شؤون ثقافية

“حُمَّى في السلام ” قصة من المحنة

“حُمَّى في السلام ” قصة من المحنة
 
مريم حوامدة
 
الخميس .. موعد مابين الصلاة الوسطى وما تليها ألقت جَسدها النحيل المُتعب بعد جُهدٍ قضته في اتمام دراسة الأطفال تحمل في رأسها عبء القادم وفي رحمها جنين لم يُتمم الشهور الأربعة ، لم تعرف اذا كان ما شاهدته في ثواني الحلم هو رؤية أم اضغاث ، جسدها مسجى على سرير أبيض حولها يلتف أربعة من الأطباء بالقمصان البيضاء الطويلة يتحدثون بهدوء بلا أصوات اشار أحدهم نحوها بيده بكلمات قلية ” يجب ان نتخلص من الجنين بأقصى سرعة” افاقت من غيبوبتها القصيرة متعرقة خائفة ولم تخبر ما رأته في منامها لأحد ، انقضى المساء وفي بحر الليل داهمتها الحمى اللعينة وبدأت الحبوب الحمراء بالانتشار في جسدها ابتداء من بطنها ، تلك السخونة القاتلة عادت بها سنوات طويلة الى الوراء منذ كانت في الرابعة من عمرها ،
عزمت والدتها السفر الى بلد مجاور لكي تطمئن على شقيقها الذي كان جندياً محارباً وتم تسريحه من الخدمة العسكرية بعد انتهاء الحرب ،
كانت لهفتها عليه اقوى من عاطفتها في ترك طفلتها مدة شهر والغياب عن البيت والمزرعة وباقي العائلة الكبيرة ، فقدانها لشقيق آخر لها مرض بالحمى وهو في السابعة كان موته ابشع حريق ممكن ان تتذوقه الأخت لفراق اخ صغير لها ،
ارسلت والدتي مرسول لجدتي للحضور الينا كي ترعى البيت والمزرعة والبنات الصغيرات في غيابها وقضت جل وقتها في تحضير مستلزمات السفر والهدايا من الماكولات التي تصنعها من خيرات المزرعة ” اللبن الجميد والسمن وزيت الزيتون والصابون النابلسي ومربى السفرجل والعنب المجفف وغيرها ، ذهاباً الى المطبخ ومن ثم الى الغرفة الثانية لتحضير قطع الملابس لطفلتها ذات العام والنصف لتأخذها معها ،
وكلما تحركت من ناحية أتبعها للناحية الأخرى ابكي اتوسل اليها بأن تأخذني معها ولكن دون جدوى
رفضت والدتي اصطحابي معها رفضاً قاطعاً مما زاد من حزني وبكائي وتعمدت ليلتها أن اترك الفراش والقي جسدي على ارضية الغرفة الباردة دون غطاء لعلها تشفق لحالتي أو يساعدني أحدهم واقناعها باصطحابي في السفر ، لم تدرك والدتي حاجاتي لها مقابل المشقة التي سوف تعانيها في سفرها او مقابل لهفتها لرؤية شقيقها ،
فكنت أنا الورقة الخاسرة ،
في الصباح حضرت جدتي إلينا تحمل صرتها ولا تحمل هدية لنا لاثارة شفقة والدي الذي كان يغدق عليها الهدايا والمال خفية عن أمي
لا أذكر ان قامت امي باحتضاني قبل مغادرتها ام لا؟ لكن، كان اهتمامها بتوصية جدتي بالاعتناء بالكلب والقطط الأربعة والدجاجات واشعال الطابون كل ليلة بوضع روث الخراف عليه كي يبقى في حالة جيدة من اجل الخبز ،
في مساء اول ليلة للغياب داهمتني السخونة الشديدة وألم المفاصل ولم تنتبه جدتي لذلك ووالدي منشغل في عمله طيلة الوقت ولم يبق سوى شقيقتي التي تبلغ عشرة أعوام لأرتمي في احضانها باكية متألمة اتحدث بكلمات صفراء باهتة بلون بشرتي ” اريد أن اموت سوف أختنق جسدي تشتعل به النار اريد ان اموت ” وبدورها تضع رأسي على حضنها تضمني تمسح جبيني وتُقبّلني لأهدأ وأغفو وأصحو أعد الليالي والأيام السوداء ، اربعة ايام ولياليها قضيتها بين الحياة والموت ،
جدتي القاسية على الكائنات لطالما رشقت الكلب بالحجارة ونهرت القطط وضربت بعصاها الدجاجات عند خروجهن من الخم في الصباح وعند المبيت ، حتى بتنا لا نسمع صوت او جلبة لأي كائن من حيوانات المزرعة ،
عادت والدتي بعد غياب ثلاثة اسابيع ومن عادة سائقي الحافلات اطلاق صافرة طويلة عند حضور أحد من السفر ، وقفت السيارة على الطريق العام المقابل للمزرعة اطلقت الصافرة وفي ثواني معدودات كانت جميع الدجاجات تهرب من الحديقة متوجهة للحافلة لاستقبال والدتي سبقتها القطط الاربعة وأما الكلب فاكتفى بالوقوف على العتبة المحاذية لزير الماء الفخار واخذ ينبح بصوت حنون وكأنه البكاء
فيما تقدم المجموعة أحد الخراف وجثى على الأرض أمام والدتي يخبط قوائمه ويرفعها يمدها ليسلم على والدتي من شدة الاشتياق لها ،
كانت شقيقتي تبكي عندما قال الطبيب يجب ان تتخلصي من الحمل في هذه الأشهر الحمى والحرارة تقتل الجنين او تصيبه باحدى الاعاقات وعندما لاحظ التوتر والخوف والغضب بدأ على ملامحي اشار إليّ بمحاولة أخيرة وهي اجراء فحص غريب ومكلف في مختبر تابع لمشفى مدينة “عين كارم” المسلوبة حيث أن النتيجة ستكون جازمة إما الاجهاض وإما لا وسننتظر النتيجة بعد شهر من الفحص ،
مضى الوقت بطيئاً كل يوم بمعدل عام إلا أن جاءت رسالة المشفى فحواها :
هذه المرأة مصابة بالحُمَّى الألمانية وهي من أخطر انواع الحمى على الأجنة وتصيبهم بالشلل والعمى وشتى الإعاقات ولكن اظهرت نتيجة التحليل في الدم أنها تعرضت لنفس الحمى عندما كانت في عمر الثلاث سنوات مما منح جسدها حصانة للمرض وحماية لأي طفل تنجبه ،
اسميتها سلام في ذكرى اتفاقية السلام ليكون الرابع عشر من أكتوبر تاريخ ميلاد سلام للعام 1993 .

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق