شؤون ثقافية

حاولت تذكّرها من بعيد

حاولت تذكّرها من بعيد
 
غادة نور الدين
 
 
لفتني أنها كانت قويّة البنية وأنها كانت أشجع امرأة في حارتنا.
جارتنا التي صعدت اليوم إلى السماء.
 
كانت وجهتنا إليها عبر درب ضيّق حفرته أقدامنا الصغيرة في الحقل.
يوم كانت بيوت حارتنا لا تتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة وكانت الحقول حولها ملعباً للريح ولنا.
 
بيتان في أعلى التلة أحدهما منزلها.
كان صغيرا ثم بدأت غرفه تزداد مع زيادة الأبناء إلى أن صار مبنى من عدة طوابق.
كثيرة الإنشغال كانت في حقلها وزرعها وفي تجهيز مؤونة الشتاء.
 
الوحيدة التي جاءت بأوراق التبغ الخضراء إلى حيّنا.
كان علينا مساعدتها نحن الصغار كي ندخلها ورقة ورقة في الخيط لتشميسها واعدادها. وكانت تكافئنا على ذلك.
 
في حضورنا كانت تتكلم مع جارتنا لغة كزقزقة العصافير كي تمرّر لها أسرار الكبار خفية منا.
تلك اللغة تسمى” لغة العصفوري”.
كانت تتكلمها بطلاقة.
حاولنا فك رموزها واكتشفنا انها تستعمل الكلمات ذاتها وتضع بين كل حرف وآخر حرف ” الزّاي” ولكننا رغم ذلك لم نجيدها ولم نفهم احاديثها وبقيت أسرارها ملكها وحدها.
لأعرف لاحقا أن العصفوري لغة متداولة في القرى النائية.
 
في الحرب حين كانت الكهرباء مقطوعة والغاز مفقود وكانت أمّي تحتاج موقد النار في منزلنا من أجل جميع أمور العيش. أخذتنا جارتنا معها أنا واخوتي إلى أعلى الجبل كي نحضر البلّان اليابس.
 
كانت تدربنا على قلع النبتة اليابسة دون إيذاء أصابعنا بأشواكها الكثيرة لوضعها فوق اختها كي تصير كرة وكلما أضفنا إليها تكبر ككرة الثلج ندحرجها في اتجاه الأسفل فتسبقنا إلى المنزل.
 
بعد موت ابنتها الفجائي وهي في سن الصبا صارت ابتسامتها أبعد.
 
تعب الحياة لم ينهكها
إلى أن زارها سارق الفرح
السرطان
الذي لم يترك بيتا في حارتنا مؤخراً إلا ودخله.
 
أعتقد أنها تزقزق هناك الآن بلغة العصفوري
وأن العصافير تخبرها أن أوجاعها قد انتهت إلى الأبد.

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق