شؤون ثقافية

/ثقب واسع في رأسي/

/ثقب واسع في رأسي/
 
عثمان حمو
 
في الفجر
ألبس كل الأشجار أوراقها,و أرسلها
لتبقى واقفة طوال الوقت في الغابات و الحدائق
مقابل ثلاث وجبات من الهواء
أوقظ الأزهار كلها,و أغسل وجهها
ألبسها فساتينها الملونة
كبنات المدارس الصغيرات
لتقف بجوار النوافير و الرياض و البراري
هذا الكون أكثر خرابا في مخيلة الشعراء
هذا الكون الذي يحتاج إلى جمال أكثر بقليل
أدون تسلسل القتلى,حسب اللغة الهيروغليفة
و أضع الغرقى في مستطيل عامودي
أعمل جدولا بالحروب الكثيرة,و ركام المدن
و أكتب سيرة ذاتية موحدة لكل الجنود
لا شيء يواسيني
سوى قصيدة بيضاء كجوزة قطن
سوى محيطات,أبدل أغطيتها
كشراشف السرير
لا شيء يواسيني
سوى أن أقنع نفسي,بأن كل الناس كائنات طيبة
و إن هذي الحرب
ليست سوى لعبة/بلي ستيشن/
و إن الموتى ينهضون كل مرة, بعد إطفاء الجهاز
حتى أخادع التوجس,في مخيلة أزهار الخزامى
في باحة المدينة
إمرأة تنتظرني طوال الحرب
تقترب مني بساقين من حجر الغرانيت
تضع يدها على كتف غيمة
و تهمس في أذني و تقول:
لو لم تكن عصفورا أزرقا
لأنجبت لك طفلة كقمر الصيف
طفلة كحقول القمح في سهول /قامشلو/
لو لم تكن نبعا,داخل حقيبة سفر
لأنجبت لك طفلة
رقيقة كمفاتيح البيانو
و عيون القطا المسافرة بعيدا
جميلة,كالبانوج النابت فوق أسقف بيوت الطين هناك
في ساحة المدينة
تنتظرني إمرأة
جميلة,و بعينين غامقتين
كي أكتب لها أغنية
عن العشق,و عن الجنود الذين ما عادوا إلى بيوتهم
عن الأعياد التي مرّت بلا سكاكر
وعن السنونوات الحزينة على أسلاك الكهرباء
تنتظرني,كي أعطي الأحجار المرصوفة في باحة المدينة
أسماء الغائبين
و كي أعطيها المفتاح المخبأ داخل حنجرتي
وكي أقول لها:ما عادت هناك حرب
و إن هذا النزيف الطويل ليس سوى
ثقب واسع في رأسي
قالت لي مرة:
لو لم تكن رجلا من غمام
لملأت جيوبك بالحصى
حتى لا تطير بعيدا مع الريح
ولولا هذي الحرب
لزرعت لك بين نهدي الصغيرين
أصيصا من النعناع
لولا هذه الحرب
لسجنت لك كل غيمات الخريف
داخل سرّتي,كي أهطل عليك ذات عيد
لا الحرب إنتهت,و لا أنا مللت من قضم الوعود
ولا هي ملّت من الهمس في أذني
كل شيء مناسب لخاتمة قصيدة
ليس من الضروري,أن نموت
في السطر الأخير من الكتابة
كفيلم كلاسيكي
ليس من الضروري, أن نغرق على شاطئ آخر كلمة
قبل النقطة
قد نموت بعد الفاصلة الأولى مباشرة
قد نموت في الحرف الواحد مرتين
فالشعراء يموتون في الكلمة الواحدة أكثر من مرتين
أرفع يدي الواحدة
أوزع عليها حروف إسمك
أعلق عليها حبال الشنق
و الخيبات و الخوف
لا شيء يشبهني,و أنا ألمس الثقب الواسع في رأسي
و لا أشبه شيئا,لا أشبه شيئا على الإطلاق,عندما يداهمني الحريق
ماذا أفعل الآن.؟
و أين نذهب.؟
هل نذهب إلى المقبرة,نذهب إلى السينما.؟
هل يجب أن ندخن في الفراش و نحن نبكي.؟
هل نأكل سوية صندويشة شاورما
ونحن نمارس الجنس في الخلاء؟
هل نحرق المدينة بأكملها لنشعل سيجارتنا؟
صدقيني,لن أموت في الصيف
ولن أموت في الشتاء
لن أموت قبل أن تنتهي الحرب
و قبل أن تختاري لي موسما مناسبا أموت فيه
ماذا سيحدث,لو لم يعد الجنود بعد سنوات طويلة إلى منازلهم.؟
ماذا سيحدث,لو لم تقولي لي طوال عشر سنوات
كلمة,أحبك
لا أعرف ماذا أشبه
ربما,أشبه سطر كتابة طويل لا ينتهي
أو أشبه غطاء لحاف مدجج بأزهار عباد الشمس و خنافس منقطة,وخناجر
أنا أطول ظل في الليل
يمتد من الغروب حتى الصباح
و أمامي الكثير لأنجزه
لديّ أشياء كثيرة لأنهيها
قبل فوات الدخان
عليّ أن أتعلم الحب أكثر
عليّ تعلم الضحك بلا سبب من جديد
عليّ تعلم فن التنفس,و إستقامة الظهر على مائدة الطعام
عليّ أن أقنع نفسي بأن الأرض كروية فعلا
و إن نقص الحديد في الدم
ليس له علاقة بالمسامير و الصدأ
و عليّ أن أجد تفسيرا
لماذا خصّ الله قارة آسيا,أرضا للوحي و الأنبياء
عليّ تعلم كيمياء إصفرار أوراق الخريف
و فلسفة العكازات,و الكولسترول,و سلس البول
و كيف أفكر بعقل إله
حين يشارف كوكب على الإندثار
عليّ أن أفكر,كيف يمكن إنقاذ
ما يمكن إنقاذه في غياب الملائكة
و كيف أقنع وردة واحدة,بأن كل شيء مجرد حدث طارئ
وبأن كل شيء على ما يرام
إمرأة تنتظرني في باحة المدينة
تنتظر كل يوم,بلا موعد محدد
تنتظرني
كي ألحس العرق من تحت ثديها الصغير
و كي أقول لها:
الحرب قد إنتهت
,25,09,15

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق