الرأي

ما هو سبب تمسك أردوغان مثل أسلافه سلاطين العثمانيين بفكرة حماية الاسلام؟

ما هو سبب تمسك أردوغان مثل أسلافه سلاطين العثمانيين بفكرة حماية الاسلام؟
 
كاردوخ شم كي
 
سأبدأ أولاً بما نشره الإعلامي التركي الشهير، رحمي توران، في مقاله بعنوان «ذكريات الملوك»، الذي قال فيه إن جميع السلاطين العثمانيين، باستثناء مؤسـس الدولة العثمانية عثمان غازي، قد تزوجوا بغير التركيات. ونشر دراسة عن هذا الموضوع، أشار فيها إلى أن الأتراك الذين يفتخرون بتاريخهم العثماني التركي القومي العريق والأصيل يجب أن يعرفوا أن الدم التركي لم يكن موجوداً في عروق السلاطين العثمانيين؛ لأن 35 من هؤلاء قد تزوجوا النساء المنغوليات والروميات والبلغاريات والصربيات واليهوديات والإيطاليات واليونانيات والإسبانيات والروسيات والفرنسيات والجورجيات والبريطانيات… ثم يقول إذا أخذنا في الاعتبار هذا الاختلاط بين السلاطين العثمانيين والنساء غير التركيات والمسلمات، تبين لنا أن ما بقي من دم تركي في عروق آخر سلطان، وهو وحيد الدين، لا ولن يتجاوز ستة بالألف من دمائه. وهو ما يضع القوميين الأتراك قومياً ودينياً في وضع صعب جداً؛ لأن أمهاتهم كنّ من أديان وقوميات أخرى معادية للأتراك دينياً وقومياً. ومع ذلك، إن هذا الجانب السلبي للدم العثماني لم يكن كافياً بالنسبة إلى أولئك المهتمين بالتاريخ العثماني الحديث، ما دام أردوغان وداوود أوغلو يتحدثان عن إحياء ذكريات التاريخ العثماني في المنطقة من خلال سيطرة العثمانيين الذين يرون في حزب «العدالة والتنمية» نموذجاً مثالياً لهم.
من هنا نفهم تمسك هذا الجنس الدموي الهجين والغريب عن شعوب المنطقة الاصليين بفكرة حماية الإسلام التى ابتدعوها لشعورهم بالنقص والدونية أمام الشعوب الأصلية في الشرق الأوسط مثل الكُرد والارمن واليونان…الخ التى حكموها، فهم بلا تاريخ أو نسب ولم يستحقوا حتى الخلافة السابقة كنظام سياسى فرض نفسه فى ذلك الوقت.
إذا نبشنا الماضي فإننا سنجد بأن قبائل “الأويغور” كانوا بداية انتشار السرطان التركي إلى المنطقة و بدأت معهم عمليات هدم الحضارات القديمة الموجودة فيها منذ القرن الثالث الهجري، على يد المرتزقة من الأتراك الأويغور الذين تم جلبهم كعبيد من وسط آسيا، وأحفادهم قومية الأويغور، موجودين حاليًا في منطقة موزعة بين شمال غرب الصين وكازاخستان وروسيا ومنغوليا، وقد استعان بهم الخلفاء العباسيين، لكنهم سرعان ما تحولوا إلى نخبة عسكرية في عهد المعتصم، وزاد نفوذهم في عصر الخليفة المتوكل الذي نصبوه خليفة ليدخل في عداء مع المعتزلة، ونبذ المذاهب الفقهية، واحتفى بمتشددي الحنابلة، وهم من دعوا لإماتة العقل وإحياء النقل وعبادة النص. و هكذا تحكم الأتراك ، في مقاليد السلطة بالكامل، فقتلوا المتوكل، ووضعوا بدلا منه ابنه المنتصر على العرش، وعاثوا في البلاد خراباً ودماراً، فعمت الفوضى، ولم يسلم أحد من بطشهم، فضاق بهم عامة الشعوب التي خرجت في ثورات ضدهم كان مصيرها جميعا القمع والوحشية.
يقول الكاتب المستشرق ستانلي بول، في كتابه “تاريخ مصر في العصور الوسطى”، إن العرب اتصلوا بالقبائل التركية -الاويغور حاليًا- خلال الفتوحات الإسلامية في آسيا الوسطى في القرن الثاني الهجري، فاعتنقت بعض القبائل الإسلام، وأرسل الكثيرون منهم كعبيد للخليفة العباسي المأمون، ومع مرور الوقت أصبحوا عماد الجيش العباسي، حيث يذكر الكتاب: “درج الخلفاء والأمراء على جلب العبيد الأتراك، وتربيتهم وتدريبهم كحرس وجنود، لذا ترسخت فيهم طبيعة كراهية التفكير الحر، وهي عادة تركية قديمة تعود إلى أزمنة سحيقة، منذ كانوا يعيشون في وسط آسيا ويعتنقون العقائد الشامانية (عبادة الأرواح والإيمان بالسحر والشعوذة)”.
لقد تصدى الأيوبيون والمماليك للمغول الذين فرقوا أجداد أردوغان فى آسيا الصغرى إبان حكم تيمورلنك الذى أسر الخليفة العثمانى بايزيد الأول بعد هزيمته فى معركة أنقرة 20 يوليو 1402، ومرت الدولة العباسية عقب ضمها للخلافة العثمانية بفترة جمود وتدهور لم تفق منه إلا بعد قرون على أصوات مدافع نابليون وهى تدك الإسكندرية.
منذ وصول أردوغان إلى السلطة فى تركيا، وهناك محاولات دائمة لتزييف التاريخ من أجل تنظيف وجه الخلافة العثمانية الدموى، فالرجل يعتبر سلطان آل عثمان أجداده، وجنده جماعات مثل الإخوان المسلمين ودول تحكمها الجماعة مثل قطر من أجل الترويج لذلك التاريخ المزيف. لم يكتف أردوغان بتلك الجهود التى ركزت على الكتاب المطبوع أو المحتوى الإلكترونى، بل “موّل” أعمالاً درامية ضخمة تحكى ذلك التاريخ المُزيّف من أجل الوصول إلى الأجيال الجديدة يضحك فيها على شعوب الدول العربية والاسلامية لتوطين فكرة استعادة الخلافة العثمانية باعتبارها الدولة الحامية والمعبرة عن الدين الإسلامى، مع العلم إن العثمانيين لم يقدمّوا أى إسهام علمى أو ثقافى أو حضارى، بل دشنت حقبة “القرصنة السلطانية”، فقد كانت خلافة “السرقة والنهب” فلم تمتد أيديهم على شئء إلا وسرقوه، وقننوا الفساد عبر جبايات الولاة التى كانت تصل إلى الباب العالى، حتى إن المؤرخ المصرى ابن إياس صاحب “بدائع الزهور فى وقائع الدهور” والذى عاصر الغزو العثمانى لمصر كتب عن يوم دخولهم للقاهرة أبياتًا شعرية حزينة تقول:
نبكى على مصر وسكانها :: قد خربت أركانها العامرة
وأصبحت بالذل مقهورة :: من بعد ما كانت هى القاهرة
وبحسب رواية ابن إياس خرج سليم الأول من مصر بعد قتله طومانباى ومعه 1000 جمل محملةً ما بين ذهب وفضة بخلاف التحف والسلاح والنحاس المشغول والرخام الفاخر من قصور مصر بخلاف ما سرقه وزراؤه وعساكره من بضاعة المصريين، فهناك 50 صنعة اختفت من القاهرة بعد خروج السلطان العثمانى، يتشابه ما قام به سليم مع ما قام به محمد الفاتح عند دخول القسطنطينية ( اسطمبول) حينما قال لجنوده “اشبعوا بالغنائم والأسرى، أما بنايات المدينة فهى لي”. ويضيف ابن إياس: “استمرت مدة إقامة سليم بمصر ثمانية أشهر إلا أيامًا، ولم يجلس فى قلعة الجبل على مقعد الملك ولا رآه أحد، ولا أنصف مظلومًا من ظالم، بل كان مشغولاً بلذاته وسكره وإقامته فى المقياس ناحية منيل الروضة بين الصبيان المرد، وما كان يظهر إلا عند سفك دماء المماليك الجراكسة، وما كان له أمان إذا أعطاه لأحد الناس، وليس له من قول أو فعل، وكلامه ناقص ومنقوص لا يثبت على قول واحد كعادة الملوك فى أفعالهم، أما عساكره فكانت عيونهم جائعة ونفوسهم قذرة”. فهل تتوق هذه الشعوب المخدوعة بالمجرم اردوغان الى تاريخ أجداده ومغامراتهم فى قصور الحريم أو معسكرات الانكشارية أو الخصيان والأقزام المهرجين، وهى العناصر المكونة للمشهد العثمانى الداخلى والمؤثرة فى اختيار السلطان وقراراته..؟
لقد سنّ جد أردوغان المجرم محمد الفاتح قانونًا يسمح بقتل أخوة السلطان حتى لا يحدث تنازع على الحكم بحجة تطبيق الشريعة الإسلامية، وطبقه كل خلفائه حتى كادت الأسرة تنقرض، فتم الاستغناء عن عمليات القتل بسجن الأمراء أشقاء السلطان فى أقبيه ملحقة بالحرملك.
اتفقت المراجع العربية والأوروبية التى تناولت الحقبة العثمانية على عدد من الوقائع مثل قيام نوربانو والدة السطان مراد الثالث بالاحتفاظ بجثة زوجها سليم الثانى فى صندوق من الثلج بعد موته نتيجة الإفراط فى شرب الخمر، والتكتم على الخبر حتى يأتى ابنها مراد للعاصمة وإعلانه سلطانًا ثم قيامه بإعدام إخوته الخمسة. واستن مراد الثالث عادة السلطان الذى لا يبرح قصره وكانت أمه تجتهد فى تقديم الحسناوات له، وإذا أراد إحداهن كان يستدعى رئيس الخصيان حتى يأتى له بها، وهو ما يعنى أن عملية إيقاع المنديل التى جسدها المسلسل التركى “القرن الذهبي” والمعروف بـ”حريم السلطان” ليس لها أساس من الصحة تاريخيًّا. وعندما جلس محمد الثالث على العرش فى العام 1595 أتى بـ19 من إخوته وقبّلوا يد السلطان ثم خنقوا بمنديل حريرى، حتى أن امير صغير كان يأكل جوزة بيده قال له “دعنى أكمل جوزتى واخنقنى بعدها”، وكما يذكر مؤرخ القرن السابع عشر اوليا جلبى فقد انتزع طفل آخر من ثدى أمه وقتل فخرج لبن أمه من أنفه فى الوقت الذى خرجت فيه روحه، وفى ذلك اليوم خرج من القصر 19 تابوتا صغيرا خلف تابوت أبيهم السلطان الراحل. وبعد العام 1607 أدى الخوف من انقراض العائلة إلى تغيير فى السياسة، فأفسح المجال إلى سجن الأمراء فى أجنحة داخل الحريم الإمبراطورى تحت حراسة الخصيان وكانت تسلى الأمراء جوارِ معقمات لمنع الإنجاب، وبعد ذلك أصبح من يخلف السلطان ليس من يستولى على القسطنطينية من أبنائه، بل أكبر الذكور سنًا فى العائلة. لقد اعتمد الحكم العثمانى على اليهود وخاصة هؤلاء الهاربين من جحيم محاكم التفتيش فى إسبانيا، ونجح يهودى إسبانى بارز هو موسى بن هامون الطبيب المفضل للسلطان سليمان فى إقناعه بإصدار فرمان أواخر العام 1553 يقضى بأن تحال كل اتهامات جرائم القتل الطقوسى للأطفال المسيحيين التى تنسب إلى اليهود للديوان الإمبراطورى، خاصة أنها كانت تتسبب فى حالة شغب من جانب اليونانيين ضد اليهود فى القسطنطينية واستمر العمل بذلك الفرمان حتى العام 1874.
كانت سياسة عبدالحميد الثانى لا تختلف عن أردوغان حاليا فهو يقول ما لا يفعل، بل كان أردوغان أكثر جراءة حينما وصف إسرائيل بأنها وطنه الثانى والإسرائيليين بالأشقاء خلال مقابلة مع التليفزيون الإسرائيلى، بينما يظهر حادًّا ضدهم فى الخطابات العامة لزوم “الشو الإعلامي” فى أوساط التيارات المتطرفة. وقد اشارت الباحثة فدوى نصيرات فى كتابها إلى أن محاولة إظهار عبدالحميد الثانى بذلك المظهر البطولى المصطنع كان مهما للخطاب الإسلاموى الذى ظهر عقب سقوط الخلافة وهو ما يجسده أردوغان والإخوان اليوم فى مخاطبتهم للأجيال الجديدة عن مجد لم يكن موجودًا
إن مخطط المجرم أردوغان جزء من حلمه الكبير، وهو استعادة الدولة العثمانية، بالسيطرة على غرب كُردستان (الشمال السوري) بداية، ثم جنوب كوردستان (شمال العراق) بنفس الحجة -مطاردة حزب العمال الكردستاني- ومن ثم التوجه إلى باقي ممتلكات الإمبراطورية العثمانية القديمة، ولعل أول نقطة فيها مدينتي صبراتة ومصراتة غرب طرابلس في ليبيا، والتي تسيطر عليها مليشيات إخوانية مدعومة من تركيا فضلا عن اعتماده على القومية التركية الموجودة في المنطقة منذ مئات السنين، بالإضافة إلى القاعدة التركية في قطر والسيطرة على بعض نقاط في البحر الأحمر مثل جزيرة سواكن التي تبخرت الأحلام التركية فيها بفضل التوافق المصري السوداني، وباب المندب وغيرها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق