شؤون ثقافية

فطام قسري.. أحياناً

فطام قسري.. أحياناً
بقلم: لقمان محمود
 
 
بات المنفى، وخاصة بالنسبة للكرد في كردستان سوريا، هاجساً كبيراً، بحثاً عن حياة آمنة لا يجدها في وطنه، وعن معيشة هائنة يصعب العثور عليها. إذ لم يعد المنفى بالرغبة فحسب، بل أصبح قسراً، نتيجة النزوح الجماعي لهاربين من جحيم الحرب وقسوة الظروف، أو قمعاً لأسباب سياسية.
والمنافي منها ما هو طوعي وما هو قسري، فالمخلوعون من جذورهم بالقوة منفاهم واضح ومحدد، لأن ملكوتهم هو الوطن الذي ولدوا فيه وتم تهجيرهم منه. أما المنفى الطوعي فهو ما يمارسه الإنسان بمحض إرادته من خيار النفي والهجرة، إما بدافع المغامرة أو البحث عن الجديد واللامألوف، أو بهدف تعميق التجربة وتنوع مصادرها.
مهما كانت الأسباب، فالمنفى يقوم على فكرة المسافة، أكثر من قيامها على الوقائع الجغرافية للوطن. وبعيداً عن الحاجات الاقتصادية والكوارث والحروب، يمكن النظر إليه أيضاً كعملية فكرية تاريخية، أضفت معاني وجودية وفلسفية على عراك طويل بين “المنفى”، وكتلة أكبر منه اسمها “الوطن”. تاريخ العالم نفسه يبدو تاريخ منافي تؤسس أوطان وتُبدّد أخرى.
ولعل ما يصنع المنفى فعلاً هو افتراق الإنسان عما يألف، مكاناً وبشراً. فالمنفى ضربة قوية في الظهر، وتلك الضربة إن لم تنجح في كسر ظهرك، فإنها ستدفعك للأمام حتماً، بحسب وصف الشاعر البولندي جيسواف ميووش.
ومع ذلك فالمنفى ليس عبوراً حيادياً للحدود بين بلدين، أنه حالة الاقتلاع من التاريخ الشخصي والوطني، ومن شبكة الأمان الاجتماعي التي ولد فيها الشخص، إنه فطام قسري، بين الشخص وبين المكان الذي يعطي المعنى لكل الأشياء بالنسبة له، هو تحطيم للتاريخ الشخصي واقتلاع من السياق الطبيعي للإنسان.
فالإنسان يبني التاريخ الشخصي على مساحة خاصة من خريطة العالم، هذه المساحة الخاصة يفقدها المنفيّ دفعة واحدة. بذلك يصبح أي زرع، هو زرع في حقول الآخرين. فالمنفيّ هو ذلك الكائن الذي فقد وطنه دون أن يكسب بذلك وطناً آخر.
لاشك بأن الناس يهجرون أوطانهم، لاستحالة العيش فيها، فيجدون أنفسهم في المنفى الذي ينبع أساساً من الانفصال، أو الشرخ الذي لا براء منه بين شخص ما ومكانه الأصلي، بين الذات وموطنها.
وكأن المنفى ضربة أخرى قوية للكردي، كي ينهار من جديد. فكلما شيَّد الكردي أملاً جديداً للاستقرار، انهار المكان من حوله. إنها مأساة كردية بحسب عبارة ريلكه التي تقول: “يا لهذا العالم الذي نشيّده فينهار، ثم نشيّده ثانية فننهار نحن!”.
 
تبخَّري أيتها الخطوات
في الطرقات المجهولة
تبخَّري سُدى
: لا الحجلُ أرشدكِ على الشمالِ
و لا الجهات إستيقظتْ من النسيان
فقط
أكرادٌ
يولدون و يموتون
يموتون و يولدون
في الأمل القديم.
 
 
عودي أيتها الجريحةُ
عودي، لتشلحي الحرب قليلاً
هيَّأْتُ لكلِّ جرحٍ شفتينِ من فمي.
عودي، قَبْلَ أنْ يتسرَّبَ حنينيَ أكثر:
جمَّعتُ لكِ النجوم
نجمةً …نجمةْ
حتى وقعت عليَّ السماء.
غسلتُ الحربَ
بسلامٍ أسودٍ
حتى أصبحتُ الرعشةَ بينها و بين السلم.
 
يصلني دخانكِ، فأشتعلُ
أشتعلُ أكثر
و ترجماني حريقيَ القلق.
 
أنا الندى الذي تركتهِ
يشتاقُ.. يشتاقْ
حتى أصبح بحيرةً
أيتها الوردةُ اللحميَّة.
 
 
أسمعُ حنينيَ الخجولِ كالفضيحةِ
أسمعُ ثرثرته:
أنًّ شهيداً من ” بَرْكَفِرْ”، نهض من دموع قدميكِ، و اتجه
صوب المدرسة، و أنه أعطى حياته للتلاميذ، و أنه مشى
مسافة عشرة كيلومتراتٍ، و أنه شمَّكِ، ليقولَ: عَرَقُكِ ملحٌ
عطرٌ، و اختفى دمعتين في عينيكِ.
 
 
عودي
كي تقولي – رغم هذه الحرب- أنا جميلةٌ
لأقولَ: لأنني أحبُّكِ.
ع
و
د
ي
كي أُقبِّلَ الوطن في قدميكِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق