شؤون ثقافية

كردستان مستعمرة دولية

كردستان مستعمرة دولية
بقلم: لقمان محمود
 
أول اكتشاف علمي سوسيوسياسي مبكر أنجزه البروفيسور التركي اسماعيل بيشكجي، هو اثباته أن كردستان أرض مستعمرة وبلد مقسم بين عدة دول استعمارية. إنّ هذا الاكتشاف هو ملخص لأفكاره العلمية المنشورة في كتابه القيّم “كردستان مستعمرة دولية”. وبهذا المعنى يبيّن لنا أنّ أول تقسيم لكردستان كان بين الدولة العثمانية التركية والدولة الصفوية الفارسية عام 1514م.
يكشف ذلك، أن التقسيم الثاني لكردستان، والذي يستند إليه منهج بحثه العلمي، هو تقسيم كردستان بين عدة دول امبريالية. فبعد تفكك الامبراطورية العثمانية، قررت كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا (القيصرية أولاً ومن ثم السوفييتية) بمساعدة إيران، تقسيم كردستان إلى خمسة أجزاء.
الجزء الأول والرئيسي ظل تحت سيطرة الحكم التركي الجديد، والجزء الثاني استمر تحت حكم شاه إيران، أما الثالث فقد ضم إلى حكم بريطانيا في دولة العراق المستحدثة، أما الجزء الرابع فقد إلحق بدولة الانتداب الفرنسي في سورية المصطنعة، في حين ظل الجزء الخامس الصغير نسبياً من كردستان تحت الحكم السوفييتي (الأذربيجاني – الأرمني).
ليس غريباً أن نجد في هذا الجزء الخامس (جمهورية كردستان الحمراء)، التي فككها ستالين وسط ضجيجٍ عارم من الصمت المطبق، حيث وزّع الكرد في هذه الجمهورية على عموم دول الاتحاد السوفييتي وأقاليمها، خلال أعوام (1926-1935).
لقد بقيت المعلومات نادرة ومبهمة عن كرد روسيا، سوى بعض المعلومات المتناثرة في ثنايا الكتب التي تتحدث عن تاريخ الكرد، وكنّا نسمع بـ (كردستان الحمراء)، ولا نعرف أين تقع؟ ومتى بدأت؟ ولماذا انتهت؟ ويعود هذا الغموض إلى الستار الحديدي الذي فرضه الروس على الكرد هناك.
فالكرد عاشوا كمجموعات كبيرة في منطقة القفقاس أو ما وراء القوقاز في مناطق أرمينيا وجورجيا وأذربيجان منذ ألف سنة، عندما هاجروا من بلادهم (كردستان الكبرى) الموزعة ما بين (إيران والعراق وسوريا وتركيا)، وكذلك هاجروا إليها منذ القرن العاشر الميلادي وحتى القرن الثاني عشر، وبين الفترتين السابقتين حكمت سلالات كردية تلك البلاد مثل (الحسنويون، الشداديون، الرواديون) بين نهري كورا وآراس، وفي كنجة بأذربيجان، وأرمينيا. وفي القرن السابع عشر نزحت مجموعات كردية إلى خرسان بأمر من الشاه عباس الصفوي، لحماية الحدود الإيرانية من هجمات التركمان والتتار، وأطلق اسم (كردستان خرسان) على تلك المنطقة.
ونتيجة لحروب روسيا القيصرية مع الدولتين الصفوية والعثمانية وضعت معاهدة (تركمان شاه) 1828م بعض أملاك تلك الدولتين في ما وراء القفقاس تحت سيطرة روسيا القيصرية، وألحق سكان تلك المناطق وغالبيتهم من الكرد بروسيا.
مقابل ذلك التاريخ المفجع، واستناداً إلى المعاهدة المعقودة بين روسيا السوفيتية وتركيا في 21 مارس 1921م، أُعيدت منطقتا (قارس واردهان) إلى تركيا، ولم يبق في الاتحاد السوفييتي سوى آلاف قليلة من الكرد الذين يعيش معظمهم في أرمينيا.
هذه الحقائق العلمية شجع بشيكجي على الجزم: “بأن كردستان مستعمرة دولية مشتركة، تتشارك في استغلالها وحكمها وقمع شعبها، القوى الامبريالية المنتصرة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن ثم الدول المحلية الأربع التي تقتسم كردستان”.
بسبب هذه الحقائق، دخل اسماعيل بيشكجي (1939) السجن مراراً وتكراراً، وظلّ مسجوناً بسببها لمدة تتجاوز خمسة عشرة عاماً. ومع ذلك بقي هذا الإنسان العظيم عظيماً. هذا ما لمسته – أيضاً- في لقائي الأخير معه في السليمانية – كردستان العراق، على هامش محاضرته في الجامعة الأمريكية. وقد نشرتُ اللقاء- الحوار كاملاً في العدد (41) من مجلة سردم العربي.
يُشير بيشكجي في كتابه “كردستان مستعمرة دولية”، إلى أن تقسيم كردستان على عدة دول لا تبرر في أن تتحول هذه القضية إلى مسألة أقليات، داخل حدود الدول التي تقتسمها، كما لايجوز اعتبار الكرد أقليات في هذه الدول بأي شكل من الأشكال، موضّحاً موقفه هذا في الصفحة (26) بشكلٍ علمي وجريء كما يلي:
“يجدر التذكير في هذا المقام بأن الكرد ليسوا أقلية، فهم يعيشون في وطنهم وعلى أرضهم، وهم السكان الأصليون لهذه البلاد، ولم يأتوا إلى كردستان من إقليم أو منطقة أخرى، وعلى العكس من ذلك لم يصل الأتراك على سبيل المثال إلى الأناضول إلا في القرن الحادي عشر الميلادي، فالكرد ينتمون شأن العرب والفرس إلى السكان الأصليين في الشرق الأدنى”.
على هذا النحو ترجم البروفيسور بيشكجي موقفه السياسي الموضوعي، بمطالبة كل القوى والشخصيات المحبة للسلام، بأن يعملوا لتأمين حقوق الشعب الكردي المتجسد في الاستقلال التام، كون الكرد أكبر أمة في العالم لم تقرر مصيرها السياسي حتى الآن.
في المقابل يبرر بيشكجي بقاء الكرد بدون دولة، ويحيل ذلك إلى عدة أسباب ومؤثرات موضوعية: هي ارتباطهم الاجتماعي القبلي في المقام الأول، ولأن كردستان شديدة الغنى بالموارد المادية والثروات ثانياً…
ومع ذلك، وتحديداً في عام 1923، حصل كرد أذربيجان في بداية تشكيل الاتحاد السوفييتي على الحكم الذاتي، في البقعة الأكثر كثافة بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي، فكانت ثمرة ذلك (جمهورية كردستان الحمراء)، ونتيجة التآمر والدسائس عليها من قبل القوميين الأذريين والأتراك أنهى ستالين هذه الجمهورية عام 1929م.
وفي 22 يناير من عام 1946، أعلن القاضي محمد في ساحة (جوار جرا) عن تأسيس (جمهورية مهاباد)، لكنها لم تدم أكثر من أحد عشر شهراً. والسبب هو أن إيران استغلت التبدلات السياسية، فما أن سحب الاتحاد السوفييتي جيشه من أراضيها، حتى لملمت إيران ما تبعثرت من قواتها وأعادت تنظيم جيشها لمهاجمة “جمهورية آذربيجان” التي لم تصمد طويلاً أمام الجيش الإيراني.
بعد استسلام “جمهورية آذربيجان” دون قيد أو شرط، توجه الجيش الإيراني بقيادة فضل الله هومايني باتجاه “جمهورية مهاباد”، بعد انضمام بعض رؤساء العشائر الكردية إلى هذا الجيش وانصراف البعض عن المؤازرة.
سقطت الجمهورية الوليدة دون مقاومة، بناءاً على طلب رئيسها (القاضي محمد)، الذي فضّل الاستسلام مع وزرائه، كبديل وحيد عن إبادة شعبه.. وهو بديل بطولي وأخلاقي لرئيسٍ أعطى عدوه اللاإنساني درساً في التضحية والخلود.
 
الحجلُ،
ألمٌ كرديٌ متنقِّل
في القفص الصدري
لعظامِ كردستان.
جنودٌ أبديون
يرصدون أرواحاً زرقاء
في الهواء الكردي
كي يضيفوا
مقابر أخرى للذاكرة.
يأتي الظلام
من الأسلاك الشائكة
: فكل معلوماتي عن الحدود
أنها تراقبُ
الآلام المتبادلة
بين الأكراد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق