شؤون ثقافية

أردال أوز وتشريحه للتعذيب

جلال زنگابادي

أردال أوز وتشريحه للتعذيب

جلال زنگابادي

“سيتعلم روائيّونا أشياءً كثيرة من أردال أوز”
لم يقل الأديب الكبير يشار كمال هذه الجملة اعتباطاً؛ فـ (Erdal Oz) يعد من أبرز الأسماء الأدبية (في تركيا) مع نديم گورسيل (1951) وأورهان پاموك (1952) و أليف شفق (1971) والتي راحت تتألّق عالمياً،بعد الثلاثي الشهير: ناظم حكمت (1902-1963)، عزيز نسين (1915-1995) ويشار كمال(1923- 2015)
ولد أردال أوز في 26آذار1935وقد طاف شتّى بقاع تركيا، مع والده الموظّف المنقول هنا وهناك ؛ فأكمل في معمعة وبحبوحة تلك التنقّلات مرحلتيّ الدراستين (المتوسّطة) و(الثانويّة) في آنتاليا و توكات، ثم التحق بكلّية الحقوق في جامعة إستانبول، ومن ثم تخرّج في كلّية الحقوق بأنقره.
أصدر أوز مع عدد من زملائه في كلية الحقوق بإستانبول مجلة(A) التي نشر فيها باكورة قصصه القصيرة (المتعبون) في 1960، كما نشر في العام نفسه روايته الأولى (في الغرف) مسلسلة في مجلة (الوجود) ولعلّ أبرز أنشطته الثقافية يتمثّل في إقامة معرضه الثقافي وافتتاح مكتبته في أنقره وإشرافه على إصدار سلسلة (كتب الصديق) خلال السنوات (1975-1981) ثمّ كان مصير معرضه الإغلق؛ إثرالإنقلاب العسكري في 12آذار1981إضافةً إلى اعتقاله بسبب عقيدته السياسية اليسارية، والحكم عليه بالسجن، حيث شرع بتأليف أهم أعماله! إلّا أن بداياته الملفتة للنظر تعود إلى سنة 1973إذ نشر روايته (الجريح) مسلسلةً في صحيفة (جمهوريت)، ثم في كتاب سنة 1974،والتي سرعان ما ترجمت إلى عدة لغات في: هنغاريا، ألمانيا، هولندا، مقدونيا، و سوريا…وهنا – قبيل تناول روايته هذه – لابدّ من الإشارة إلى أهم مؤلّفاته:
– (الدموي) قصص قصيرة /1973
– (دنيز كزميش يتكلّم) مذكّرات/1976
– (درناي الحمراء) أدب رحلات /1976
– (في الغرف) رواية /1976
– ( في أسفل السّافلين يسّاقط الثّلج) أدب أطفال /1982
– ( ليلة ذبول وردتك) تكملة لدنيز…/1986
)- صوت الثلج في الهواء) قصص قصيرة /1987
– (البالون الأحمر) أدب أطفال/1990
– (الجريح) رواية /ط20/1999
والآن أزفت الجولة الموعودة في رواية (الجريح) التي قدَّم لها شيخ روائيِّ الشرق يشار كمال (الكرديّ أصلاً) بحماس منقطع النظير:
-“تركيا أرض معذَّبة، مبتلاة بالمحن، بل ان ظلَّ اليأس المنسدل عليها لا يمكن تصوّر حدوده
” أجل؛ فتركيا المبتلاة، منذ حوالي قرن بالأيديولوجيّة الأتاتوركيّة الطورانيّة، وأثرياء العسكريتاريا (ذراعها الضّاربة) ،والخانقة حتى لتطلّعات الأرستقراطية المتنورة الداعية للإصلاحات الإقتصادية والثقافية؛ مابرحت ( أي تركيا) برغم بهرجة الأقنعة (العلمانية والديمقراطية) المزركشة تعاني من الإستبداد بشتّى صنوفه وأشكاله،لا سيّما الإستبداد السّياسي الذي هو أصلاً وليد التخلّف على الصُّعد كافّة…
وجليٌّ أن مثل هذه البيئة السياسية الموبوءة تعجّ بالمافيات على شتّى الصّعد، وطالما تُنتَهك فيها حقوق الإنسان، ويُغمط حقّه في الإختلاف، وممارسة حرّيّته في التعبير عن أفكاره على وجه الخصوص، بل طالما يُعتَقَلُ المواطنون بعشوائيّة ومجانيّة، ويستهتر الجلاّدون المحترفون والهواة بمصائرهم دون وازع من ضمير، بهمجيّة ساديّة، ودون رقيب أو حسيب؛ حيث يمارسون ضد الضحايا شتّى أفانين العسف والتنكيل، وبطرق وأساليب فنتازيّة رهيبة غالباً ماتتجاوز أفلام الجريمة والرّعب!
لا ريب في أن (التعذيب) يستهدف تحويل الإنسان إلى حيوان مشوَّه،لا إرادة ولا قوّة ولا حول له ،أي تشويه روحه وقتلها بتشويه الجسد وتفريغه من القوّة المعنوية ، ومن ثم تدمير ضمير الإنسان، في حدّه الأدنى…
وهكذا فإن رواية (الجريح) تعجُّ بأهوال التعذيب،لا سيّما وأن الجلاّدين يحتلّون فضاءها الذي يستحضر فيه أردال أوز سجناً وسجيناً (نوري: الشخصية الرئيسة وبؤرة الرواية) تحت التعذيب، ويصوِّر زبانية التعذيب والجلاّدين بشكل تبهت حقيقة ظاهرهم إزاء حقيقتهم الجوّانيّة؛ فهم ظاهريّاً أناس مهندمون انيقون، ومهذّبون يتصرّفون بكياسة ملفتة للنظر، خارج أقبية التعذيب! أمّا عند ممارسة التعذيب فيبزّون الوحوش الكاسرة! وهم يبدون في منظور(أوز) تروساً متشابهة في ماكنة التعذيب، برغم أن هذا أغبر، وذاك أشقر، والآخر أصلع…إلخ إنّهم جميعاً مجرّد آلات، ليس هنالك جيّد و سيّيء، قاسي وشفوق…ويندر أن تبدر من أحدهم ذرّة من الإحساس الإنساني، لا يمكن التعويل عليها طبعاً. وفي كل الأحوال يكون الجلاّدون هم المهزومين؛ طالما يبوحون ويعترفون أنهم مجرّد آلات مأمورة منفِّذة؛ لكي يتنصّلوا من أيِّ مسؤوليّة أو مساءلة، بينما يصوِّرهم الروائي كيف يؤدّون مهام التعذيب، بل يتفنّنون في الأداء على الوجه الأكمل، برغبة وحماس، وبكامل وعيهم وإرادتهم، و لربّما يؤدي أحدهم مهمّته على مضض؛ لتعاطفه مع ضحيّة ما، وهي حالة شاذّة وإستثنائيّة نادرة جدّاً؛ لأن زبانية التعذيب حتّى النّاشئين منهم سرعان ما يستحيلون من مجرّد أشكال آليّة إلى مكائن إنتاجيّة لأفانين التعذيب! ولئن يفقد الجلاّدون ماهيَّتهم الإنسانية؛ فإنّهم غالباً ما يصبّون جام همجيَّتهم على الضحايا؛ لتغطية عدميَّتهم…وهنا لاندحة من التذكير بالعبارة الشهيرة في رواية (الإخوة كرامازوف) لدستويڤسكي: “كلّ شيء مباح في غياب الله”
وهنا أيضاً يعي أردال أوز بعمق، ويستحضر ويجسِّد بفنه السردي الآثار الرهيبة، التي يتركها التعذيب على جسم المعَذَّب المنكسر، وروحه وسلوكه لاحقاً؛ فيتجلّى للعيان كيف أن التعذيب يهدف إلى جرح كرامة الإنسان وتشويهه، ومن ثمَّ تحطيم ماهيَّته الإنسانيّة…
أمّا الضحايا المغلوبة على أمرها؛ فليس لها سوى الصراخ والصّمت، ولعل الصمت أقوى أسلحة الضّحيّة؛ فهو يحرم الجلاّدين المتعاقبين عليه من التمتّع بثمرات التعذيب، بل يحطِّم أعصابهم، ويذكِّرهم بخسّتهم وصغارهم! وهو سلاح متوافر دوماً ومجرَّب ومضمون الأثر… ولقد أبدع (أوز) في تصوير إمرأة معذّبة، متلاطمة الأحاسيس جوّانيّاً؛ حيث صوَّرها عبر حركاتها وسكناتها- وليس عبر كلامها- كيف تصبُّ لعناتها على الجلاّدين، فتشقّ قلوبنا كمدية!
ورغم كلّ ما مورس من تعذيب ضد بطل هذه الرواية وطال جسمه؛لم يستسلم ولم ينهزم، بل لم يكف عن الكفاح ضد البغاة الغاشمين.
يؤكِّد الروائي الكبير يشار كمال على نموذجيّة وأهمّيّة هذه الرواية قائلاً:
– “بعد قراءة رواية أردال أوز؛ تتبرهن لنا الفرضيّة القائلة: بأن روايةً جيّدة؛ يمكنها أن تكون حقيقيّة ومؤثِّرة أكثر من الحياة نفسها!” وفعلاً تبدو هذه الرواية أكثر واقعيّة من الواقع نفسه! بحيث يخجل الإنسان من آدميَّته عند قراءتها؛ وهنا تتجلّى سمة الكتابة الإبداعية ومكانة الأدب الرّفيع ، الذي يكون في أكثر الأحيان أقوى تأثيراً من الحياة نفسها!
وفي معرض حديثه عن لغة هذه الرواية يقول يشار كمال:
– “عموماً نجد لغات روائيينا غامضة ومبهمة، في حين ليست لغة أوز كذلك؛ فهي بليغة وفصيحة وواضحة، وهو يستحضر التفاصيل بدقّة متناهية، واضعاً كل كلمة في مكانها المناسب.إنّه لا يكتب عفو الخاطر،أو بعشوائيّة” وبعبارة أخرى، لا يتلاعب أوز ولا يعبث بالألفاظ بمجانية؛ لأنه يحترم شرف الكلمة حقّ الإحترام ؛ حتّى وإن حسب البعض مثل هذا النزوع سلبيّاً!
وعليه؛ لاغرو إن طغى إسم أردال أوز عالميّاً على أسماء مجايليه حتى البارزين: نزيهة مريچ، يوسف أتلغان، فريد إدغو، دمير أوزولو، أونات قتلار، وعدنان أوز يالچنر…والذين سعوا متأثّرين بالوجوديّة والسوريالية وغيرهما من التيّارات الفلسفية والأدبيّة المعاصرة، وكذلك بتقنيات الرواية الفرنسية الجديدة، وتيّار الوعي؛ سعوا إلى تشييد مفهوم فني جديد خارج إطار الواقعيّة التقليدية، بل إلى تفسير جديد للواقعيّة “يمكن إضفاء أسلوب سردي خاص على أدبنا، يمكن تسميته بـ (الواقعيّة الجديدة)؛ لإبراز وجوه الواقع كلّها…” على حدّ قول عدنان أوز يالچنر،وذلك يعني طرح الواقع بشكل أشمل يتجاوز منظور الواقعية التقليدية الأحادية النظرة؛ بهدف الكشف الشامل والعميق عن مجمل علاقات الإنسان مع ذاته ومحيطه الموضوعي…
وختاماً ينبغي الإعتراف بتعذّر تقديم مسرد موجز لحبكة هذه الرواية وتفاصيلها، في مثل هذه الفسحة المتاحة، والإكتفاء بدرسها الإستنتاجي، ومع ذلك ينبغي القول بندرة نظيرة لها في الأدبين العربي والكردي؛رغم أهوال (الميتاتعذيب)السّائدة في العراق خاصة، والبلدان العربية عموماً!أمّا عالميّاً-على حدِّ إطّلاعي- فهي تضاهي مسرحية(القصّة المزدوجة للدكتور پالمي) للكاتب الإسپاني أنطونيو بويرو باييخو.
المصادر:
(1) زخمى/ اردال اُز/ با مقدمه اى از ياشار كمال/ ترجمه ء:عليرضا سيف الدينى/1381تهران
(2) Erdal Öz Vikipedi, özgür ansiklopedi

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق