شؤون ثقافية

امرأة في الصخب

امرأة في الصخب
 
 
سالم الشبانه
 
تحب السفر، والعلاقات السريعة، بثلاثين عاما من الألم والجوع والكذب تمضي في الحياة بثقة كاذبة وذراع مضمومة لجنبها، بعيون ذئبة جريحة تعبر الشارع كل صباح، تكره أمها التي لا تجيد عمل الساندويتش في الصباح لأنها لا تحب رائحة أبيها الذي ينام وحيدا في غرفة ضيقة. يتكلم جسدها لغة قبائل بدائية منقرضة، ستصلي لأن حاجتها للرجال العابرين أقوى من شهوتها للطعام وآلام البيريود التي تضربها بعنف، أصابعها مقطوعة موسيقة ناعمة، ونهدها الأيسر ينام كفهد في أدغال الغابة الإستوائية، وساقاها موجتان عنيفتان حول دلتا تمور بالخصب والبلل والأحراش.
بلا صديقة تحمل عنها سرها الذي يتفتت تحت معول الزمن، ماذا يحدث الآن لامرأة تنام في الباص تشرب الحليب المحفوظ، وتسمع أغنية الأماكن؟ السرير الرث في الفندق الشعبي يحمل قصص العابرين ورائحة جسدها القمحي الذي بزغب كثيف يزعجها نزعه كل شهر، فتحب الجنس أون لاين كطعام المطاعم السريع، وتضحك بصخب يشبه صوت رجل مخنث لتدراي ضعفها وهشاشتها.
امراة تحب السفر، الصور في الأماكن العامة، وقراءة الروايات الإروتيكة، لا تحب امراة أخيها لأنها تلبس الشورت بلا خجل من زغب ساقيها الناعم، تحمل دائما في حقيبة يدها المناديل المبللة والأقراص المسكنة والفقر القديم وروائح رجال بلا وجوه، تبكي في الظلام الوحدة والهجر، وعقمها الذي جعلها تكره صخب الأطفال في الشارع، لأن هاتفها الذي يضج بالأسرار حتى الصباح لا يستطيع أن يزقزق بأشعاراته النحيلة.
تقص أظافر أبيها، ثم تهجره لآرائه السياسية وأنانيته، تطبخ لأمها الطعام وهي تقرأ الكتب، وتنام مجهدة من الصيف الذي يلهب حوائط البيت وعرقها الذي يبلل إبطيها.
تناديني يا عمري، وتكتب عن الألم القديم واللعنة التي أصابت العائلة، تنام في سريري بندبة سوداء في أعماقها، وشامات تنتشر علي جسدها، ورغبة في احتضانها لأهش عنها الماضي والبكاء الصامت.
امراة في الصخب تحت الحرب التي تدوس الشوراع كغوريلا هائجة.
 
9 اغسطس 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق