شؤون ثقافية

“ذاكرة الخذلان”

“ذاكرة الخذلان”
 
 
 
منذ أن ألقى عليَ الملوك تعاويذ المجون والترفْ، و أنا أعيشُ بكل ما أوتيتُ من كدٍ وشظفْ، تركوني ضحيةً للذئاب و قافلة العزيز ضلت الطريق، ولأنهم قسموا أحشائي إلى قارتين وقسموا القارتين إلى قطبين، والقطبين إلى حيين، والحيين إلى مجزرتين، والمجزرتين آتت أكلهما وصارت مخيمين، مخيمٌ ضاع في طيات النسيان وتاه في غيبات الجب و مخيم تم تقسيمهُ ذات تركةٍ “للرجل الميت” فكنتُ أسكن فيه وألتحف السماء فـ بالكاد أملك ما أسترُ به عورتي وعورة أبنائي،لذا بقيتُ دائما مخذول و مستغل من طرف الجميع، يسومونني سوء العذاب و يذيقونني أنواع السياطِ و أعنفها ولكن سياط بني جلدتي كانت الأشد وطأة من بين السياط…!
فأنا أكتبُ لأسافر بعيدا ولكن الكلمات تخذلني ككل الأشياء التي لا تقيم لي وزنا وتسافر عوضا عني بكلِ إنكارٍ للجميل بعد أن قدمتُها قربانا للقدرْ، لكي أحقق أحلامي في السفر…فبعد أن هجرتني كلمة “الوجع” منذ أكثر من نصف قرنٍ إلى فلسطين، هاهي مفردات الرثاء تخذلني من جديد و تشكلُ قارةً معمورةً باللاجئين…البارحة ليلا بالذاكرة أقيمت مأدبة بين الروم و الفرس اتفقوا فيها على أن تسافر كلمتا “التمزق” و “التشيع” في الرحلة القادمة إلى العراق، قائد عظيم كان بانتظار الوفدين لإكرامها، فأكرمهن و نعمهن، ولكنه تمادى في إكرامهن فكان التمادي والغلو المسمار الأخير في نعش حضارة العراق، التي لايحكمها إلا العظماء ولا يهدمها أيضا إلا العظماء! وليس ببعيدٍ اجتمعت كلمتا “الجنون” و “العظمة” في مقهى “الإستبداد” لتخطط للسفر إلى ليبيا المملكة تارةً و الإمبراطورية تارةً و الخراب أخيرا…لم تتأخر عنهما كلمتا “التفرق و التشتت” كثيرا إذ كانتا تتنزهانِ بين ممالك الخليج لتفرقَ شمل الحجيج، بدعمٍ مستكنٍ ممن لا يصدرون عادةً أي ضجيج…حروف “الخيانة” تلج قارب “صفقة القرن” لترسوا على ميناء دول المحور،ْ و أسوار القدس ماكانت هكذا تتصورْ، و كلمة “الخذلان” تعصف بالسودان لينقسم و يفسحَ الطريق أمام الجرذان التي تحشر أنفها في كل زمانٍ ومكانْ، أقلب بصري بين السماوات المرئية لأرى “العمالة” تحطُ في اللاذقية و تمزج قذائف الهاون مع الرياح الساحلية، تدمر البحر و البرية، تنسف الجبال والأودية، تسرق ليلا تماثيل الحرية، وتحرق، تسبي حروف الأبجدية…و لا أزال هناك حتى تمر من ورائي كلمة “الفوضى” قاصدةً تاريخ اليمن، عابثةً بما خلف “تبع” من ممتلكات، هادمةً ماتبقى من قصور، و نسوة عراة الصدور، مكائد تدبر بكل فخر و سرور، تَـدَخُلٌ سافر بكل غرور، طـرقٌ مهترئة تحتاج إشارات المرور، جثثٌ مرمية بين القبور…ولأن كلمة “الظلم” تعشق الأماكن الأثرية هاجرتْ إلى الأهرامات لتغتال الشرعية كما اغتال الفراعنة حضارة الستون ذراعْ بمعونة من حضارةِ القاعْ التي بكلِ جبنٍ تطاعُ وتُطاعْ، كانت كلمة “الظلم” تعلم بأن تلك المنطقة مهمة جدا في محور الشرق لذلك رأست لها من يحسن الطرق، طرق الجلود بالمدافع و طرق الأبواب بالقذائفِ و طرق الشعوب بالكوارثِ وتضليل الكُهان بالوظائفْ…أما كلمة “التحايل” فلطالما ضبطتها بالجرم المشهود تعبر الحدود نحو المغرب العربي لتنقش فيه “الفساد” من طينٍ لَـزِبِ، تركوني أضمحلُ في سماء الحضارة ولايدرون أن القمر سيعود مهما طال الخسوفْ و سنعود بالقصائد نكتبُ قرآن الحروف شامِخي الأنوف متراصي الصفوف!
اخليهن سيدي بوبكر
موريتانيا

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق