شؤون ثقافية

السرقات الفنية فضائح فيسبوكية مؤقتة

السرقات الفنية فضائح فيسبوكية مؤقتة

بسمة شيخو

يُقال أن بيكاسو كان لصاً عظيماً عن ذلك قال هنري ماتيس “إن الأسد هو مجموع الخراف التي التهمها، غير أنه يظل في النهاية أسداً” وذلك طبعاً دفاعاً عن بيكاسو وتبريراً لأفعاله، عددٌ من الفنانين كانوا يخفون لوحاتهم الجديدة أثناء زيارة بيكاسو لمراسمهم خوفاً من سرقاته -غير المباشرة-، مع ذلك اسم بيكاسو ظلّ لامعاً في سماء الفن ولم تستطع أيٌّ من هذه القصص أن تشوّه وجهه الجميل، أو تزيحه عن مكانته كواحد من أهم الفنانين العالميين وأكثرهم شهرة، هل يعود ذلك إلى ذكاء “بيكاسو” وإبداعه الفني الذي جعله يصنع مما اقتبسه (ليس من الفنانين فقط، بل من الحضارات القديمة وفنونها) مادة جديدة غنيّة تجاري الأولى جمالاً وتسبقها أحياناً من بإدخال روح الحداثة والتجريب إلى أجسادها المحنّطة، أم أنّ الاسم الكبير للفنان تجعله في حصانة عن المساءلة؟، إذن اصنع لنفسك اسماً في الوسط الفني وقم بما تشاء، ستجد دوماً من يدافع عنك، ينفي عنك آثامك الفنية أو يجد لها منفذاً ومبرراً تجعلها مستساغة بعد أن تكون غصة كبيرة في حلق المتلقين. فلطالما كانت حقول الإبداع تحمل ثماراً مغريّةً للسرقة من قبل مدعي الفن والأدب، وأحياناً من قبل فنانين أيضاً لكنهم قصيرو النفَس أو ضيقو الموهبة، فنجد جملاً شعريّة مسروقة بحذافيرها أحياناً أو مندمجة ضمن قوالب جديدة، لا يستطيع إمساكها غير صانعها وخالقها ذاك الذي لا يتوه عن نتاجه كالأم لا تخطئ طفلها، ونجد أسلوباً فنياً –وهذا يكون أوضح من سابقه- متبنىً مع إضافات من المكياج في محاولة لإخفاء ملامح الجريمة، مكياجٌ يشوّه الأصل أحياناً ومراتٍ يزيده جمالاً؛ فيما سبق كان النقّاد هم أول من يتنبه لهذه السّرقات، كانت السرقات أقل عدداً وانتشاراً، كانت شذوذاً ولم تكن قاعدةً كما هي هذه الأيام، اليوم السرقات من كلّ حدبٍ وصوب فنانون عرب ينسخون لوحات لفنانين غربيين يظنونهم مغمورين، ويتوقعون أنهم الوحيدون ممن اطّلع على نتاجهم (وهنا ثلاث حالات، إما طباعة اللوحة على القماش وإعادة تلوينها بأسلوبٍ جديد، أو وضع اللوحة أمام الرسّام والبدء بنقلها وكأنها تكوين طبيعة صامتة أو اختيار أسلوب مستخدم لرسم عناصر لوحات هذا الفنان واعتماد ذات الأسلوب بتفاصيله)، السرقة ليست حكراً على الغرباء أحياناً تكون السرقة من الجيران من أقطار عربية متجاورة، وقد تتجاوز الوقاحة هذه الحدود ويسرق الزملاء من بعضهم ضمن مكانٍ واحد مراهنين على بريق اسم أحدهم واصطفاف باقي الفنانين في صفه وذلك في ظلّ غياب الحركة النقدية والثقافة البصرية الصحيحة؛ في مثل هذه الحالات يصبح الجمهور الفيسبوكي -المتابع للفضائح الفيسبوكية- هو أول من ينتبه للأمر، لا بحنكة منه غالباً بل بعد متابعة لمنشورات من التشهير وما تحمله من سجالات بين معجبي كلٍّ من الفنانين المتصادمين، وقد يتبنى بعض الأصدقاء القضية فتتوسّع القضية ونقرأ دفاعات وشروحات تنفي التهمة وتوجه إصبع الاتهام للآخر الذي يستخدم سلاحه الفيسبوكي (الحظر)، لتُطوى القصة دون أن تُمسح الغشاوة عن أعيننا، دون أن يُعاقب أحدٌ على الأقل بنعته ب(سارق) وإهمال نتاجه مع إخراس الطبول التي تهللّ له، لئلا يستمرئ الأمر كما يحصل الآن؛ فهل من المعقول أن يستطيع أيٌّ كان استنساخ تجربة آخر وعرضها وسماع الثناء والتطبيل والتزمير ببساطة، دون أي احترام للفن ولسطوة الإبداع وجبروته؛ في النهاية لن يستقيم الأمر ويعتدل ما دام نقّاد الفن نائمون –افترضنا بنيةٍ حسنة وجودهم- وما دام الضمير نائماً بجوارهم سعيداً بغياب حقوق الملكية عن هذه الفنون واستحالت تطبيقها بالطبع بسبب زئبقية التعامل مع هذه الحقول الإبداعية، والتباين في الرؤى بين المتلقين واختلاف وجهات نظرهم مما لا يسمح برسم خطوط واضحة تنظم اعوجاج الأمور وتصوّب ما تشوّه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق