شؤون ثقافية

هوڤهانيس تومانيان Hovhannes Tumanyan

ألك خاچادوریان

هوڤهانيس تومانيان Hovhannes Tumanyan
ألك خاچادوریان
ترجمة: جلال زنگابادي
من الشعراء والفنانين الذين يجب أن يذكروا بكل صميمية وفخر، في عالم الفن، و‌‌أن ترد اسماؤهم مشفوعة بأجلّ النعوت ؛ فهو ” من أعظم شعراء الأدب الجديد قاطبة، ومن رواد الشعر والنثر عند الشعب الأرمني” والحق انه أعمق الشعراء في رؤيته النفاذة؛ بحيث أفلح في أن يستغور تضاريس حياة الشعب الأرمني وروحه وان يترنّم بكدّه وشقائه، حتى تلقب بـ (منشد سيفْر الحزن الأرمني) بجدارة.
عاش تومانیان 54 سنة (۱۸٦۹ – ۱۹۳۳) (۱) فشهد في تلك الحقبة اشراقة الحرية حيناً، وأحياناً البلايا والرزايا، التي إلتهمت حياة الشعب الأرمني، لاسيّما الفاجعة الدامية (جينوسايد الأرمن على أيدي الترك العثمانيين في (١٩١٥) في نهاية المطاف ، فإذا شئتم الاطلاع على أسوأ حقب تاريخ الشعب الأرمني المنكوب، فتتبعوا سيرة حياة تومانيان واستغوروها؛ فأثناء حياته المليئة بالأتراح، كانت ارمنستان الشرقية تحت نير الحكم القيصري و أرمنستان الغربية تحت نير الحكم العثماني ؛ ولذا فإن آثار تومانيان، التي نبعت من تلك الحقبة الحافلة بالويلات والأزمات، صورت الفلاحين البؤساء والإقطاعيين الجائرين، قبل كلّ شيء .
لقد استذكر تومانيان في ‌أشعاره الغنائية وانتقد الخرافات والسنن البالية والعادات التافهة المفروضة على الفلاحين، كما انه ترنّم بأغنيات حلوة شيّقة تستعيد عهد طفولته، حيث تفتحت براعم ذهنه، وبذلك خلّد مسقط رأسه (دسيق) القرية خلابة الطبيعة، والواقعة على ربوة تتحلّقها جبال (دوال) و(لالوار) و(چاتین داغ)
أجلْ ؛ فقد ترنم تومانیان بأغنيات حلوة تنطوي على براعم فكره المتفتح منذ طفولته؛ إذ تفتحت ورود فنه الخلاق في أواخر القرن ۱۹ والنصف الأول من القرن العشرين، حتى بلغ ابداعه عندئذ أقصی أوجه، ويمكننا أن نشهد سمو فكره وتحليق خياله في آثاره من المنظومات وحتى القصص، ومن الأساطير حتى الحكم والأمثال. و لاغرو فهو الأستاذ القدير في فن الشعر و رسّام حياة الشعب الأرمني بعليائها و حضيضها ، بل بهمته بلغ الشعر الأرمني مصاف الشعر الروسي والأورپي في مطلع هذا القرن ؛ فقد استطاع أن يستوعب ويتمثل الشعر الروسي وخصوصاً أعمال پوشكين ؛ ليدشّن فصلاً جديداً في تاريخ الشعر الأرمني، ألا وهو الفصل الذي تبوّأت فيه الجماهير منزلتها في عالم الشعر، وعليه فقد لقّبوه لانحيازه إلى الشعب بـ (الشاعر الشعبي).
لئن كان الشعر الحقيقي ثريّاً بعمقه و رحابته وسموّه ؛ فينبغي أن نعدّ شعر تومانیان ثريّاً لعمق ورحابة محتواه وأفكاره وصوره المبتكرة وسموّ بواعثه.. وإذا سلمنا بحقيقة أن الشعر ” بيوگرافيا روح الشاعر” ؛ فلا مناص من أنْ نقصد أشعار تومانيان، حيث يتماوج عبر مصاريعها الحزن البلاتخم والنغم الشعبي الأسيان:
” حزن الأرمن بحرٌ بلا سواحل
بحرٌ بلا سواحل يُخيّم عليه الديجور
وفي ذلك البحر الأسود
تعوم روحي الهائمة..”
يحسب تومانیان تاریخ قومه في الحقب الماضية مثل قافلة بلا ملاذ في مسيرتها المحفوفة بالويلات، وهي منهوبة، فزعة، تضمد جراحها بالكاد، بينما ترمق الجبال النادبة، المكللة بالنور.
لفن تومانیان الخلاق ثلاث سمات بارزة وهي : البساطة، الواقعية، وقدرة العامة على فهمه، وهذه السمات وليدة روحه الشعبية ومعرفته العميقة بالفلكور الأرمني ؛ فطالما استرق السمع في طفولته إلى الأساطير التليدة ليلاً، وفي الصباحات كان يمعن التفكير فيها ويحلق بخياله، ثم أن طبيعة موطنه بودیانه وجباله وغاباته ومياهه و وهاده ونجوده وأطلاله، كانت بمثابة صديقته المخلصة الوفية ؛ فصار كما لو أن قلب ارضه وروح شعبه ينبضان في صدره، وبالفعل كان يعبد (لُوري) بكل جوارحه ؛ فمنح عشق موطنه الجلوة لخياله، وقاده الى عالم جميل وعجيب.
إن لغة تومانيان الشعرية نقية صافية كالماء الزلال الجاري في النهيرات والجداول الجبلية، التي تتلألأ الحصباء في قعرها جلية.
لقد أمضی تومانیان طفولته وصباه في حضن طبيعة قرية (دسیق) بمقاطعة (لُوري) بتخيلاته الأسطورية في استذكار أسلافه الغابرين، أمّا دراسته في مدرسة (سهاك) في عام ۱۸۷۷ ومدرسة (نرسیسیان) عام ۱۸۸۳ بتفليس ؛ فقد حصّنته نوعمّا ضد التذبذبات الفكرية، وأعدّته ؛ لكي ينخرط بنفسه في حياة المجتمع بشجاعة وإقدام ، لكنه بعد أن قضى ردحاً من عمره في السلك الوظيفي ؛ ملّ من وطأة الفرامين الإجبارية، وتذمّر حتى عاف الوظيفة حانقاً، بلْ تعالى أنين شكواه في مذكراته اليومية عن تلكم الفترة ، و بلغ الأسماع :
– ” كأنني أمضيت خمسين عاماً في سُقَر!”
ولقد مزج تومانیان خوالجه وهواجسه مع ذكريات طفولته ؛ فتألّق ذلك وتضافر مع تقبّله لزيّ الرعاة وإنصاته الحميم لرواة الأساطير وحواره الصميمي مع الطبيعة ؛ فأثمر عنده نضجاً شعورياً وفكريّاً مشهوداً.
وراح تومانيان ينهل أغنياته من ريف (لُوري) حيث شرع بالإنطلاق، وما لبث أنْ تجلّى في أشعاره محبّاً لشعبه المنكوب ؛ فاستحال ممثلاً ورمزاً في عكس وتجسيد روح شعبه جماليّاً ، بلْ أضحت أشعاره حياةً وناراً، حياة لتخلد وناراً لتحرق الأعشاب الضارّة وطفيليات المجتمع…
تشكّل منظومات تومانيان القصصيّة تاج أشعاره بسماتها الأسلوبية المتميّزة والمتبلورة في أشكالها ومضامينها، ولم يتوانَ تومانيان فيها عن انتقاد الجهل والتخلف والمعتقدات الخرافية ، التي ما انفكت تقيّد الناس البسطاء والفقراء، ومن أشهرها: (داوود الساسونتسي) و(آنوش)(2)
إنّ (داوود الساسونتسي) (3) منظومة ملحمية مستمدّة أصلاً من ملاحم ( ساسناسور) الموثقة لمقاومة الأرمن المنتفضين ضد السلطات الأجنبية العربية إبّان القرن التاسع الميلادي، والتي يتجلّى فيها ويتجسّد النضال المستميت الذي خاضه الشعب الأرمني ؛ في سبيل التحرر من النير الأجنبي ونيل استقلاله المأمول، ولقد تحدث تومانیان عن منظومته هذه باعتزاز:
– ” إن ملحمة داوود الساسونتسي كنز كبير يضم أكبر الأدلة والقرائن لكفاح الشعب الأرمني لنيل حريته ، وقد اختار تومانيان البطل داوود في منظومته ليرمز به إلى مجمل خصوصيات الشعب الأرمني، حيث ولد داوود ونشأ وترعرع في أحضان شعبه وعمّد (من التعميد) بكل الأعراف والسنن والتقاليد الشعبية، وهو من دعاة الحرية الأصفياء ، و انه بطل قوي وبسيط، ولاتصافه بالسجايا الإنسانية النبيلة ؛ فقد كان مناهضاً بطبعه للحرب وسفك الدماء .
أمّا منظومته (آنوش) فيقول عنها الشاعر والناقد الروسي الكبير ڤاليري بروسيف:
” يمكن ان تكون آنوش منبعاً ثرّاً للاطلاع على حياة الشعب الأرمني”
وبالفعل أن (آنوش) أسطورة شعرية رائعة، طافحة بلواعج العشق وإشراقاته وتجري روحها الفياضة في عروق كل ارمني مجرى الدماء.. وليس هنالك أرمني لا يغفو على ترانيمها الهادئة ولا يحفظ أو يستظهر بضعة أبيات منها.
وهكذا فان (آنوش) تسمو إلى مصاف أروع المنظومات الشرقية مثل (لیلی والمجنون) و(يوسف و زلیخا)، أجلْ آن (آنوش) مبعث دفء وسكينة لروح كل أرمني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إشارات المترجم
1- توفي في يوم 23مايس ۱۹۲۳
2- (آنوش) مترجمة من قبلي و جاهزة للنشر منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، كما ترجمت بضع قصائد أخرى له : (آخ تامار) ، (پروانه) ، (وطني)..و نشرتها جريدة (خه بات) في 3 أعداد – 2000م
٣- (داوود الساسوني) ترجمة د. سامي الجندي/ مجلة (آفاق عربية) ع (1) شباط ۱۹۸۲/ بغداد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:
پروانه، آخ تامار، آنوش/ هوهانس تومانيان/ ترجمه: ألك خاچادوریان/ ١٣٤٨ خورشیدی ) (١٩٦٩م) تهران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق