكن مبدعينا الآن (مستضعفون) بكل معنى الكلمة، وينطبق عليهم ما قاله أحد المتصوفة:
” ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له: إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء!”
ففي وضع، يزداد الأغنياء(أثرياء السياسة والفرهود..) فيه غنىً والفقراء فقراً؛
مَنْ لايقاسِ ضائقة السكنى والزمهرير والقيظ،
منْ لايشترِ الدقيق بالكيلوغرامات، الكيروسين باللترات وأسمال اللنكَه،
منْ لايلسعه ولايلدغه يومياً أثرياء النهب والسلب والسوق السوداء،
منْ لايهرسه إكتظاظ الباصات المترنحة،
منْ لايشقَ ولايهدر جلّ وقته قلقاً في الصراع من أجل البقاء فحسب
…وهلمّ بنا جرّاً؛ لايمكنه أبداً أن يدرك ما يعانيه سواد هذا الشعب الأبيّ الحليم؛ فكيف يتحسس محنة المثقف الحقيقي النزيه، الذي نذر نفسه لقداسة الكلمة الحقة الصادقة المتجذرة في صلب الموقف المبدئي الراسخ، لا في الدينار والدولار والدعة والأضواء مثل (أثرياء الأقلام المتجحشة المخضرمين)؟!
يا ترى هل يعرف اخوتنا الساسة المترفون المتخمون أن سوء التغذية يؤذي (الجملة العصبيّة) فيحدّ من قدرة الإنسان على إنجاز مايزيد عمّا هو ضروري لأجل البقاء؟!
ثمّ ألم يتناهَ إلى أسماعهم قول الزعيم الإنكَليزي الشهير تشرشل: ” إن بريطانيا لمستعدّة للتنازل عن كلّ مستعمراتها، لكنها غيرمستعدّة للتنازل عن أدب شيكسبير”؟!
وهل يدركون أن الجوع الكافر يمكن أن يدفع الناس إلى أفظع الإنحرافات والأمراض : الأخلاقية، الأجتماعية والسياسية؟!
وهنا إذْ نذكر ماقاله شيخنا الجليل أبو الحيّان التوحيدي: ” …وأغرب الغرباء منْ صار غريباً في وطنه….!” ننحني إجلالاً لكلّ مبدع كردستاني مابرح يكابد ويجاهد لرفد المسيرة الثقافية بحمية الزهّاد واستماتتهم…وفي الوقت نفسه نجهر:
– لايظننّ ولايتوهمن ذومال وجاه أن يوتوبيا أنانيّته ستظلّ مأمونة بمعزل عن مستقبل جماهيرنا المسحوقة ومصيرها؛ حيث ان شحّاذاً في وطنه لايضاهيه إمبراطور في المنفى!
أجل: إسمعوا معي الشاعر جون دُن(1572-1631):
” ليس الإنسان جزيرة قائمة بذاتها
إنه قطعة من القارة، جزء من البرّ الأصلي
والبحر ينقص من أوربا كلّها؛
حين يجرف كومة من ترابها،
أو نتوءاً من صخورها
ولن يختلف الأمر
ان يجرف مزرعة يمتلكها أصدقاؤك،
أو تمتلكها أنت!
إن موت أيّ إنسان يُنقصني أنا؛
لأنني داخل الجنس البشري؛
لذا لاترسل منْ يستطلع:
(لمنْ تُقرع الأجراس؟)
إنها تُقرع لك أنت”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق