شؤون ثقافية

الشعر العربي الآن في عصره الذهبي

الشعر العربي الآن في عصره الذهبي
 
عبد النبي حاضر
 
 
سأجازف وأدعي شيئا نكرا وأفتري مالم يقله كاتب يشك في وضعيته المعنوية المهزوزة بحكم شيوع ثقافة الضحالة المعولمة كما وصف ذلك المفكر واللساني نعوم تشومسكي أو ناقد بائد يرتعب من كل جديد وصار حارس تقاليد وبنيات سادت وبادت وإن حصل و تناول نصا جديدا فبأدوات فقهية تميز بين الحلال الإبداعي وحرامه بفتاوى مؤدى عنها سواء من مؤسسات ثقافية خارج النص وداخل الجيوب أو أنظمة مستبدة لا ترى بعين الرضا استرجاع الشعوب للكلمة وتحررها من الخوف الرمزي كما وصفه بيير بورديو وهدمها لكل الأسس الفكرية والخرافية والدينية التي تقيم عليها تلك الأنظمة سلطانها ودوامها. سأقول أن الأدب العربي وعلى وجه الخصوص الشعر يعيش عصره الذهبي وأوج إبداعيته وذلك للاعتبارات التالية:
 
-الشعر العربي بصيغة قصيدة النثر انفك فعلا من لغة ابن منظور بكونها معيارا واحدا مطلقا وثابتا وانخرط في الهنا/الآن بلغته السفلية وانزياحاته المستقاة من اليومي العابر وانفلت أيضا من الذاكرة كاعادة تدوير للقصيدة القديمة بأشكال شعرية تجدد الشكل دون ان تمس بالجوهر أي النمط. قصيدة النثر صارت قصيدة وجود وليست قصيدة ماهية او مثال.
 
-الشعراء الحقيقيون منذ الشاعر المجهول الى محمود درويش
 
( لاتصدق خلاصاتنا وانسها
وابتدئ من كلامك أنت
كأنك أول من يكتب الشعر
أو آخر الشعراء
إن قرأت لنا فلكي لا تكون امتدادا
لأهوائنا
بل لتصحيح أخطائنا من كتاب الشقاء)
 
كانوا يخاطبون الشاعر الخبيء في كل فرد ويدفعون هذا الفرد كي يكون قصيدة نفسه ومؤرخ ذاته ومنتج شعره الخاص في اطار الشجرة الشعرية العظمى. نبوءة درويش تمسي ظاهرة ابداعية جماعية. وهذه لعمري غاية غايات الشعر، أن يصير الشعر بوحا وفعلا جماعيا. قصيدة النثر دمقرطت القول الشعري واسترجعت الشعوب بذلك صوتها الذي كانت تحتكره أقلام اللاهوت وحراس المعبد الثقافي من كتاب وشعراء ما يسمى النخبة. لقد ولى زمن الشاعر الوحيد الذي كان صوت الزعيم الوحيد والرئيس الوحيد والحزب الوحيد والنمط الوحيد. قصيدة النثر صوت ثورة الشعوب على جميع اصناف التسلط سواء كان باسم الدين او المؤسسة او الايديولوجيا او النظرية. فلاغرابة أن تثور المدعوة نخبة(كتابا ونقادا) على امتلاك الأفراد حق الكتابة والابداع وترفض نزعتهم الابداعية الجديدة ليبقى لها نوع من التميز داخل المجتمع.
 
-قصيدة النثر تُعيد الشعر الى روحه البدئية لفوضاه وفوضويته ، لحريته وتحرره في التعبير والحياة. من ثم استطاعت أن تؤسس تحولا جذريا في مفهوم وطبيعة الإبداع الشعري. لقد خرجت عن ماهية الشعر العربي كشعور- وهذا ما يفيده الجذر اللغوي للشعر(شَعَرَ)- كانت الغنائية أقصى تجلياته ودخلت الى أفق الشعر الكوني الذي انبثق عند اليونان بحيث أن الشعر(باعتبار أصله اللغوي poíêsis) خَلْقٌ وتعبير عن الذات والعالم يمزج كل الأجناس من أسطورة وحكاية وملحمة وعلم وفلسفة وثقافة شعبية في بوثقة القصيدة.
 
-في اعتقادي قصيدة النثر الآن تقوم بطفرة نوعية باتجاه القطع مع الغنائية التي ظلت مستميتة حتى في الشعر الحر وقصيدة التفعيلة. ونصوص محمود درويش النثرية رغم تجديدها على مستوى الشكل لم تسلم من ترجيعات الغنائية وأسلوبيتها. لعل تجربة وديع سعادة منذ بدايتها دفنت بشكل حاسم الغنائية وكل حمولتها اللغوية والوجودية. هنا أطرح سؤالا: ما معنى غنائية تقول عالما وحشيا؟ وهل تمكن أصلا الغنائية عند انسان تحول الى آلة قتل؟
 
-حين قال تزڤيتان تودورڤ سنة 2007 أن الأدب في خطر-وهذا عنوان كتابه- ربما كانت مقولته تهم أكثر الأدب الفرنسي ولم يأخذ الناقد واللساني بعين الاعتبار الآداب الافريقية والعربية خاصة اللتان كانتا في أوج سورتها وانطلاقهما وثرائهما. وقد تأخر كثيرا في اطلاق هذا الانذار لأنه بعد سان جون بيرس وروني شار- اسوق فقط الشعراء تبعا للمقام والمقال- اصبح الحقل الثقافي الفرنسي في حالة ركود وتراجع رغم الانتاجات الغزيرة المعروضة في السوق مما اضطر الدوائر الثقافية الفرنسية الى دعم ترجمة شعراء أمريكا اللاتينية لضخ دماء جديدة في شعرية اوربية وصلت أقصاها. الشعر العربي الآن يمكن ان يقدم شعرية وجودية قوية وثرية ومخالفة ومتخطية.
 
على هذا الأساس لا يمكن بتاتا للمناهج النقدية التقليدية والتجزيئية أن تسعف في قراءة قصيدة النثر. يلزم تحيين الرؤية لها أولا قبل اي محاولة لدراستها وتأوليها. وإن كان ولابد من منهج ما فيجب أن يكون حرا متحررا متعددا كونيا وانسانيا كما هو حال منهج الأنساق الثقافية النقدي الذي يخصص أكبر حيز من اشتغاله للرواية مبعدا الابداع الشعري من زاوية اشتغاله ومن أفق اهتمامه إلا ما نذر.
 
وعلى هذا الأساس أيضا ينبغي أن يتجند المترجمون العرب الى قلب المعادلة. لايمكن للثقافة العربية أن تبقى في وضع الاستقبال، خاصة بعد أن ترجمت التجارب الشعرية العالمية البارزة. الشعر العربي بزخمه وثراءه وجدته له ما يمكن أن يقدم للعالم. بدل أن نضيع الوقت في ترجمة شعراء أجانب لا يقدمون جديدا شعريا- أغلب ما يترجم الآن من شعر أجنبي سواء بالانجليزية او الفرنسية هو شعر ركيك ومبتذل – لم لا نعكف على ترجمة نفائس قصيدة النثر العربية بكل أصواتها: الكردي و الإيزيدي والسرياني والأشوري والقبطي والشركسي والعربي والمسيحي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق