شؤون ثقافية

من دراستي للوحش الذي بداخلي

من دراستي للوحش الذي بداخلي
ريبر هبون
يتدرج حليم يوسف في الصفحات الأخيرة من روايته في الحديث عن مآلات الأحداث في غربي كوردستان ، بنشوء قوات الحماية الشعبية التي أخذت تسيطر على الوضع هناك، وتنشأ نظاماً وبنية تنظيمية ثابتة أخذت زمام الصعود رويداً رويداً ، فحميدو هنا يستشرف عبر منحوتاته ظهور وحوش متعددة الوجوه ، مختلفة الأحجام ، ستسود الحياة عند نشوب حرب ضروس تدمر كل شيء. أما عن سليمو فقد انصرف هو الآخر نحو الإعتكاف وقراءة القرآن ، وباتت هيئته غير مألوفة،
فهنا نتأمل ص 258 : „ كدت أموت من الضحك عندما كنت أقارن بين سليمو الغارق في دخان كثيف على الدوام في المرسم آنذاك وبين سليمو الإمام الذي يعتلي المنبر ويحض المصلين على الجهاد “
ونجد هنا في الصفحة التالية ، يستكمل حليم يوسف دلالة تصرفات سليمو وتطوارتها ص299 :“ كان سليمو يقود في تلك المنطقة تنظيماً ملتحياً يتسابق الجهاديون من كل أصقاع العالم على الإلتحاق به وقطع مئات الآلاف من الكيلومترات لخوض تجربة الذبح وسلخ الجلود البشرية وقطع الرؤوس ، كثيرون منهم أصابهم الجنون وهم في طريقهم إلى أرض المعركة ، وقد تضخمت أجسادهم وتحولوا إلى وحوش مهيأة للانقضاض على كل من يقف في طريقهم “
هنا يتحدث الكاتب عن التوحش المتبادل ، حيث القتل والموت والدفاع عن البقاء ، وهو في دلالته الحية والبعيدة توحش متبادل وصراع محتدم ، حيث القوة تستوجب ذات القوة في ردعها ولجمها ، وهكذا يسود العنف العالم الداخلي للمجتمع وتواكبه الرواية التي تستشق حياة بمنتهى الضجيج والقسوة ، إذ يهتم الكاتب بالمجمل بحياة الشخوص ومآلاتهم ، لكنه يحتفي أكثر ببطل الرواية من الناحية الوجدانية وينحاز لها ، إذ يواكب ذلك الحدث الوجداني المتعلق بعلاقة الرجل والمرأة ، وتلك الظروف القاسية المحبطة لعلاقتهما مع مرور الزمن ، يعود بنا إلى علاقة الحب بين سالار ومريم ، وكذلك سعي سالار للبحث عن أخبار حبيبته المتزوجة والمهاجرة إلى ألمانيا، نلحظ تتبع الكاتب لظاهر وباطن تلك العلاقة بما تحمل من أحزان وخيبات نفسية، لعل استقصاء اللغة الدرامية هنا بالأمر الماتع والمليء بالأسرار الفنية والتي لا تنوء الرواية عن حمل مقاليدها ، هذه اللغة الموغلة في قلب المغترب عن عالمه وكونه ومجتمعه ، وهذا العبء الجغرافي الذي يحمله الإنسان الكوردستاني جزء من أزمة سلطوية متفاقمة ، في عموم الشرق الأوسط الرازح تحت هيمنة السلطات القوموية والمذهبية.
وقد تقصَّد حليم يوسف إيجاد حب في المقبرة ، حب يموت في بدءه ويتعفن في نهايته، ليغدو مصدراً للمشاعر المتناقضة والتي يسودها نقيض من الشوق والألم والغضب
لنتأمل هنا أيضاً ص262 :“ فتحت الصندوق ، بدت الأوراق قديمة ، مصفرة مهلهلة كروحي ، لفتت نظري ورقة صغيرة كانت لا تزال تحتفظ بنضارتها ، كانت مريم قد خطت عليها جملة وحيدة يتيمة :“أحببتك كما لم تحب امرأة رجلاً من قبل „ تحركت في صدري مشاعرمختلطة ، هي مزيج من الغضب والحزن والخيبة والفرح ، سررت بهذا الإعتراف الصريح وأحزنني الشك بمدى صدقها في هذا القول ، قفز إلى مخيلتي هذا السؤال : إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تنتظر
” عودتي ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق