شؤون ثقافية

لم أسمع كلام أمي .

لم أسمع كلام أمي .

محمد سليمان زادة

قالت لي لا تعط كل مفاتيحك لأنثى فقد تقفل عليك كل الأبواب وتمضي .. اترك مفتاحآ للأيام فالحياة ظالمة احيانآ.. وواحدة فقط هي أمك .
حين تزوجت رأيت فرح أمي وحزنها فكانت كأي أم تنتظر هذا اليوم الجميل وتخافه بشدة .. تخاف أن تصبح الثانية في حياة ولدها وان تنال الزوجة المكانة الأولى كما يحدث .. تخاف أن تخطف الزوجة ولدها بعيدآ وهي تعرف أن الولد يلحق بحمامته أينما حطت وينسى التي كانت تطعمه بفمها .. كانت بصراحة تخاف اليوم الذي ستحل فيه ضيفة على بيت ولدها .. تخاف أن ترافقهما في مشوار وتجلس على الكرسي الخلفي للعربة… تخاف أن تعطي رأيها في أثاث البيت فتقول عنها الزوجة ( أمك موضة قديمة ) تخاف أن لا تحبها الزوجة فيقع أبنها في شباك الحيرة واليأس ..
تخاف من ان تحال بكل طيبتها إلى التقاعد .
لم أسمع كلام أمي .
حين قالت لا تتكاتف مع ابن عمك على الغريب ولا مع أخاك على أبن عمك .. حاول ان تكون مع الجميع وانا حاولت لكنني فشلت فتكاتفت مع الجميع ضدي … ورحت احارب نفسي ليل نهار واتوعد نفسي كل صباح امام المرآة بحرب طاحنة لا رحمة فيها .. قلت لنفسي في المرآة ..
_ لن اصالحك ايها العدو. . ساقطع راسك بهاتين اليدين وقال لي رأسي…
_ ساطعن الف سكين في قلبك
لم أسمع كلام أمي .. فخضت حربآ طويلة مع نفسي وكنت ارى راسي معلقآ فوق سور بعيد كل ليلة .. هكذا مرت سنواتي بعناد محارب بلاقلب وبصبر الانبياء على الخسارات .
أمي قالت لا تلعب بعيدآ عن المنزل ستضيع في رحيق النساء وستخطفك الذئاب .. لكنني لم اسمع كلامها نسيت وأبتعدت عن المنزل دون ان ادري انني ابتعد .. كنت اتتبع رائحة امراة مرت في شارعنا فايقظت المكان .. ولحقت بها من شارع لشارع وثم من مدينة لمدينة ومن بلد الى بلد ورايت نفسي اعبر الانفاق بحثآ عن الضوء .. ذلك الضوء الذي كنت اراه في وجه امي فقط وخطفتني السنين في نفق الغياب .. اين الضوء !!!!!!.
اين الضوء يا امي … فأنا خارج النفق منذ سنين .
لم أسمع كلام أمي .
حين قالت لي.. أسألني انا ولا تسأل طبيب فأنا أمك .. أنا مفاتيح جيناتك و أرقام نبضك. . انا كل الحكاية انا البطل الذي خلف الكواليس ..انا اول من سمع صوتك وكان صوتي أول صوت تسمعه في الحياة انا اول أمرأة داعبت رأسك قبل الولادة .. انا التي وزعت السكاكر على الجيران حين برزت أسنانك ..
وأنا التي وزعت الهدايا حين وقفت على قدميك لوحدك .. وأنا التي ضمدت اول جرح في رأسك بحفنة بن .. وانا الوحيدة التي كانت تفرح بهذه الكلمة . ( هذا ابني انا )
انا التي بيدها مشطت شعرك دون ان تستخدم الأمشاط وبيدها الى المدرسة سحبتك وبيدها الى الحياة دفعتك وبيديها الثقيلتين ودعتك
لم أسمع كلام أمي ..
حين قالت لي أن الوطن ليس قطعة أرض .. الوطن روح يا بني الوطن انت انا والجيران والأحبة .. هذا هو الوطن يا بني ..
لم اسمع كلام امي .
وأكتشفت متأخرآ حين حلقت بي الطائرة من حلب قبل عقدين .. اكتشف أن أمي هي الوطن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق