شؤون ثقافية

عن الإبـداع.. وسـلوك المـــبدع

عن الإبـداع.. وسـلوك المـــبدع
 
( 1 )
 
فـي حـوار طـويل صدر في كتاب، أجراه المؤرخ الموسيقي والصحافي الروسي ( فلكوف) مع الشاعر الراحل (يوسف برودسكي)، وسأله فيه عن تجربته الشعرية، ورأيه في الشعراء الآخرين، لاسيما بالشاعرة (آنا آخماتوفا)، فكان جوابه كالتالي:( كل ما له علاقة بآخماتوفا هو جزء من الحياة.. والحديث عن الحياة يشبه محاولة القط لاقتناص ذيلـه.. إنه صعب بشكل لا يصدق، لكني أود أن أثبت هنا بأن كل لقاء مع آخماتوفا كان بالنسبة لي معاناة رائعة.. لا سيما حين تدرك جسديا وروحيا بأنك تلتقي بأفضل الشخصيات، بإنسان، نبرة واحدة منه تهزك من الأعماق، فنبرة واحدة من صوت آخماتوفا أو إلتفاتة واحدة من رأسها كافية لتثملك، فمن خلال الحديث معها، عند شرب الشاي أو ارتشاف الفودكا تشعر بانك أصبحت “مسيحيا” بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.. وفي أسوأ الأحوال ستقرأ النصوص المطلوبة أو ستذهب الى الكنيسة. إن دور الشاعر في المجتمع يؤدي في حد ما الى الطريق نفسه..).
 
 
( 2 )
 
لا أود الحديث هنا عن الشاعرة (آنا آخماتوفا)، ولكن قبل فترة تهاتفت مع إنسان أعتز به كثيرا، فساقنا الحديث،الى قضية مهمة جدا، على الأقل على مستوى علاقة النص بالمتلقي، لا سيما في مجتمعات ثقافتها شفاهية، وسماعية، كالمجتمعات العربية.
 
وتوقفنا عند الإبداع وسلوك المبدع، عند الشاعر وسلوك الشاعر، فهناك الكثير من الشعراء والأدباء لهم مؤلفاتهم الشعرية والأدبية التي تؤكد على الجمال، وتحتج على القبح والعنف والظلم والظلام الذي يخيم على العالم، مؤلفات وروايات ونصوص علاقتها بالعالم والأشياء في منتهى الرقة والعذوبة والانسانية والمسؤولية، لكن أصحابها ومؤلفيها أنفسهم يفتقدون إلى الأدب، والنبل، والرقة والمسؤولية في ممارساتهم اليومية.
 
فهناك شاعر او روائي يكتب القصائد الجميلة، والروايات الجيدة حقا، لكنه في الواقع وفي الحياة اليومية تافه النفس، نجس الروح، فظ الطباع، دنيء المطمح، كذاب أشر، حقود، مبتذل التعبير، منافق، مغرور، أجوف، خشن التصرف، وسخ الأعماق، حتى أنك لتعجب كيف صدرت تلك الإضاءات عن مستنقعاته الآسنة تلك!!!
 
 
قـد يقول أحدهم بأن القاريء يتعامل مع النص الشعري او الأدبي، وليس مع شخصية الشاعر أو الكاتب، لأنه قد لا يعرفه أو يتعرف عليه أبدا، وبالتالي يكون سلوك الشاعر والأديب مجهولا بالنسبة له، وهذه حجة قوية، لكن ماذا لو إلتقى القاريء بشاعر أو كاتب كالذي وصفناه!!
 
ومع الأسف إن الكثير من القراء والناس العاديين فقدوا إيمانهم بالثقافة والمثقفين، بالشعر والشعراء، والأدب والأدباء، والفن والفنانين، وبالمثقفين عمومًا، خصوصا بعد التعرف الشخصي عليهم، ومتابعة مواقففهم وأخبارهم وموقف بعضهم من بعض، اغتياب وتهميش وإلغاء بعضهم لبعض. فبعض هؤلاء يكشفون عن كوارث إنسانية حقيقية، فهم بتعبير شاعري نوعًا ما هم ذئاب ضارية يحرقون أطنانا من بخور الكلمات لأصطياد فريستهم، أو مهرجين مملين يرقصون كالسعادين سواء أمام ذوي النفوذ أو أمام حواء، وفي أحسن الأحوال هم ليسوا أكثر من ( بياعي كـلام)!!!
 
 
( 3 )
 
أعترف أنها لقضية شائكة ومعقدة، فهي أكبر من سلوك فردي لشاعر ما وقصيدة أو كاتب ما ورواية، من حيث إن الشعر أو النص الإبداعي، الفني والأدبي، ليس وحده المعيار للشعرية والتأدب، فالتراث الإبداعي العربي مليء بالأمثلة التي تضرب، ولكن لا تقاس، ولنأخذ( حاتم الطائي) مثلًا، فمنذ الجاهلية ولحد الآن، تسبقه سمعته في الكرم قبل شعره المتواضع فنيًا، لكن هل تغفر القصيدة المتواضعة لصاحبها لوكان طيبًا وخلوقًا ومثالًا للكرم والجود لتؤكد شاعريته..؟ لا أعتقد ذلك، اذا لم نقل العكس هو الصحيح، فمعلقة (أمريء القيس) غفرت لصاحبها السكير، العربيد، مثلما غفرت أشعار (أبي نؤاس) لصاحبها تاريخيًا، وفي الوقت نفسه هناك قصائد وأعمال أدبية راقية فنيًا، لكن المتلقى لا تهزه هذه الأعمال لأنه يعرف أن الشاعر يمدح في هذه القصيدة طاغية، وسينال عليها سيارة او بيتًا، أو وزنها من الذهب أو الدراهم، ولنا في شعر وأدب مديح السلطات والحكام أمثلة أكثر من أن تحصى..!
 
( 4 )
 
بعض الشعراء والكتاب يعتقدون إن على الشاعر أو الأديب أن يتصف بالغرابة والشذوذ الاجتماعي، سواء في الهيئة أو الملبس والسلوك مع الآخرين، فيتصرفون بوقاحة وفجاجة وغرابة، حتى لو كانوا في دواخلهم غير مقتنعين بما يفعلون..! فهم يتمردون سلوكيًا معتقدين بأنهم سيحررون اللغة من أسرها، والعقيدة من سجنها، وسيجترحون المعجزات..!! علما أن حياة الشاعر كثيرًا ما كانت أهم من قصيدة الشاعر، بل إن تاريخ الفن والأدب العالمي حفظ لنا الكثير من الأسماء الرائعة التي كانت حياتها ترتقي، بل وتعلو أحيانا إلى قمم إبداعها..مثلا: ألا ترتقي حياة ( فان خوخ) الى مستوى لوحاته العظيمة، بل وتفوقها!؟ ألا تستوي حياة (الحلاج) في إشراقها مع شطحاته السامية،؟ ألا نجد في مواقف (ليف تولستوي) سموا وشجاعة وبطولة ترتقي على كل مواقف أبطاله،؟ ألا نجد في حياة رامبو قصيدة غامضة؟؟! ألا نجد مواقف مكسيم غوركي خلال ثورة أكتوبر وأيضا موقفه من ستالين ترتقي إلى بطولات شخصياته الروائية؟ ..
 
لستُ محافظا ولا أحتكم أخلاقيا لما يخص المبدع أو أي إنسان في علاقته وسلوكه مع ذاته و جسده، فكثيرًا ما يطهرنا جحيم الحياة، لكنني أحتكم للفعل الإنساني، وللجمال، والأصالة في السلوك وفي علاقة النص الأبداعي مع مبدعه. أحتكم لشعر الحياة وشعرية العلاقات الانسانية، وليس للقصائد النبيلة. فماذا تعني أجمل القصائد اذا ما كان الشاعر نذلا ورعديدا وضئيلا.
 
 
إن برودسكي في حديثه عن ( آخماتوفا)، كان يتحدث عن قوة المثال، عن قداسة الشعر، عن دورالشاعر في الوجود، عن معنى أن تكون شاعرًا، وعن دور الشاعر في دفع الناس الى الطريق المقدس، بعيدا عن الوعظ، لكن من أجل ايقاظ الطهرانية والسمو الروحي فيهم، ودفعهم لشجاعة الموقف ونقاء الضمير بعيدا عن التبجح والادعاء، ويدعوهم إلى التواضع المجيد، والتفرد الأصيل!
 
( 5 )
 
مرة اخرى أقول، ان الموضوع اكبر من تلك المعادلة البسيطة بين الشعر وسلوك الشاعر، بين المبدع ونصه الأبداعي، لأنه يمس ازدواجية ذواتنا وعقدها، ولربما يحتاج الى تحليلات نفسية لتركيبات مجتمعاتنا، وبالتحيد لتحليل شخصية المثقف الملتوية، اما فيما يخص الشعر والشاعر، فليس كل من كتب الشعر بشاعر..الشعر موجود في الحياة وفي العلاقات الانسانية الدافئة، وليس في الإستعارات والصور الشعرية والقوافي.
 
بـُرهــان شــاوي
 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق