شؤون ثقافية

مشاهد من حريق سينما عامودا

مشاهد من حريق سينما عامودا
 
 
Bavé Raman
 
مشاهد من حريق سينما عامودا :
 
بعد أن أزيحت الستارة عن شاشة السينما ، بدأ الهدوء يعم المكان، حيث صارت أصوات الأطفال تخمد رويداً.. . رويداً ، وبدأ الفيلم السينمائي يعرض على تلك الشاشة للتو، ليصرخ أحدهم : النجدة لوذوا بالفرار أيها الأطفال : أيها الناس .. لقد شب الحريق في دار السينما ، فانقطع عرض لقطات الفيلم على الشاشة مع صرخة الاستغاثة تماماً، بل شهد الجميع ألسنة اللهيب تكاد تمتد إلى كل مكان ؛وهذا ما جعل الجميع يصدق حقيقة اندلاع النار في المكان، ليتراكضوا جميعاً صوب باب النجاة اليتيم ، لكي ينجوا من قبضة الموت، أول اللائذين بالفرار خارج المكان : معلمو المدارس _ وعمال البلدية وأبناء المدير. لقد تمكن هؤلاءجميعاً من الخروج و بمنتهى السهولة ، إنني لأجزم إن هؤلاء لم يروا تلك النار المندلعة في الدار آما من رآها فهم من كان في الداخل حقاً ! لأن هؤلاء المحظوظين ما أن تناهت إلى مسامعهم صرخة الاستغاثةحتى خرجوا بمهارة وخفية ، فلم يمسوا بسوء ، وإن من آتت مقاعدهم على مقربةٍ من الباب تمكنوا بدورهم من النجاة ، بعد أن نجا هؤلاء المحظوظون بأرواحهم، ولعل اشتداد الأوار على نحو جنوني، حدا بالأطفال للتزاحم أمام الباب ،ليصيروا تلة لحمية واحدة؛ تحول دون خروج الجميع أصلاً ، وهذا ما دفع ببعضهم للقفز إلى النافذة العالية أو النافذة القريبة ، بيد ان الموت الآن يتربص بهم ، لأن ثمة بئراً غير مغطاة تقبع أسفل النافذة تماماً ، تبتلع في جوفها كل من يخطط للنجاة بهذا الشكل.
بعض أهالي التلاميذ ممن علموا بأن جوف البئر بدأت تبتلع بعض الهاربين من النار المسعورة في الداخل ، هجموا صوب البئر وبدؤوا يقومون بإنقاذ المرتمين فيها ولكن بعض هؤلاء كان قد فارق الحياة أصلاً ، إلا إن بعضاً قليلاً منهم نجا من ” المصيدة الأخرى ” للموت.
هذا الاندفاع غير المنتظم من قبل الأطفال هو الذي أعاق عملية الخروج ، إلا ان صوت الانفجار المدوّي هزّ المكان ، وجعل مبنى بكامله يحترق، لعلّ ذلك جاء إثر انفجار قنبلة _ حيث تحول الدخان المنبعث على نحوٍ يعمي الأبصار بحيث إن أحداً لم يكن ليتمكن من رؤية ما حوله ، وهذا ما أزاد الطين بلة ، بينما حمم اللهيب الذي يخترق حلكة الليل والدخان واكل الموت المخيم أحمر .. أخضر ..، والصبية أشبه بالموج المتلاطم في بحرٍ هائل،هائج مضطرب، حيث لا شيء الآن مجدياً: لا الصراخ ، ولا العويل ، ولا صرخات النجدة.
النار تستعر رويداً .. رويداً ، تتسابق ألسنتها ، تشتد الأوار، تتطاول من كل النوافذ و الباب ، ولا أحد يجرؤ على الدنو منها ، ومواجهتها وكل من يأتي للنجدة ، يقف مكتوف الأيدي ازاء ما يبصره ، دون ان يقدم أي شيء ، لقد اتوا يرون بأم عيونهم كيف أن الأطفال يتدفقون بالعشرات
طالبين الخلاص ، وهم يصرخون بصوت واحد: أماه.. أبتاه ….النجدة ، لقد احترقت.
ثمة عوامل كثيرة دون شك أدت إلى أن يكون الحريق هائلاً إلى هذا الحد :
الاكسجين اللازم ، الأثاث والأدوات الموجودة في الدار ، القابلة للاحتراق ،ناهيك عن أن الدوي الهائل الذي سمعه شهود العيان في غرفة المحرك الكهربائي بقي لغزاً لم يعرف أسبابه أحد إلى اليوم.
وصارحني أحدهم : لقد قدم إلينا مهندس كيميائي في اليوم التالي لاندلاع
الحريق في السينما ، وبعد معاينته للمكان ، اندهش لما آل إليه حديد الدعامات من التواءات وسواها ، قائلاً : حقاً ما كان لهذا الحديد الصلب من أن يطرأ عليه ما طرأ ؛ لولا إن مواد كيميائيةً كانت قد أسهمت فيما حدث .
بعد أن اخمدت النار المشتعلة في دار السينما ، بدأت رحلة التنقيب عن الجثث من أهل المدينة، وتمكنوا خلال فترة قصيرة من الوقت ألا يبقوا في المكان غير الطين والبقايا المهملة ، رائحة شواء الأجساد الآدمية المنبعثة كانت تزكم الأنوف ، وتجعل من البقاء والعمل هناك في غاية الصعوبة ،وجموع الناس الغفيرة تتقاطر حول الدار جيئة وذهابا ، يرمقون بألم أنقاض
المكان، حيث الوحول المعجونة بالدم والأشلاء المتلظية ، وكلما انتشلت جثة جديدة ، وتعرف عليها ذووها احتضنوها و يتوجهوا بها صوب بيوتهم ، بيد أن جثثاً أخرى تظل دون ان
تحوز حتى بمعرفة أصحابها ، اما أن بعضها قد تفحم تماما،ً أو غدا أشبه.!!، ان مثل هذه البقايا كانت تؤخذ من قبل_ الخيرين _ إلى مساجد البلدة ، فوراً، آي ،تغسل وتكفن، بينما الاهالي الذين لم يتعرفوا على جثث أبنائهم ، كانوا يروحون جيئة وذهاباً، كمن يفقد رشده حقاً ، يتوجهون صوب الجامع جرياً وراء أمل (لن يكون ) عسى ولعلّ أن يظفروا حتى برؤية جثث فلذات الاكباد إذ قد يتعرف أحدهم على ولده من خلال علامة لا تعدو بقايا فردتي حذائه ، أو ملابسه ، وهذا ما كان يعدّ في معمعان هذه المأساة نعمة جدّ كبيرة !!!إ
الا ان الجثث التي أمحا الحريق الهائل كل ملامحها ، وعلاماتها الفارقة ، أو هشمها إرباً.. إرباً ، وجعلها قطع فحم لا اكثر والتي كانت قد أخذت إلى الجامع ، فقد توجه بها الأهلون إلى مقبرة المدينة، آي يُدفنوا إلى جانب أقرانهم ممن تعرّف عليهم ذووهم ولعلّ كتل اللحم المشوية هي الأكثر إيلاماً للناظر لحظتئذٍ .
وما ان تم الانتهاء من البحث عن بقايا الجثث بين الركام والأنقاض ، في ضحى ذلك اليوم المشؤوم ، حتىّ تم حفر القبور لكل هؤلاء قبل ظهيرة اليوم الجديد ، بعد أن أفرغوا من غسل وتكفين كل هؤلاء الشهداء ، والصلاة عليهم ، في الجوامع والبيوت ثم اتجهوا بهم صوب
المقبرة ، ليواروهم التراب بعد أن ألقوا عليهم النظرة الأخيرة..
 
المصدر :
مقاطع من كتاب :
قصة حريق”سينما عامودا”
تأليف:ملا أحمد نامي

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق