الرأي

انواع الفساد واثاره في مجتمعنا(2)

مظلوم هادي

إن وظائف الفساد ومستوياته (ولا نقصد بالوظيفة هنا تقويم الفساد أخلاقياً، وإنما النتائج الموضوعية له) التي تنوس بين قدرته على إنتاج التراكم في ظرف ما أو الحيلولة دونه، ومن اللافت للنظر أن الفساد رغم الموقف الاجتماعي منه قد يكون علانياً في تلك الحكومات التي تسود فيها الشفافية، في حين أنه يظل مستوراً في الحكومات والسطات القمعية الدكتاتورية، وفي كل الأحوال يتعذر علينا قياس تكلفة الفساد بشكل دقيق. إن الفساد في حدوده الصغرى كالرشوة السائدة والرشوة الطارئة، والفساد في حدوده الكبرى وهو فساد منظم والذي يمارسه بعض كبار مسؤولي السلطات الثلاث (التشريعية التنفيذية القضائية) غير أن هذه المستويات تختلف استناداً إلى طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي ذاته كالفساد في الاقتصاد الموجه والفساد في اقتصاد السوق والفساد في الاقتصاد المشترك فضلاً عن ظاهرة الفساد الجديدة المرتبطة بعملية الانتقال من الاقتصاد المخطط إلى الاقتصاد الحر، وهذه ظاهرة لم يألفها التاريخ سابقاً إلا في مرحلة انهيار الشيوعية وإعادة إنتاج العلاقات الرأسمالية مرة أخرى.

وفي كل الأحوال ومهما تفاقم أمر الفساد واصبح ظاهرة طبيعية أو كان ظاهرة طارئة فإن هنالك حدوداً لا يستطيع المجتمع أن يتعايش معها كما لا تستطيع السلطات الادارية والحكومات الاستمرار في أداء وظائفها، ومن هنا تبرز مكافحة الفساد وإنتاج آليات الحد منه وهذا أمر تمارسه أغلب حكومات العالم. ويظل القول صحيحاً أن سبل مواجهة الفساد في الحكومات او البلاد الديمقراطية أنجع بما لا يقاس من وسائل مواجهته في الحكومات والادارات الشمولية، ولما كانت آثار الفساد تطال جميع اصعدة الحياة السياسية والاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية،

الفساد. ولعل مؤثرات الفساد التي تنخر في جسم المجتمع عديدة وسنحددها حسب تأثيرها في جوانب المجتمع المختلفة. فمساوئ الفساد لا تقتصر على جانب معين وإنما تكاد تطال جميع جوانب المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية . فعلى الجانب الاجتماعي يكاد الفساد أن يشوه البنى الاجتماطبقية والنسيج ألاجتماعي لغرض أن تصعد النخب الأقلية ويجري دفع الأكثرية إلى القاع ألاجتماعي كما أن مواصلة إنتاج الفساد فهو انعكاس لسوء توزيع الثروة توزيعاً عادلاً وبقاء تطبيق القرارات أسير البيروقراطية وبقاؤها في إدراج المكاتب. إن اقتصاد الفساد يؤدي إلى توزيع الدخول بشكل غير متكافئ ومشروع، ويحدث تحولات سريعة ومفاجئة في التركيبة ألاجتماعية الأمر الذي يكرس التفاوت الاجتماعي واحتمالات زيادة التوتر وعدم الاستقرار السياسي. فتركز الموارد بأيدي ممارسي الفساد يؤدي إلى اختلال التوازن في المجتمع وصعود هذه الفئة مع انخفاض فئة الأكثرية الفقيرة إلى مستوى التدهور. إن الفساد يزيد من الإفقار وتراجع العدالة الاجتماعية نتيجة تركز الثروات والسلطات وسوء توزيع الدخول والقروض والخدمات في المجتمع وانعدام ظاهرة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي وتدني المستوى المعيشي لطبقات كثيرة في المجتمع ، وما قد ينجم عن ذلك الإفقار من ملابسات كثيرة قد تؤدي بهذه الفئات المسحوقة إلى ارتكاب الرذائل وبالتالي تعطيل قوة فاعلة في المجتمع ممكن الاستفادة منها لو احسن التعامل معها. ولعل اخطر ما ينتج عن داء الفساد هو ذلك الخلل الذي يصيب أخلاقيات العمل والقيم الاجتماعية؛ الأمر الذي يؤدي إلى شيوع حالة ذهنية تسبغ على الفرد ما يبرر الفساد والقيام به ، حيث يغير الفساد من سلوك الفرد الذي يمارسه، ويجره للتعامل مع الآخرين بدافع المادية والمصلحة الذاتية، دون مراعاةٍ لقيم المجتمع والتي تتطلب منه النظر للمصلحة العامة، إضافة إلى الإخلال بكل قواعد العمل وقيمه.

وإضافة إلى تأثير الفساد بقيم العمل، فقد يؤدي إلى إلغاء أو أضعاف مفعول الحوافز الموضوعية العادلة، حيث انه بطبيعته الديناميكية القاتلة يثبط عزيمة المنتجين والعاملين الجادين، ويجعل اغلب الإدارات متثاقلة واقل فعالية في منح الحوافز، نتيجة تغلغل الفساد فيها والذي يلغي معه الجدية في العمل. ان إضرار الفساد بتوزيع الدخول وتهشيم النسيج الاجتماعي وخلق طبقة فقيرة جداً وطبقة غنية بالانتفاع من موارد الفقراء بالتأكيد سيكون له دوره في زعزعة أسس بناءات المجتمع وتفكيكه. اما مؤثرات الفساد في الجانب ألاقتصادي فيمكن القول أن اكثر ما يغرسه الفساد من سموم هو في الجانب ألاقتصادي لان المحصلة النهائية للفساد هي الحصول على الأرباح ألمادية وما يمكن أن يلعبه الاقتصاد وبشكلٍ أساس من دورٍ فعال في حياة المجتمع واستقراره.

فالفساد يؤثر على أداء الاقتصاد الوطني ويضعف النمو ألاقتصادي حيث يؤثر في استقرار البيئة الاستثمارية ويؤدي إلى زيادة تكلفة المشاريع ويهدد نقل التكنولوجيا ويضعف الأثر الإيجابي لحوافز الاستثمار بالنسبة للمشاريع المحلية والخاصة، وخاصةً عندما تطلب الرشاوى من أصحاب المشاريع لتسهيل قبول مشاريعهم، أو يطلب الموظفون المرتشون حصة من العائد الاستثماري.

ما هي أنواع الفساد؟

للفساد أشكال مختلفة متعددة ولعل أبرزها:

الفساد الأمني والاجتماعي

يعتبر توفر الأمن في مجتمعٍ ما من أساس النعم، والمجتمعات التي تفتقد الأمن والأمان تسود فيها أنواع كثيرة من الفساد، وعدم توفر الأمن قد يسول للأنفس المريضة سلوك طرق الفساد من غشٍ وخداعٍ ومحسوبيات، ومن فقد الأمن والأمان قد لا يشعر ببقية النعم. ان عدم الاستقرار سبب من اسباب الرئيسية للفساد ومع وجود الفساد بشكل كبير في المجتمعات تكون نتيجتها فقدان الامن والامان للمنطقة التي نعيش فيها ونتائجها تكون وخيمة على الامن في المجتمع من السلب والنهب للمال العام وفقدان للممتلكات العامة والاضطرابات في الامن. وبذلك عدم الاستقرار والطمأنينة للمواطنين وتوقف لحركة الاسواق الاعمال التجارية والصناعية والركود الاقتصادي ويؤدي الى الانهيار والتفكك الاجتماعي.

الفساد السياسي

والذي يعرف بأنه “إساءة استعمال السلطة العامة لتحقيق المكاسب الخاصة”، أي قيام البعض من السياسيين والمتنفذين باستعمال منصبهم كأداة في الفساد لتحقيق مكاسبهم الشخصية وزيادة ثرواتهم على حساب بقية أفراد المجتمع، وكمثالٍ على ذلك تحويل صفة بعض الاراضي التي تعود ملكيتها للمال العام كالحدائق او المدارس وتحويلها لصفة سكنية او تجارية بغية الاستفادة منها للشخص الواحد المستفيد او جماعة محددة. ويعود بذلك نتائج كارثية على المجتمع والمؤسسات بشكل خاص كون هذه الممتلكات تعود للمؤسسات العامة التي تستفيد منها بشكل عام المجتمع بجميع مكوناتها وطبقاتها الاجتماعية.

الفساد الإداري

والذي يعرف بأنه “سلوك بيروقراطي يهدف لتحقيق منافع شخصية بطرق غير شرعية” والبيروقراطية هي سلطة المكاتب والموظفين، وهي تتميز بالروتين المبالغ فيه والبطء والتمسك بحرفية القواعد والجمود، وبالتالي تعطيل سير المصالح العامة وكذلك قيام كبار الموظفين في السلطة بتعيين الموظفين وفق ما يتناسب مع مصالحهم الشخصية، واستغلال المنصب من اجل القيام بعمل ما وخدماتٍ لأشخاصٍ مقابل الحصول على مكسبٍ مادي، كما يشمل هذا النوع من الفساد الاستخدام السيئ للوظيفة وعدم تطبيقها بالأسلوب المطلوب وعدم احترام القوانين والأنظمة المتعارفة عليها .

الفساد الأخلاقي

إن أول ما يفسد في نفوس الفاسدين هو الوازع الأخلاقي مهما كان مسماه دينيًا أو تربويًا أو أسريًا أو ثقافيًا، ولعل من أشد الأخطار التي تروج للفساد الأخلاقي في وقتنا هذا المخدرات او الاعلام و القنوات الفضائية الرخيصة التي تستهدف عنصر الشباب الذي يعتبر السبب في نهضة الأمم، وذلك عن طريق بث البرامج و الأفلام والأغاني التي تدعو للانحلال الأخلاقي وعدم المسؤولية والانضباط وعدم الشعور بالواجب تجاه أوطانهم ضمن دوامة من المسلسلات والأغاني والبرامج، فترى الشباب يهتمون ويتابعون مطربًا أو مطربةً ما أكثر من اهتمامهم بالأمور السياسية والثقافية والاقتصادية والعمل لبناء مستقبلهم الذي يعتبر مستقبل الوطن اجمع. وذلك يعود للفساد المتواجد في مؤسسة التعليم من قبل بعض المسؤولين الذين بات جل اهتمام في جمع المال والنهب والسلب والسلطة فقط.

الفساد الاقتصادي

يتمثل فيما تقوم به الشركات الوطنية العامة أو الشركات الخاصة من استغلالٍ بشعٍ لتفشي البطالة في المجتمع واستغلالها لليد العاملة وتسويق المنتجات وإظهار نموٍ اقتصاديٍ زائفٍ يتمثل في نشاطاتٍ تجاريةٍ وصناعيةٍ وزراعيةٍ غير حقيقيةٍ، واستثماراتٍ كاذبةٍ، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الخطط والسياسات المرسومة وبرامج التنمية الموضوعة والتي قد توضع أصلا منسجمة مع مصالح فئاتٍ معينةٍ وشركاتٍ محددةٍ، وكذلك الجرائم الاقتصادية التي تقوم بها (مافيات) الشركات المتعددة الجنسيات او الخاصة ذوي اصحاب الرأسمال والتي تتحكم بجميع مفاصل التجارية في البلاد عن طريق بعض الاشخاص المتواجدين في السطلة ويعملون لمصلحتهم الشخصية بدل المصلحة العامة او المجتمع.

الفساد المالي

من المعروف إن المال العام له أهميةٌ كبرى وهو العمود الفقري لجميع المؤسسات والادارات والحكومات، وهو العنصر الأساسي الفاعل والمؤثر في الحياة، ويقصد بالفساد المالي كافة التعاملات المالية والاقتصادية التي تهدر المال العام بدون فائدةٍ أو لصالح فئةٍ معينةٍ، او مشاريع غير مفيدة المجتمع عامةً أو جرائم الاختلاس سواء كانت اموالًا نقديةً أو ممتلكاتٍ الحكومة مما يؤدي لأكل أموال المجتمع والناس بغير حق.

فساد المؤسسات

عندما تكون المؤسسات التابعة للإدارة او الحكومة ضعيفة وفيها تجاوزات للأنظمة والقوانين، يصبح معها جهاز الادارة والحكومة بحد ذاته مؤسسةً للفساد ويمكن التمييز بين نوعين من الفساد في المؤسسات من حيث الحجم:

فساد المؤسسات الصغير

وهو الفساد في الدرجات الوظيفية الدنيا وهو الفساد الممارس من قبل فرد واحد من دون التنسيق مع أخرين، لذا يكون منتشرًا بين صغار الموظفين عن طريق أخذ الرشاوى في سبيل تسيير معاملات ومصالح شخصية لذوي اصحاب النفوس والرأسمال.

فساد المؤسسات الكبير

وهو الفساد في الدرجات الوظيفية العليا والذي يمارسه كبار الموظفين والمسؤولين من أجل تحقيق مصالح ماديةٍ أو اجتماعيةٍ على مستوىً كبير، وهو أخطر من غيره لأنه يكلف السلطات او الادارة والحكومات مبالغ ماليةً ضخمة وخسائر كبير اقتصادية واجتماعية وسياسية ويعود بأثاره سلبا على المجتمع بشكل كبير.

إن الفساد بأوجهه المختلفة المحلية والعالمية هو آفة ما تلبث أن تفتك بالمجتمعات التي تنتشر فيها، وما ازدياد الأزمات والتقلبات في اقتصاديات الحكومات وازدياد الفقر والعوز، إلا وكان الفساد أحد أسبابها المباشرة، فالقضاء على الفساد الصغير غير مجدي مع بقاء الفساد الكبير، فالعملية تستوجب القضاء على كليهما، كما إن المسألة هي ليست المناداة بالقضاء على الفساد دون وضع الأسس العقلانية والممهدة فعلياً للقضاء عليه، فلا ننادي بضرورة القضاء على الفساد في الحكومات دون وضع السبل الكفيلة في بادئ الأمر للوقاية منه، فبقاء الفساد وتوسعه معناه وقوع المجتمع في الفقر والتعرض للاضطرابات التي لا تنفك عنه إلا وتحيله حطاماً. المطلوب وضع خطه استراتيجية تقود الى محاربة كافة انواعه واوجه الفساد ومحاربة كل حاضنات الفساد وبكافة اشكاله وانواعه ، ان محاربة الفساد والثورة عليه هي احد اهم الاسس للنجاح ولبناء مجتمع خالي من الفساد يقود لتنميه اجتماعيه مستدامه وبناء اقتصاد وطني يحقق العدالة الاجتماعية بين الجميع ويجب ان تأخذ الجهات المسؤولة في ملاحقة الفاسدين والمفسدين ضمن خطه وطنيه تقودنا لتطهير المجتمع من كل انواع الفساد.

يتبع ….. معالجة الفساد في مجتمعاتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق