الرأي

معالجة الفساد في مجتمعنا(3)

مظلوم هادي

سوف يظل الفساد بكافة أنواعه أحد العناصر التي تهدم وتقف في وجه عملية التنمية في المجتمعات سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية؛ لذلك فإن أفضل وسيلةٍ لمحاربة مظاهر وانتشار الفساد هي الاعتماد على خطة مدروسة شاملة على مستوى المجتمع كافة بمؤسساته وأفراده تهدف لإعادة العدل بصوره المختلفة في المجتمع من اعلى الهرم إلى قاعدته، ومن قاعدته إلى قمته، ومنع الظلم والاستغلال في كامل المجتمع من خلال الإصرار وتطبيق قاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة وان المناصب والوظائف العامة هي تكليف وليست تشريفًا للفرد. ويجب إن يقوم جميع أفراد المجتمع بدورهم في محاربة أشكال الفساد ودفع مجتمعاتهم للنهوض والتنمية والتطور والتقدم والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال، فالوطن للجميع ولكل أفراده الحق في حياة رغيدة وكريمة والحصول على فرص متساوية في العمل والمسكن وجميع نواحي الحياة.
وفي كل الأحوال فإن مكافحة الفساد لاسيما الفساد السياسي والإداري والمالي يستدعي بالضرورة توافر ثلاثة شروط هي (1):
1- الشفافية والمصداقية في عمل السلطات الادارية والمحلية في الحكومة ومؤسساتها.
2- الحكمة، ويعني الحكمة في استخدام الموارد وحسن اختيار السياسات الاقتصادية في البلاد لتلبية الخدمات في المجتمع.
3- المساءلة القانونية للقائمين على إدارة شؤون الحكومة، والمحاسبة الصارمة لمرتكبي الفساد.
إن السياسات الخاطئة للحكومة التي لا تقوم على قاعدة معلومات صحيحة، أو تفاضل بين البدائل والخيارات المتاحة، قد تفوّت على المجتمع فرصاً كثيرة، منها عدم استثمار الموارد الاقتصادية والطاقات البشرية على نحو أمثل، حتى ولو لم يكن هناك فسادا.
فعلى الصعيد الأخلاقي، تختفي النظرة إلى العمل بوصفه الحاجة الحيوية الأولى للإنسان بل وتهتز نظرة الناس إلى الإخلاص والأمانة والنزاهة، وعلى الصعيد السياسي والاقتصادي تتجذر النظرة إلى كون من يملك المال يملك السلطة، ومن يملك السلطة يملك المال، مستغلين مواقع المسؤولية لتحقيق مزايا ومكاسب تخالف القوانين والأعراف السائدة في المجتمع، وإذا كانت دوافع القرارات الاقتصادية تحقيق مكاسب آنية ضيقة لكبار المسؤولين وأسرهم وأصدقائهم، عندها يفقد النظام السياسي شرعيته، أي قبول وتفاعل المواطنين مع مؤسسات الحكومة وإدارتها، فيحصل الركود السياسي والاقتصادي والاغتراب السيكولوجي، ويعزف الناس عن المشاركة في برامج الحكومة التي تفقد مصداقيتها وتهتز ثقة المواطنين بها، وهذا ما حصل في بعض من الدول المنطقة.
لقد اقترنت العديد من التجارب التنموية بحالات من الفساد السياسي والإداري والمالي، كما حصل في ظل الجمهورية الثالثة في فرنسا أو في إيطاليا أو في كوريا الجنوبية، ولكن التنمية المستدامة تشترط وبالضرورة مكافحة الفساد، من أجل تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وبالتالي توطيد شرعية النظام السياسي برمته، من خلال الاستجابة لطموحات المواطنين وتطلعاتهم لحياة حرة كريمة. تتيح لهم فرص المشاركة في صناعة القرارات السياسية والاقتصادية التي من شأنها تحقيق التنمية المنشودة وتحول دون إثراء المسؤولين الحكوميين بطرق غير مشروعة تملي ضرورات محاسبتهم ومساءلتهم وفقاً للقانون.
والشروط اللازمة لتحقيق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بنجاح هي: الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد، بالإضافة إلى شروط أخرى مثل: فعالية الحكومة وتمتعها بالكفاءة والخبرة الإدارية اللازمة، وهذه الشروط الثلاث وغيرها هي التي تُحصن المجتمع من آفة الفساد، وما يقترن به من مظاهر الفوضى والتسيب واللامبالاة، وانعدام الحس بالمسؤولية الرفيعة. وعليه إذا كانت القواعد الناظمة للحياة العامة قواعد موضوعية وعلنية، وإذا كانت القرارات الحكومية موضوعية من حيث خياراتها ومرتكزاتها ومبرراتها ودوافعها، وإذا كان المسؤولون كل في مجال عمله على مستوى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية يخضعون للرقابة الوقائية واللاحقة وإذا تم تغيير المسؤولين الذين خرجوا على القوانين واخترقوها في الوقت المناسب، سواء ارتكبوا هذه المخالفات عن قصد أو غير قصد، فإن توافر الشروط الثلاث للتنمية لا بد وأن تؤدي بالضرورة إلى دفع عجلة التنمية من جهة والتقليل من الفساد وهدر الموارد من جهة أخرى. ومما لا شك فيه فإن ظاهرة الفساد ظاهرة معقدة تتداخل فيها قضايا سياسية وإدارية ومالية، داخلية وخارجية المنشأ، وتتكامل مع بعضها بعضاً، لتكون حلقة مفرغة، يفترض كسرها من أقوى حلقاتها من خلال:
1- إقامة نظام سياسي يقوم على مبدأ التعددية السياسية المستند إلى الانتخابات العامة العلنية والنزيهة، وأن يرتكز هذا النظام على الفصل بين السلطات الثلاث، فضلاً عن احترام ممارسة المواطنين لحقوقهم المدنية والسياسية، بما في ذلك حرية التعبير عن الرأي، علماً بأن الديمقراطية لا تحصن المجتمعات من الفساد، رغم ما تنطوي عليه من شفافية وعلانية ومصارحة ومكاشفة، ولكن في ظلها لا يتحول الفساد إلى ظاهرة ويمكن تطويقه ومكافحته بسهولة من خلال محاسبة ومساءلة المسؤولين، وعبر تصويب السياسات التي تتسبب في هدر الموارد، خلافاً للأنظمة الشمولية التي يشيع فيها الفساد ويتحول إلى ظاهرة، تتطلب مواجهتها جهوداً مضنية، وتكاليفها باهظة الثمن على المجتمع.
2- حصر ثروات كبار المسؤولين ومعرفة مصدرها من قبل الأجهزة الرقابية التي يُفترض أن تتحقق من صحتها أثناء وبعد تولي المسؤولية العامة.
3- إعطاء صلاحيات واسعة لجهاز رقابي واحد، يتمتع بالاستقلال في مراقبة السلطات الثلاث، وأن يُعِد هذا الجهاز تقارير دورية تكون في متناول المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الحزبية والسياسية ولأعضاء المجالس التشريعية والقيادات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني كافة.

4- تلبية احتياجات ورغبات المواطنين بتوفير مستوى لائق من العيش الكريم وإشباع حاجاتهم الأساسية من طعام ولباس وسكن وتعليم ورعاية صحية، وتطبيق مبادئ تكافؤ الفرص وربط الأجر بالإنتاج فمثلا لدينا في مجتمعنا الاجر او الراتب للموظف لا يصل الى مستوى معيشي يقضي حاجة المواطن لتكوين وتأسيس نفسه في مراحل حياته لشراء السكن اللازم ليسكن به فالراتب الذي يتقاضاه والاسعار الخيالية للعقارات والاراضي لدينا غير متكافئة فبذلك تقع على عاتق الحكومة توفير وانشاء جمعيات سكنية تلبي متطلبات المواطن، وفي غير ذلك قد يتهيأ المناخ لانتشار الفساد ليتحول إلى أسلوب حياة تمارسه المستويات الصغيرة والمتوسطة من الموظفين الحكوميين وصولاً إلى كبار موظفي الحكومة.
5- التوعية السياسية بإشاعة مناخ ثقافي ناقد يحترم الرأي والرأي الآخر، يمكن له أن يحد من الانخراط في الممارسات الفاسدة، ولا بد من توظيف وسائل الإعلام، كافة لاسيما التركيز على إعلاء القيم المجتمعية من نزاهة وإيثار وتضحية ونكران للذات، والتمسك بالخصال الحميدة المتأصلة في المجتمع من أمانة وحس بالمسؤولية الفردية والجماعية. وضرب المثل الأعلى والقدوة الحسنة من قبل القادة من مسؤولي الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني.
6- معاقبة بعض كبار ألمخالفين إذ أن من الاستراتيجيات الناجحة هو (قلي قليل من السمك الكبير)، فعندما تكون هناك مشاركة كبيرة في أعمال الفساد مع الإفلات من العقاب يكون الحل الوحيد هو إدانة ومعاقبة عدد من كبار الشخصيات الفاسدة، ويبقى للحكومة أن تكشف وبسرعة عن بعض المتهربين من الضرائب ومانحي الرشاوى الكبيرة ومتعاطي الرشوة على المستوى الداخلي والخارجي في الحكومة، وعليه فربما تكون أول سمكة يتم قليها تكون من الحزب الحاكم في السلطة. و ضرورة تطبيق أسس العقلانية الإدارية والتي من شأنها أن تلغي المحسوبية والرشوة وما إلى ذلك.
7- اختيار الموظفين من ذوي الكفاءات المهنية والاختصاص ووضع نظام عصري وعادل لتقييم أداء الموظفين إصلاح الحوافز: حيث تكون معدلات الأجور في القطاع العام منخفضة في العديد من الدول، إلى الحد الذي لا يستطيع معه الموظف من إعالة أسرته دون العوز، اضافة إلى أن القطاع العام يفتقر إلى مقياس النجاح، فما يتقاضاه الموظف لا علاقة له بما ينتجه.
8- تعزيز أجهزة مكافحة التهرب الضريبي والتهريب الجمركي بالكفاءات العالية والأجهزة، وهذا يتطلب وجود إدارة ضريبية على درجة عالية من الكفاءة و التعريف بعقوبات التهرب الضريبي والتهريب الجمركي بشكل واضح، باعتبار ذلك أحد وسائل الردع.
9- التركيز على الفساد الموجود في القطاع الخاص، حيث درجت العادة بالاعتقاد بأن الفساد خلق في رحم القطاع العام وخرج إلى النور من مشاكله، إلا أن الفساد في القطاع الخاص ليس اقل حجماً وأثراً، لذلك يجب مكافحته
10- إقامة لجان نزاهة من كفاءات معروفة لمراقبة سير العمل الوظيفي في مؤسسات الحكومة، ويشمل ذلك حتى المسؤولين الكبار في الحكومة و إشراك المواطنين في تشخيص الأنظمة الفاسدة، حيث يتمثل ذلك بإقامة الحملات الناجحة ضد الفساد ومشاركة المواطنين فيها، حيث انهم خير دليل للكشف عن مواقع الفساد وحدوثه.
11- كما يجب أن تتخذ الحكومات دوراً فعالاً في الحد من الفساد، وذلك من خلال إرساء دعائم الديمقراطية وزيادة مشاركة المواطنين في المساءلة العامة والرقابة لإجراءات وأعمال الحكومة، وذلك بدوره يؤدي إلى تلافي الفساد والوقاية منه. اعتماد الشفافية في تعامل الشعب مع الحكومة والمنظمات والأحزاب، ليكونوا على علم تام بما تقوم به هذه الجماعات، وذلك لغرض إتاحة الفرصة للجماهير لمساءلة كل من يسيء لها وتعويدهم على الأسلوب الحضاري في المحاسبة ؛ مما يؤدي إلى اجتثاث الفساد.
12- تفعيل دور مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في المساهمة بالحد من الفساد وبأشكاله المختلفة.
13- تفعيل الجهاز الإعلامي لما له من اثر كبير في الكشف عن عمليات الفساد الصغيرة والكبيرة، ودوره في توجيه الجماهير نحو محاربة الفساد والتعريف بمؤثراته وما ينجم عنه من أضرار.
14- إقامة المؤتمرات وإعداد البحوث والدراسات في الأكاديميات والجامعات بشكل مكثف لتسليط الضوء وبشكل واسع على الفساد وآثاره المختلفة، لغرض تطويقه ووضع الآليات المناسبة للحد منه.
دور الرقابة في القضاء على ظاهرة الفساد
إن ارتفاع مؤشرات الفساد في مجتمع ما يدل على تدني أو غياب الرقابة وضعف سلطة القانون وغياب أو إهمال التشريعات، وقد ينشط الفساد نتيجةً لضعف المعايير والأسس والقوانين التي تنظم المجتمعات وعدم تطبيقها، وحلول المصلحة الفردية أو مصلحة مجموعة معينةٍ ما، واستغلال المنصب الوظيفي وموارد البلاد من أجل تحقيق ذلك على حساب الدور الأساسي للحكومة المعنية مما يلغي مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص وسمات الجدارة والكفاءة والنزاهة في شغل الوظائف العامة. لا بد لنا من القضاء على افة الفساد في اداراتنا وحكوماتنا ومجتمعنا لأجل السير قدماً نحو التطور ومواكبة العصر الحديث للرقي بمجتمعنا نحو الافضل في جميع مجالات الحياة السياسية, الاقتصادية, الثقافية, الاجتماعية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق