الرأي

وراء حقيقة انتفاض أوروبا في وجه العثمانية الجديدة

سيهانوك ديبو

في البدء هي مقاومة الكرامة لقوات سوريا الديمقراطية التي أدّت إلى أن وضوح كل الجهات؛ هي كما هي؛ دون ضبابية ودون تشويش. كما جرت العادة فإن في مقدمة انتفاض أوربا وبشكل خاص برلين ضد أنقرة يظهر تحت غطاء البعد الإنساني: حوالي 400 ألف نازح في اسبوع واحد من بدء عملية الغزو التركية ومرتزقتها لشمال سوريا، وفي اليوم السابع من الغزو استخدمت أنقرة البوسفور ضد المدنيين، يتوسط ذلك وقوع عشرات الضحايا من المدنيين والمفقودين. لكن؛ مثلما يجب عدم التقليل من خطورة الوضع على عموم شمال وشرقي سوريا وبأن تهديد أنقرة زال بسبب اللجم الروسي الأمريكي المزدوج لأنقرة بالتناوب وكإضافة مهمة موضوعية لمقاومة الكرامة كمقاومة صرف ذاتية؛ فإن معيار انحسار الخطورة مرتبط بانحسار تركيا عن كل سوريا وفي الوقت نفسه ظهور عملية سياسية سورية حقيقية بحوامل حقيقية. لقد وصل حل الأزمة السورية إلى حائط مسدود، ليؤكد هذا الحائط بأن التدخل الخارجي له أثمانه قد ينتهي بفرض حل يناسب المتدخلين أكثر بكثير أن يناسب شعب سوريا؛ بشكل خاص في ظل ظهور ظاهرة تبدو واضحة أكثر ومنفردة بسوريا إبان الغزو التركي الأخير لشمال سوريا: قسم مؤيد لعملية الغزو العسكري التركي من باب التبعية لتركيا الإخوانية، قسم مؤيد لعملية الغزو من باب إعادة انتاج النظام شديد المركزية كما في صيغة 2011، وقسم فضّل عدم مغادرة الموقع الرمادي، وقسم ليس بالقليل رافض للغزو التركي ورافض الرجوع إلى مشهد 2011. من المؤكد بأن تفاسير الانقسامات تستحق مناولة خاصة بها لكن ينبغي التركيز على أن استقدام الحل بأي شكل من الأشكال مرتبط ويلزمه انحسارات متعددة أولّها انهاء الاحتلال التركي بشكل كامل عن سوريا إنْ لم نقل عن كل المنطقة، وعن كل بلد تتمركز فيه أنقرة بغية تهديد أمن البلدان الأخرى التي لا تقبل عودة العثمانية الجديدة.
بالرجوع إلى القارة العجوز وبشكل خاص لألمانيا ذي العلاقة التاريخية مع تركيا التي لا تخفي على أحد؛ إنْ في مرحلتها العثمانية أو في مرحلة تركيا الأردوغانية، مروراً بمراحل وقوف تركيا إلى جانب ألمانيا في الحربين العالميين الأولى والثانية. بالرغم من ذلك فإن الأمور لا تحتمل السكون إنما تتغير. فلا يستحم المرء في نهر جار مرتين كما قالها فيلسوف اليونان هرقليطس.
روّج أردوغان في عداونه لشمال سوريا خطاب يدينه إلى درجة القول ومن فمه أدينه. أعلن أردوغان في اجتماع الجمعية العامة الأخير بأن هدف عمليته الأساسية هو توطين 3.5 مليوناً سورياً من تركيا إلى شمال سوريا؛ مما يعني اعترافه الصريح بقيادة أكبر عملية تغيير ديموغرافي في العهد الحديث على حساب إبادة كاملة لمكونات المنطقة بشكل خاص الشعب الكردي في سوريا. قضية النازحين السوريين وادعاء أردوغان بأن تركيا لم تعد تتحمل وزرهم يعتبر بالحديث المضلل، إذْ قبضت أنقرة منذ ظهور بوادر النزوح السوري إلى اللحظة أكثر من 20 مليار دولار من الأسرة الدولية وبحسب الأرقام الرسمية المعلنة. لا نتحدث عن مليارات الدولارات التي حصّلها أردوغان من سرقة المقدرات السورية وحدها على طول تسع سنوات الأزمة السورية. ناهيكم عن أن حل قضية النزوح وحق عودتهم إلى سوريا تعتبر جزئية أساسية من الأزمة السورية يلزم حلّها إشراف أممي يضمن عودة آمنة لهم إلى مناطقهم؛ لا يمكن السماح فيه لأردوغان مناولة منفردة لهذه الجزئية كي يهدف إلى الإتجار بهم. كما أن أردوغان –مثل عادته- حدد مجالاً خطراً لا يقل خطورة عن الاحتلال نفسه؛ بدايته أوربا ونهايته أوربا أيضاً. أي أن وجهة اللاجئين السوريين سيكون إما إلى أوربا أو على أوربا التكفل ببناء عشرات المستوطنات لهم في شمال سوريا بمليارات اليوروهات الأوربية. لقد أدركت برلين –ربما مؤخراً- بأنها أكثر من يقع عليها الدفع أو تجد نفسها أمام أكبر موجة نزوح. فهي الأكثر معافاة اقتصادياً بمقارنة بقية بلدان الاتحاد الأوربي. وجدت برلين بأنها أمام موس تبلعه على الطرفين. يضاف إلى ذلك تأثيرات عملية الغزو التركية ومدى تأثيرها في نشاط داعش ومنحه فرصة تنظيم نفسه وبالتالي تهديده مرة أخرى لأوربا التي لاحظت تأثير أتموسفير الشعبوية السلبي وتهديد فرط عقدها.
قررت برلين قيادة هذا الانتفاض، ولو أنها حتى هذه اللحظة لم تضمن النتائج، ولم تنقذ نفسها بأن تكون هي وأوربا الألعوبة بيد أردوغان أو غيره.
الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تبقى خط المجابهة الوحيد في وجه تركيا العثمانية. ينصف من يفكر بأنه من ضرورة قصوى أن يقف العالم –بشكل خاص البلدان العربية وفي اللحظة نفسها كل كردي في سوريا والعراق وتركيا وإيران، وأيضاً القوى الديمقراطية السورية- داعماً لهذا المشروع هو التصرف الصحيح المنطقي البراغماتي في الوقت نفسه. عكس ذلك يكون بفواتير ضخمة دماً وبناء ومالاً ومادة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق