شؤون ثقافية

هلوسة ليلة ارق…./ قصة قصيرة

هلوسة ليلة ارق…./ قصة قصيرة
 
ليلى عبدالواحد المرّاني
 
كنت أسترق النظر من وراء زجاج النافذة، أراقب أبا محمود وهو يتسلّق بنشاط جذع النخلة والمنجل بيده، وسرعان ما كان يعانق قمّتها، وضرباتٌ سريعة متلاحقة، هوت أوّل سعفة، ثم تلتها أخرى وأخرى. سمعتها تئنّ متساقطةً فوق بعضها، وعلا الأنين حتى أصبح صراخاً مستغيثاً، أغلقت ستارة النافذة وهربت إلى مطبخي ألوذ به وأحتمي بجدرانه.
ـ ياعمتي أريد أن أقتلع النخلة.
قلت باستحياء وأنا أعرفها عاشقةً للنخيل..
ـ لماذا؟.
أجبتُ باعتذارٍ صبيانيّ..
ـ تحجب الشمس عن الحديقة، أريد أن أزرع وروداً جميلة.
وعمّتي نخلةٌ باسقة من نخيل بلادي، عذبة صافية، عميقة عمق دجلة الخالد، سحابة بيضاء تمطر حبّا وحكمة، وتعشق النخيل.
ـ أحبّ الزهور يا عمّة..أنت تعرفين ذلك.
ـ اشربي شايك، سوف يبرد.
قالتها واستغرقت في صمت عميق..لماذا لا تقول شيئاً؟ صمتها يعذّبني، ونواح النخلة يعذّبني، وحجارة أولاد الجيران الأشقياء وهي تنهال بصخب على التمر قبل أن ينضج تعذبني، قتلوها قبل أبي محمود البستاني، لم يتركوا تمرة واحدة. يشنّون غاراتهم فترة الظهيرة القائظة، ولم يسلم زجاج النوافذ من تصويبهم الخاطئ، وعمّتي لا تزال تعذّبني بصمتها، تجرّدني من صبري بنظراتها المحاصرة، وبعد انتظار طال دهراً أخرجت كلماتها ببطء..
ـ تقتلعين نخلة تعمّر سنوات وسنوات كي تزرعي ورداً عمره أقصر من انتظارك؟.
سحقتني كلماتها.
وعاد ذهني المتعب يلهث وراء أبي محمود. ماذا تراه يفعل؟ والنخلة كيف هي الآن؟.
أصبحت دقّات ساعة المطبخ وضربات منجل البستاني متوحّدة، صاخبة تمزّق سكون البيت، يا إلهي رائحة الطعام يحترق، انتفضتُ مذعورةً من كابوس أحلامي، ماذا يحدث الآن؟ أين وصل أبو محمود في تقطيع أوصال نخلتي؟ ولم أستطع رغم فزعي أن أمنع نفسي من التسلّل ثانية إلى الحديقة، كلّ شيء يدلّ على أنّ مجزرة قد تمّت بدون رحمة، الأشلاءُ مبعثرة هنا وهناك بفوضى صاخبة، والقلب مثكولاً يئنّ في زاوية من زوايا الحديقة. أجزاء غير منتظمة من الجذع تتراكم فوق بعضها، وأبو محمود يجلس بإعياء ظاهر، يتصبّب عرقاً وهو يدخّن سيجارته. أفزعني وجهه المتقلّص بألم، وعروقه يكاد الدم يتفجّر منها، بارزة ملتوية مثل دود الأرض. اقتربت منه حذرة؛ فانتفض كالملسوع وكأنّني ضبطته بالجرم المشهود. تحاشى النظر إليّ وظلّ صامتا، أسرعت هاربة من جديد إلى مطبخي وأنا أولول..
ـ هل تريد ماءً بارداً، يا أبا محمود؟.
لم يسمعني، ولم يجبني، عدت بقدح الماء ووضعته إلى جانبه، لم يشرب منه شيئاً، صبّه على رأسه وأخذ يلعق قطرات الماء المتساقطة من أنفه الكبير، قال وهو يرنو بحزن إلى أشلاء النخلة المبعثرة..
ـ لن أستطيع أن أتمّ العمل اليوم، تعبت جدّاً، سآتي غداً، الجذور عميقة ولن أستطيع اقتلاعها اليوم…!
ـ يا عمّتي، لم يستطع أبو محمود أن يقتلع جذور النخلة .
نظرت إليّ مبتسمةً بمرارة..
ـ إنّها عميقةٌ، عمق الزمن، ألا تعرفين؟.
شعرت بالدماء تغلي في وجهي، حتى التهب ناراً.
ـ أعرف ذلك ياعمتي، ولكن كيف أزرعُ الزهور وجذور النخلة لا تزال ضاربة في الأعماق، صلبة ومتحدّية؟.
وتاهت أفكاري من جديد.
ـــ سوف أسافر يا عمّة.
نزفت الكلمات من فمي وأنا أسترق النظر إليها، ساد الصمت من جديد، أيقظني من ضياعي صوت ارتطام قدح الشاي بزجاجِ الطاولة الصغيرة وعمّتي تضعه أمامي منحنية بقامتها المديدة، المنتصبة أبداً.
ـــ هل زرعت زهورك؟
صعقني سؤالها، وماتت الكلمات قبل أن تصل إلى شفتيّ .
ـــ سآخذ أولادي وأسافر، أنت تعرفين ذلك يا عمّتي، أخبرتك سابقاً .
ومرّت لحظات كنت أسمع للصمت المطبق فيها صوتاً مدوّياً ونحيباً آتياً من بعيد .
ـــ ماذا تريدين أن أزرع لك في المكان؟ كرفس، نعناع، ماذا تريدين؟.
وانهالت فأسه بضربات ثقيلة متسارعة وكأنّه يدافع عن نفسه ضدّ خصم عنيد.
ـــ أريد أن تزرع لي زهوراً.
احتدمت الضربات، وصوت عمّتي آتياً من الأعماق.. تقتلين نخلة جذورها أعمق من الزمن لتزرعي ورود اً.. وانزويت في ركن المطبخ كأرنبٍ مذعور، وصوتها يلاحقني، جذورها أعمق من الزمن، يصعب اقتلاعها، أعمق من الزمن .
ـــ لن أنساك ياعمّة، لن أنساك أبداً، ٍسأكتب لك كثيرا .
ــــ كوني قويّة كما عهدتك.
قالت عمّتي ومسحت دموعي بيدها الدافئة، ولأوّل مرّة أرى أصابع عمّتي ترتجف، خفت أكثر، وشعرت بقلبي يسقط تحت قدميّ، جمرة حارقة كانت قبلتها على جبيني.. ولثمت سعف نخلتي المحتضرة وبكيت أعتذر منها، ومن عمّتي، وأبو محمود ما فتئ يعمل، رأيته يلهث، وبإصرارٍ عدوانيّ يهوي بفأسه، يعمّق الجراح التي كانت تنزف، وجذور النخلة ما انفكّت تقاوم، عميقةً، متحدّية .
ـــ أتذكرين ياعمّتي نخلتي التي اقتلعتها؟.
سألت عمّتي بعد سنة من الاغتيال..
ـــ تحجب الشمس عن ورودك.
ـــ سأزرع ألواناً من الورد ياعمّتي، ولكن في حديقة أخرى.
ـــ ستسافرين عن قريبٍ إذاً؟.
ـــ غدا ياعمّة، جئت لأودّعك .
واختنقت..
وبقيت عمّتي جالسة بشموخ.. باسقة أنت ياعمّة، ولكنّ لوعة فراق الأحبّة الواحد بعد الآخر، رسمت خطوط حزن عميقة على وجهك المشرق وأكسبته هيبة أكثر، استنزفت حيويّتك المتدفّقة، وحلّ محلّها هدوء عميق يقطر حكمةً ودفء.
ـ أبو محمود ياعمّتي لا يزال يقتلع جذور النخلة، صوت فأسه يمزّق رأسي وهو يدمدم.
ـــ أنت لم تسقي النباتات، فماتت.
ـــ أسقيها كلّ يوم، ولكنّها النخلة تمنع عنها ضوء الشمس، فذبلت.
والصغار ملؤوا الحديقة بالحجارة، وعمّتي تقول إنّهم صغار، والصغار يحبّون التمر، وأبو محمود يصرّ على أسنانه حتى لتكاد تفرّ من فمه وتنغرس في وجهي، هو إذن يتّهمني، وعمّتي، أتراها تتّهمني أيضاً؟ والنخلة، مذبوحةً تتّهمني. ويعود صوت عمّتي دافئاً، عميقا يهدئ من روعي..
ـــ لا تبكِ ياعزيزتي، يجب أن تراعي زهورك، تذكّري جيّدا يجب أن تزرعيها، وسوف تكون جميلة، أنا أعرفك، أنت قادرة على ذلك.
ويا عمّتي، يا نخلةً عراقيّة شامخة، جذورها تضرب ملايين السنين عمقاً في الأرض، تعبتُ يا عمّة، شربتُ دموعي وأنا لا زلتُ أحلم أن أزرع زهوري، وأبو محمود لا يزال هناك في حديقتي الصغيرة يهوي بفأسه، يقتلع باقي النخيل، وأنا انغرس في فراشي كلّ ليلة أصارع الأرق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق