الرأي

ماذا تبقى من سوريا في ظل الحرب المشتعلة بين النظام السوري ومرتزقة تركيا؟؟

منذ الأزل عندما بدأت مسيرة الإنسان ودون فيها احداث انعطافات وتحولاته الجذرية كان يكتبها بريشة منقعة بدماء ابناء البشر وعلى أشلاء وجماجمهم وعلى أطلال خراب المدن والقرى والزرع ونهب ممتلكات الضعفاء يعلن أحد القادة انتصاره العظيم المبجل.

تاريخ الإنسانية مفروش بدماء الأبرياء، لذا فلما تجد انصاف في مجلدات التاريخ يكشف حقيقة ما تم معايشته، لكن كان ذلك في الماضي السحيق حتى قبل عدة قرون قد يكون المؤرخون حينها إلى حد ما اضطروا لكتابة هكذا تاريخ أغلبه مشوه مزور، لكن في القرن العشرين والواحد والعشرين عصر التكنولوجيا والتقنية والثورة المعلوماتية والأقمار الصناعية والعولمة، يتم تحريف وتشويه الحقائق وقلبها رأس على عقب من قبل سلطات الشر والإرهاب وقوى ودول معينة على حساب البشرية وقيمها السامية و الأبشع من ذلك صمت المجتمع الدولي وبمساعدة قوى ودول عظمى، أنها جريمة في حق الحقيقة والتطور والمفهوم الإنساني.

في الآونة الأخيرة ينشر الإعلام الروسي والإيراني معلومات وعبارات تدعي انتصار كاريكاتيرهم الهزلي بشار الأسد وقواته القمعية المدعومة والمسيرة من طرفهما، دون أن يؤكدوا انتصارهم على من وكيف وهل انتصاره حقيقية ام مزعوم، هل بقي شئ من الشعب السوري والكيان وقراره السيادي وبنيته التحتية والثقافية؟ هل انتصار الأسد انتصار للإنسانية والديموقراطية وحقوق الإنسان وانتصار للحريات ولمستقبل مشرق أم عكس ذلك هو عين الحقيقة؟؟

بسبب تعقيدات ومعضلات قراءة المشهد السوري منذ الانطلاقة الشعبية في آذار عام 2011 ضد نظام البعثي الديكتاتوري بقيادة رئيسها بشار الأسد وحتى راهنا، نجد الكثير من المحللين والمتابعين والمعارضين والدبلوماسيين والإعلام الدولي يصفون المشهد وتوقعاتهم النهائية لهذه الدراما المأساوية حسب قناعاتهم وقرائتهم وطرح مشاريعهم لحل هذه الكارثة حسب مصالحهم واستراتيجياتهم الجيوبوليتيكية في سوريا محاولين التأثير على الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي لحلحلة الامور خدمة لاجنداتهم الاستراتيجية بعيدا عن مصلحة مكونات المجتمع السوري نفسه.

يتم تداول رواية منسوبة للكاتب الموسوعي والصحفي المصري المشهور محمد حسنين هيكل من قبل العديد من الكتاب والمؤلفين والمفكرين تعود إلى حوالي ستة عقود قبل الآن أثناء عقد اتفاقية الوحدة بين سوريا ومصر في شباط 1958 حيث يقول أنّ شكري القوتلي الرئيس السوري يومذاك، وجه إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر العبارة التالية «تهنئتي يا سيادة الرئيس، أنت لا تعرف ماذا أخذت! أنت أخذت شعباً نصف أفرادها من السياسيين، ويعتقد خمسون فى المائة من ناسه أنهم زعماء، ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد عشرة فى المائة على الأقل أنهم آلهة، إن في سوريا أناسا يعبدون الله و أناسا يعبدون الشيطان بل أن هناك طوائف وفرقا يعبدون عضوا معينا من أعضاء المرأة لأنها تعتبره ينبوع الحياة.

ليس هناك من يؤكد ويجزم حقيقة الكلام المنسوب الى شكري القوتلي هذا لكن هناك بعض الأوجه من الحقيقة في ذلك عند التمعن والتعمق في المجتمع السوري، وكيفية تكوينه الحضاري والنفسي والاقتصادي والثقافي والاثني والعقائدي، وهذا ما تجلى بكل وضوح في الانفجار الكارثي للمجتمع السوري خلال سنوات الأزمة، واستطاعت كل جهة إقليمية ودولية جذب فرقة وطائفة إلى صفها لتحقيق أجندتها وما أنتج من ذلك هو تفتيت وتشظي المجتمع السوري برمته و تم تلغيمه بحيث لا يمكن التكهن بنتائج ذلك وهل من الممكن السيطرة عليه وايجاد الحلول لذلك؟.

المجتمع السوري الذي تشكل من مكونات واثنيات وقوميات وأديان وطوائف متعددة لهم جذور تمتد إلى أعماق التاريخ، شكلوا معا حضارة وحياة مشتركة ومركزا تجاريا لمدة حوالي ثلاث آلاف سنة تربط بين جميع قارات العالم المعروفة حينذاك، وكانت سوريا تعتبر ناقلة نشطة للثقافات والحضارات المتعددة لقرون عديدة، ومن جغرافيتها انطلقت الأديان والرسائل السماوية لتبشر العالم القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة، تعتبر عاصمتها دمشق أقدم عاصمة في العالم وعاصمة أكبر إمبراطورية إسلامية في عهد الخلافة الأموية عاصمة العلم والأدب والشعراء، لكن اليوم نتيجة السياسات الدموية والقبضة الحديدية للأجهزة الأمنية للنظام البعثي الأسدي وتعامله الوحشي مع ثورة الكرامة في بدايتها قبل أن يتم اغتصابها من قبل الإخوانيين والعصابات الإسلاموية المتطرفة، ومن قبل الدول الطامعة بسوريا على رأسها الدولة التركية وحلفائها في الخليج كدولة القطر وانتهاك سيادة سوريا من قبل قوة ودول إقليمية ودولية كروسيا وإيران وتركيا وميليشيات طائفية كحزب الله والعراقية والتركمانية والأغوار والشيشانيين وجميع الجهاديين المتنقلين، حولوا سوريا بلد الحضارة إلى بركة من الدم والتعذيب والفقر والإجرام والإرهاب والنهب، قاموا بتلغيم جميع مكونات المجتمع السوري بحيث أصبح الجميع يكنون لبعضهم العداء والحقد والبغض يزهقون أرواح بعضهم، تم ذبح الحضارة الإنسانية في سوريا، يريد الجميع إبادة الطرف الآخر وينتظرون الفرصة المناسبة للانقاض و يحمل كل طرف الأخر مسؤولية ارتكاب المجازر والتطهير العرقي والطائفي والديني، لم يعد يؤمن مكون بالأخر وطائفة بأخرى وقومية بأخرى، أصبح مصير الطيب والسئ مرتبطا ببعضهم البعض، الموجود هو شعب متحطم محبط منقسم مفقر متشرد متشتت ومنهار نفسيا، وسرعة استخدام السلاح والارتهان إليه بالنسبة له أصبح أسرع من سرعة استخدام العقل والتفكير، كل ذلك يتحمل مسؤوليته نظام القتل والأرهاب والتدمير بالدرجة الأولى الذي رفض الانصياع لصوت العقل وقبول التغيير الديموقراطي وهيأ العوامل لتدخل القوى الإقليمية والدولية الطامعة في سوريا ولا زال هذا النظام الكاريكاتوري الهزلي يراهن الجلوس على عرش من جماجم الأطفال والنساء والفقراء والشعب الذي تم إبادته بقصفهم بالبراميل المتفجرة وبلد تحول إلى خراب واطلال ومقابر جماعية.

بدأ نظام الأسد قبل أي طرف آخر بضرب المتظاهرين المدنيين بالأسلحة الثقيلة والخفيفة ولاحقا شن طائراته الحربية قبل أن تلتحق بها الروسية حملة دموية بشكل عشوائي و قام بشكل ممنهج حسب تقارير أممية والأمم المتحدة وإعلامية وموثقة بعدسات النشطاء الغير قابلة للشك بقصف المدارس والمستشفيات والمنشآت العامة والمزارع والمصانع والبيوت وتدميرهم على رؤوس العاملين والساكنين فيها دون خجل من لعنات التاريخ، وارتكب مجازر وجرائم ضد الإنسانية و بذلك يلتحق بمجرمين سلطويين آخرين كرجب طيب أردوغان الرئيس التركي الحالي والعراقي صدام الحسين والصربي سلوبودان ميلوفيتش وغيرهم.

تسببت إلى جانب النظام الجماعات الإسلاموية المتطرفة الخاضعة للسيطرة التركية في تدمير جميع أركان ومقومات المجتمع والدولة والكيان السوري اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ودبلوماسيا، تشتت الشعب السوري والأسرة والفرد السوري ولدرجة تفكك روابطها وابتعادها عن بعضها لآلاف الأميال متشردين ومهجرين في دول العالم هربا من الدم والقتل والجوع ورحى قتال بين عصابات إسلامية و نظاما مجرما، من ناحية أخرى أصبحت الحياة في المناطق التي تخضع لسيطرة قوات الأسد وحلفائها من جهة والمناطق التي تحتلها تركيا و المجاميع الإسلاموية المتطرفة التابعة لها من ضمنهم تنظيمي داعش والقاعدة شبه مستحيلة نتيجة الفلتان الأمني والممارسات العنفية والنهب والسلب وخطف المدنيين وانعدام الخدمات وفرص العمل، في حين نجد في المناطق الأخرى التي تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا التي تشكل بزوغ فجر جديد يحمل بين طياته أمل إيجاد مشروع ديمقراطي الحل الوحيد للأزمة السورية الأكثر أمنا وأصبحت الخدمات فيها أفضل من السابق بعد سنوات من مواجهات دامية مع مقاتلي داعش وجبهة النصرة والمجاميع الإسلاموية المتطرفة الخاضعة لسيطرة سلطان تركيا أردوغان، والأنقاض على هذه الانجازات التي توحي بحياة وتطور ديموقراطي تقوم قوى الظلام الذي تمثله الدولة التركية مع بعض مجاميع من المرتزقة باطلاق التهديدات والتصريحات الاستفزازية بشكل يومي بشن عدوان على مناطق شرقي الفرات والتي سبقتها احتلالهم لمنطقة عفرين وبذلك يريدون تحويل تلك الواحة الأمنة المسالمة التي يعيش على جغرافيتها أكثر من ثلاث ملايين من المكونات السورية المتعددة إلى شلال من الدماء والخراب والاقتتال والتشريد والنزوح والهجرة والتغيير الديموغرافي، بينما الصمت الدولي والعالم الإسلامي على حاله تجاه هذه التهديدات ضد القوات التي حاربت نيابة عن العالم أشرس تنظيم إرهابي عرفه التاريخ المعاصر، تزامنا مع ذلك يحاول الرئيس التركي استخدام ورقة المهاجرين كتهديد في وجه دول الاتحاد الأوروبي المرعوبة لاجبارها القبول في المشاركة الفعلية في مخطط إجرامي تحت مسمى أقامة المنطقة الأمنة في مناطق شمال شرقي سوريا وإسكان المهاجرين فيها يريد من وراء ذلك إبادة الشعب الكوردي وتغيير ديموغرافيته وإنهاء جميع مكتسباته المشروعة وربط وتوسيع كورودور آمن للقوى الإرهابية بدأ من مناطق إدلب مروراً بشمالي حلب وصولا إلى الحدود العراقية.

الناشط السياسي طلال حسن درويش

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق