الرأي

خاتمة كتاب : كردستان أولاً … حرب الأفكار والدولة الكردية

بقلم الأستاذ حيدر عمر {مترجم الكتاب إلى الكُردية}

منذ 25 قرناً تتعرض الأمة الكردية لمخاطر جسيمة ، تجاوزت احتلال جغرافيتها من محتلين متعددين ، بدءاً من الاحتلال الأخميني الفارسي ، ومروراً بالغزوات الإسلامية ودولة الخلافة ، وإلى الدولة العثمانية . وقد حرص المحتلون على سلخ هذه الأمة من جذورها وهويتها ، فبعد أن قضى الفرس على مرجعيتها السياسية بإسقاط مملكة ميديا ، اختطفوا مرجعيتها الدينية الزردشتيه ، وأنتجوا نسخة زردشتية فارسية تخدم مشروعهم الاستعماري.
وبعد سقوط الإمبراطورية الفارسية أصبحت الأمة الكردية – رغماً عنها تابعة لدولة الخلافة العربية التي سوّدت ثقافتها العربية ، وهَمَشت ثقافات الأمم الأخرى المرغمة على الإسلام ، ومنها الثقافة الكُردية ، ووظفت دولة الخلافة قدرات وإمكانات الكرد في خدمة الثقافة العربية ، وانهمك أغلب المثقفين الكرد في خدمة ثقافات الشعوب التي حكمت باسم الإسلام (العرب ، الفرس ، الترك ) ، ولم يهتموا بخدمة ثقافة أمتهم وتطويرها ، ولم يعملوا لتأسيس قاعدة معرفية راسخة ، يرتكز عليها وعي قومي أصيل ، وفكر قومي مزدهر.
-حرب الأفكار :
يقول الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو ” مقاومة الجيوش ممكنة ، ولكن مقاومة الأفكار غير ممكنة ” . ونزيد قائلين : إن مقاومة الأفكار ممكنة أيضاً ، لكنها تحتاج جهداً فكرياً لا يقل عما يُبذل من جهد في ساحات المعارك ، بل ربما أكثر . وإن في تاريخنا وتواريخ الشعوب الأخرى أدلة متعددة على أهمية وإمكانية المقاومة الفكرية . إن تاريخ الكرد حافل بالكفاح ضد المحتلين ، والصمود في ساحات القتال ، وكانوا قادرين ، في مختلف المراحل ، على تحقيق البطولات الرائعة والانتصارات المجيدة . وصحيح أنهم تعرضوا لانتكاسات وهزائم قاسية وحروب إبادة أيضاً ، لكنهم بالرغم من ذلك لم ييأسوا ، بل تابعوا كفاحهم ، وما زال الكفاح مستمراً ، وسيستمرّ . لكن المؤسف أن هذا النضال المسلح لم يواكبه نضال مماثل على الصعيد المعرفي ؛ نقصد ( النضال الفكري ) ، النضال الموجه لتحرير الكرد من سلطة ثقافات الاحتلال ، ولتحرير الوعي الكردي من التبعية والعبودية وثقافة الهزيمة ، ولتأسيس وعي كردستاني نقي وأصيل . إن المقاومة المسلحة لا تنجح ما لم تتأسس على (المقاومة الفكرية) ، وخاصة في عالمنا المعاصر ، إذ قد بدأ نوع آخر من المقاومات ، وهو قائم على حرب الأفكار ، وإضافة إلى ساحات المعارك ، ثمة حروب تدار على الطاولات ، ومن خلال الكتب والمقالات والمناهج الدراسية والإعلام . وإزاء هذا النوع الجديد من الكفاح ، نحن الكُرد أحوج ما نكون إلى تحرير وعينا الجمعي من سلبيات عهود الاحتلال ، وبناء فكر قومي كُردستاني قادر على تحرير العقل الكُردي وتحرير الشخصية الكُردية . ويتضح يوماً بعد يوم ، أن المقاومة الفكرية هي العامل الأكثر أهمية في حسم الصراعات ، ولا يمكن لأمّة جاهلة بتاريخها ، ومنسلخة من ثقافتها وهويتها الوطنية ، وهاربة من شخصيتها القومية ، ومستسلمة لمشاريع الاحتلال والصهر ، أن تنتصر في معركة الدفاع عن وجودها ، ولا يمكنها أن تكون سيّدة وطنها وقدّرها ، وستظل إلى الأبد لعبة في أيدي الآخرين . أجل ، إن معارك الفكر أصعب بكثير من المعارك الحربية ، وهي بالنسبة للشعب الكُردي أشد صعوبة ، بسبب تقسيمه بين أنظمة محتلّة مختلفة ، مارس كلّ منها تأثيره السلبي – شئنا أم أبينا – طوال قرون في الفكر الكُردي والشخصية الكُردية ، وكان من نتائج ذلك ما يتردد في بعض الأوساط الكردستانية من مشاريع طوباوية ، ويُراد بها أن تكون عابرة للقوميات ، بحجة انتهاء عصر الدولة القومية.

-أبلسة الدولة الكردية :

والسؤال المهم هو : لماذا التلويح الآن تحديداً بشعار ( انتهاء عصر الدولة القومية ) ؟ ولماذا تفريغ مفهوم (الدولة القومية ) من مضمونها الوطني ؟ وبطبيعة الحال نحن لا ننكر أن العولمة تتقدم بخطوات سريعة وتهدّد الثقافات الوطنية ، وأن العالم يتجه نحو الكيانات الكبرى وازالة الحدود بين الدول ، والاتحاد الأوروبي مثال بارز على ذلك ، فقد ألغيت الحدود بين الدول الأعضاء ، و وحّدت العملة في كثير منها ، وسهل انتقال السكان والبضائع . ولكن هل اتحدت في كيان سياسي واحد ؟ وهل تخلّت عن هوياتها الوطني والقومية ؟ ودعنا من الاتحاد الأوروبي ، ولننظر في الاتحاد السوفييتي السابق ، ألم يكن إدارياً وسياسياً ، ومن حيث الحدود وتنقل مواطني جمهورياته ، متقدماً على الاتحاد الأوروبي ؟ ومع ذلك حين ارتخت قبضة النظام تحوّلت جمهورياته إلى دول قومية لكل منها حدودها الدولية ورئاستها وسيادتها وسياستها الخارجية ، بالإضافة إلى مناهجها التربوية والتعليمية . إن إقليم الباسك – ومساحته 20 ألف كيلو متر مربع فقط ، ويتمتع بحكم ذاتي ضمن دولة إسبانيا – ألا يطمح إلى الاستقلال وبناء دولته القومية ؟ ألم تبلغ نسبة سكان إقليم كاتالونيا المطالبين بالاستقلال عن إسبانيا وإقامة الدولة الكاتالونية القومية 81 % عام 2014 ؟ ألم تنظم اسكوتلندا استفتاء حول الاستقلال عن انكلترا في شهر أيلول سبتمبر عام 2014 ؟ صحيح أن نتائج الاستفتاء لم تكن لصالح الاستقلال ، لكن ظلت فكرة الاستقلال وإقامة الدولة المستقلة راسخة عند الاسكوتلنديين ، وما تزال بعض قواهم السياسية تعمل في هذا الاتجاه . والغريب أن معظم شعوب العالم أقامت دولها على أوطانها التاريخية ، وتحمل دولهم إلى الآن الأسماء القومية لتلك الشعوب ، على سبيل المثال في الشرق ( دولة اليابان ، دولة الصين ، دولة كوريا ، دولة الهند ، إلخ ) ، وفي الغرب ( دولة ألمانيا ، دولة هنغاريا ، دولة اليونان ، دولة فرنسا ، دولة بلجيكا ، دولة السويد ، إلخ ) ، فلماذا حينما نناضل – نحن الكُرد – في سبيل تحرير وطننا من المحتلين ، وإقامة دولة كردستان المستقلة ، يُطلق على هذه الدولة – قبل تأسيسها – صفة ( الدولة القومية ) ؟ هل المراد أبلسة دولة كردستان حتى قبل ولادتها ؟ وعدا هذا ، ماذا يعني إطلاق صفة ( الدولة القومية ) على دولة كردستان حتى قبل تأسيسها ؟ ألا يعني ذلك ضمناً أن دولة كردستان ستكون ( دولة عنصرية ) ؟ ألا يعني ذلك أيضاً أن على الكُرد رفض تأسيس ( دولة كُردستان ) ؟ وألا يعني ذلك الشطب على وطن ورثناه عن أسلافنا اسمه ( كردستان ) ؟ وألا يعني رَمَي كفاح وبطولات وتضحيات شهدائنا وعظمائنا خارج التاريخ ؟ وهل ثمة خدمة توهب للمحتلين ومشاريعهم الاستعمارية أعظم من هذه الخدمة ؟ وماذا يريد المحتلون أكثر من هذا ؟ إن رفع شعار ( لا نريد الدولة القومية ! ) ، وشعار ( لا نريد دولة كُردستان ! ) ، لا يعبّر فقط عن نزعة تغليب ما هو تكتيكي على ما هو استراتيجي ، ولا يعبر فقط عن قصور في فهم ثقافات الغزو التي أصبح الكرد ضحيّتها منذ قرون ، ولا يعبّر فقط عن المغامرة بمستقبل الأمة الكُردية ، وإلهاء الرد بما هو طوباوي وإضاعة جهودهم . وإنما يعبّر أيضاً عن عدم معرفة الثقافة الأصيلة للأمة الكُردية ، وعدم معرفة الشخصية الكردية الأصيلة . ومتى كان الكُرد شعباً عنصرياً ؟ وأين هي مرتكزات ومحرضات العنصرية في الثقافة الكردية الأصيلة ؟ راجعوا تراثنا ، راجعوا عقائدنا الدينية قبل الإسلام ، راجعوا الزردشتية ، ألم نخدم الشعوب المجاورة لنا ، ثقافياً ودينياً وسياسياً ، أكثر ممّا خدمنا أنفسنا ؟ ولو كان الكرد قوميين عنصريين هل كانوا سيبقون إلى الآن أمّة مستباحة للمحتلين ؟
إن الحقوق حقوق ، وقد تختلف أشكالها من جغرافية إلى أخرى ، ومن شعب إلى آخر ، ولكنها لا تختلف في المحتوى ، وليس هناك شعب جدير بإقامة دولته المستقلة ، وشعب آخر انتهى عصر الدولة القومية بالنسبة له . وإن إقامة دولة كردستان ليست مطلباً ثانوياً ، و إن وجود الأمّة الكردية وكرامتها ، كانا طوال 25 قرناً ، و لايزالان ، مهدّدين من قبل أنظمة الاحتلال ، و إن إقامة دولة كُردستان هي الكفيلة بإزالة هذا التهديد ، وإنهاء هذه التراجيديا إلى الأبد.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق