شؤون ثقافية

ثقافة المصادفة

ثقافة المصادفة
 
محمد المغربي
 
 
عثرت اليوم على كتاب من حقبة كتب الشوارع التي كنت أشتريها أثناء تجوالي في شوارع القاهرة، أو من سور الأزبكية ، تلك الكتب العظيمة فئة الجنيه والجنيهين ، كان يدفعني إليها غالبا الفضول ، كتعليقات أصحابها القدامى، الإهداءات بين الأشخاص ، أختام المكتبات التي سرقت منها ولا أنكر أنها كانت أحيانا فارقة بالنسبة لي ككتاب الطريق إلى الفضيلة للو تسو مثلا الذي اشتريناه أنا وأحد أصدقائي وتعلمت منه الكثير جدا، فالكتاب الذي عثرت عليه اليوم يتحدث عن مشاهير وظرفاء القرن العشرين، ولفت انتباهي فيه كلامه عن بعض الشخصيات التي لابد وأن لها ارتباطات قوية عند البعض كما عندي كالشاعر عبد الحميد الديب بأشعاره الإباحية البائسة الصادمة، وعرفني الكتاب أنه كان سكيرا بائسا ومدمنا على الكوكايين لا يشعر بالأمان إلا في السجن وعن جبران خليل جبران وولع أصدقاء لي بكتاباته وفلسفته وصفاء ورقة أسلوبه، فأشار الكتاب إلى عقدة قصر القامة التي لازمته إلى أن مات لدرجة أنه اضطر لاختراع كذبة لتبريرها علاوة على أنه كان طبعا ( بتاع نسوان ) ليس محبا فقط لمي زيادة ، وعن إسماعيل أدهم الذي تقريبا تربيت على نظريته في الصدفة والاحتمال ورميه النرد ، كتاب لماذا أنا ملحد ، فأخبرني كيف كان كاذبا ادعى أنه حصل على الدكتوراة من موسكو في سن الثانية والعشرين ودكتوراة في الأدب في الخامسة والعشرين رغم أن العلاقات كانت مقطوعة بين الاتحاد السوفيتي ومصر حتى بعد انتحاره بأكثر من عشر سنوات.
الخلاصة هي أن حياة الإنسان ليست أبدا انعكاسا لما أنجزه من فن أو أدب ولا العكس، بل هما حياتان متوازيتان لا علاقة لإحداهما بالأخرى، والجدير بالذكر هنا أن ما قرأناه وتعلمناه وما شكلنا هو وليد الصدفة البحتة ، وجلب لنا أشباه من نفس النوع هذا ماجعلني بعد سنوات طويلة أعرف مصادفة عن أناس كنت نفسيا مرتبطا بهم بشكل أو بآخر في مرحلة ما من حياتي، أذكر منذ أيام قليلة تحدثت أنا وصديقة وجاءت على ذكر حنيف قرشي فقفز إلى ذهني مسلسل بوذا من الضواحي الذي شاهدته في التسعينات على إحدى القنوات غير العربية، ومن المفارقات العجيبة الأخرى أنني كنت أترجم إحدى الروايات وكان هناك اسم يرتبط بإحدى الأساطير ولم أجد له تفسيرا ولم يكن بإمكاني وضعه كما هو في مكانه لأنه سيكون جهلا تاما مني فأهملت المشروع برمته لسنوات وإذ بأحداهن تهديني كتابا صغيرا صدرعن الكنيسة لمصطلحات وأعلام الكتاب المقدس فوجدت ضالتي في الصفحات الأولى منه وكنت في غاية الدهشة ، وأيضا عندما أراد ابن أختي عمل الماجستير اقترحت عليه أستاذة في الفلسفة أن تكون الرسالة في كاتب أميركي فيلسوف متخصص في اللغة والعلوم وعندما طلبت الكتاب من أحد أصدقائي وأرسله لي بالبريد وجدت بداخله رسالة من المؤلف لأحد أصدقائه عمرها أكثر من ثلاثين سنة تقريبا . هذا يجعلني دائما قليل الاعتراض على الأشياء الجديدة التي تدخل إلى حياتي وأيضا متراخ قليلا مع الأشياء التي تذهب ، لإيماني ربما بنظرية أن الوجود دائري لا يقبل الفراغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق