شؤون ثقافية

برزخ

برزخ
 
“تيم” صديقي الوحيد، لا يؤمنُ إلا بما تراهُ عيناه، وتلمسُهُ يداه. نجتمعُ في مقهى “خبيني” وسطَ المدينةِ القديمةِ، حيثُ تختلطُ عفونةُ الأزقةِ الرطبةِ بروائحِ النارجيلات المنتشرةِ على الشُّرفاتِ الضَّيقة؛ِ لتبدوَ من بعيد كحدائقِ بابل المعلَّقة والقادمُ إليها يشعرُ بخدرٍ يسري في جسدِهِ وكأنه ارتشفَ دنانَ خمرٍ معتقٍ.
 
“خبيني” هو اسمٌ أطلقتهُ على مقهانا الأثيرِ تيمنًّا بخالةٍ لي أكنُّ لها محبَّةً لا توصَف، كانت قد حكتْ لي عن حبِِّها الوحيدِ وأنها كانت تلتقيه في مقهى يشبهُ موقعَ هذا المقهى تمامًا
فاجأني “تيم” بسؤالٍ حولَ الغيبياتِ وفيما إذا كنتُ أؤمنُ بها أم لا.
لم أكن على أهبةِ الاستعدادِ للرَّدِ عليه، ربَّما بعد كؤوسِ النبيذِ تلك، لم أعد أركِّزُ جيدًا؛ فجاءَ جوابي غامضًا لم يرضِهِ إطلاقًا كرَّرَهُ على مسامعي عدَّةَ مرَّاتٍ وأنا أماطلُ، وأماطلُ لأكسبَ بعضَ الوقت، أنقذني من هذا المأزقِ النادلُ “خليل” حينَ تعثَّرَ بقدمي، وأسقطَ من يدِهِ طلباتِ الزبائن.
 
هنا لكل وافدٍ طقوسهُ الخاصَّة، الجميعُ يعرفونَ بعضَهم البعض بالإسم؛ فهم ليسوا روَّدًا عابرين، إنهم من أعمدةِ المكانِ يلوذونَ به كل ليلةٍ، يُفرِّغونَ شحنةَ يومهِم العصيبِ في زجاجاتٍ يتجرَّعون فيها بؤسَهم، وضياعَهم.
لفتَ انتباهي هدوءُ، وانعزالُ “وحيد” في زاويةٍ معتمةٍ على غيرِ عادتِه وهو الذي يقيمُ الدنيا ويُقعدُها بعد أوَّلِ رشفةِ خمرٍ تُرطِّبُ جفافَ روحِه؛ فيبدأُ بالنحيبِ والصراخِ منادياً أَّمَّه المتوفاة، يعانقُ مسندَ الكرسي ثم يغفو كطفلٍ صغيرٍ.
 
عاد “تيم” يلِّحُ عليَّ بالسؤالِ؛ فلم يكن مني إلا أن همستُ في أذنِه: ما بكَ يا صاحبي، دعنا من هذه الترهاتِ ولنرَ ماذا حدثَ مع “وحيد” حتى أصبحَ في حالةِ ركودٍ مثيرةٍ للقلق، لكنه صرخَ في وجهي بأعلى صوتهِ موجِّهًا نفسَ السؤالِ على الملأ: هل تؤمنونَ بالغيبياتِ يا سادة؟!
وجمَ الجميعُ عاجزين عن الرَّدِ، إلا “وحيد” نهضَ بسرعةٍ متوجِّهًا صوبَنا بثقةِ الواعي تمامًا لما سيُدلي به أمامَ هذا الجمعُ المنهكُ، المثقلُ بمأساةِ الوجودِ والعدمِ، واستهلَّ الكلامَ بسؤال: أين أنتم في هذه اللحظةِ بالذات؟!
حقيقةُ الأمرِ أنني صمتُ لأنني لا أعرفُ أينَ أنا ولا من أينَ أتيتُ ولا إلى أين ذاهبٌ. أيكونُ ما أفكرُ به ينطبقُ على حالةِ “تيم”؟!
 
تسارعتْ أنفاسي حتى باتتْ حشرجةً ضاقَ بها المكانُ، وامتلأ بأطيافٍ تجوبُ أركانَه كما لو أنها تسبحُ في سائلٍ أمينوسي لرحمِ ذاكرةٍ تعاني مخاضًا عسيرًا.
تملَّكني الهلعُ عندما رأيتُني أسبحُ مع السَّابحين في هذا السَّائلِ اللزجِ.
أنا هنا وهناك.. التفتُّ إليَّ ساخرًا من هلوستي، مددتُ يدي إلى “تيم” لأتمسَّكَّ به، سقطتْ ذراعي في الفراغِ، ولمحتُني أنفخُ فقاعاتٍ نكصتْ فيها شهقاتي إلى مُستقرِّها.
 
8/12/2016
ريتا الحكيم
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق