شؤون ثقافية

أخماتوفا.. شاعرة الآهات المكتومة

أخماتوفا.. شاعرة الآهات المكتومة
 
* إبراهيم إستنبولي
 
في 23 حزيران/ يونيو 1889 ولدت آنّا آندرييفنا أخماتوفا.
آنّاـ تعني الهناء والغبطة. فمن أين كل ذلك الصوت التراجيدي في نطق آ ممدودة؟ هل أوحت حياتها لها بذلك الصوت الحزين: وفاة شقيقها، إعدام زوجها الأول، مقتل زوجها الثاني في معسكرات الاعتقال، اعتقال ونفي ابنها الوحيد؟، أم هو الفقر وتسميم حياتها، المرض والتشرد دون أن يكون لديها منزل؟ أم أنّ شعرها هو الذي أوحى لها بذلك الصوت الحزين؟
كانت مارينا تسفيتاييفا قد كتبت منذ عام 1916 سلسلة أشعار أخماتوفا ملقّبةً إياها بموزا النحيب:
ونحن نتدافع، وآه صماءـ
تُـقسم لك آلاف المرات:
آنّا أخماتوفا: هذا الاسم تنهيدة هائلة.
كانت قد استبدلت كنية أبيها ـ كنية ضابط الأسطول غورينكو- بإسم مستعار، فكما لو أنها قد بدلّت مصيرها من دون قصد: “وَامرأة ما قد شغلت مكاني الوحيد، وتحمل اسمي الشرعي، بعد أن تركت لي اللقب الذي صنعت منه كلَّ ما استطعت..”. وفي أواخر عمرها كتبت رباعية
تحت عنوان “الاسم (آآآ)” بعد أن أسبقته بعبارة مقتبسة من ملحمة برودسكي التوراتية “إسحاق وإبراهيم”؛ “إنه في الجوهر صرخة عظيـمة. طفولـية، مأساوية وقاتلة”.
تتاريٌّ، عذريٌّ،
جاء من العدم.
يلتصق بأية مصيبة.
وهو بحدِّ ذاته ـ مصيبة.
وبعد أن أخذت كنية أم جدتها، النبيلة من سيمبيرسك (مدينة أوليانوفسك منذ 1924) براسكوفيا أخماتوفا، فقد أخذتها مع كل الخرافات والحكايات عن الأميرة التترية، وعن أحمد خان، حاكم منطقة أوردينسك في القرن الثالث عشر، والذي قُتِلَ في يوم قديسة سمولينسك. لقد لقي كل شيء صداه في مصير الشاعرة. “وسيدة سمولينسك هي الشفيعة اليوم…” ـ تبدأ أشعارها المكرسة لذكرى وفاة الشاعر ألكسندر بلوك في آب 1921. وتتناجى آ المتكاثرة في اسمها مع نفس الحرف في اسم الشهر الذي تسميه ضيف الحداد ومسيرة الحداد “التي تطول 30 يوماً”:
كم من الأعياد والوفيات
في كلِّ آب، يا إلهَ الحق.
*****
في العاشرة من العمر تصاب بمرض عضال ظلَّ ينهكها طيلة حياتها.
في السادسة عشرة ينفصل والداها فتتمزق بينهما.
في الحادية والعشرين تفقد واحدةً من أعز صديقاتها بمرض السل.
في التاسعة والعشرين يطلّقها زوجها الأول الشاعر نيكولاي غوميلوف.
في التاسعة والعشرين تدرك أنها لن تكفَّ يوماً عن حبّها لزوجها الأول غوميلوف.
 
في الحادية والعشرين يضربها زوجها الثاني من شدّة غيرته منها وعليها.
في الثانية والثلاثين يعدمون زوجها الأول الشاعر غوميلوف رمياً بالرصاص.
في الحادية والأربعين ينتحر صديقها العزيز الشاعر فلاديمير مايكوفسكي.
في التاسعة والأربعين يعتقلون ابنها الوحيد حيث يتعرض للتعذيب طوال عشرين سنة.
في الثانية والخمسين تنتحر صديقتها الشاعرة مارينا تسفيتاييفا.
في السادسة والخمسين تتعرض للاضطهاد والتضييق بسبب علاقة عاطفية لها مع السكرتير الأول في سفارة بريطانيا في موسكو.
في الحادية والستين تكتبُ مُرغمةً خمس عشرة قصيدة وتهديها إلى ستالين لكي لا يقوموا بإعدام ابنها.
في الحادية والستين تكره نفسها لأنها اضطرت لأن تكتب خمس عشرة قصيدة وتهديها إلى ستالين كيلا يُعدَم وحيدُها.
في التاسعة والستين تعاني من وحشة قاتلة وتتعرض لانهيار عصبي حاد.
في السابعة والسبعين يتوقف قلبها المتقد والحار عن الخفقان في أراضي موسكو الباردة.
*****
من شعرها:
(1)
أشربُ نخبَ البيت الخرِب،
ونخبَ حياتي الشريرة،
أشرب نخب الوحدة معاً
نحن الاثنين،
ونخبَك أيضاً أنا أشربُ!
لأجل الشفاه التي خانتني كاذبةً،
وتلك البرودة القاتلة في العينين،
نخبَ هذا العالَمِ القاسي والفظ،
ولأنَّ الربَّ لم ينجِّنا!
(2)
…. وهكذا،
أشاع أحد المتسكعين
أنه ثمّة حبٌّ في الأرض!..
وإذ صدّق الجميعُ ذلك،
بفعل الكسل أو بسبب الملل،
فقد راحوا يعيشون:
بانتظار لقاءات عاشقة،
أو يخافون الفراق…
وهم ينشدون أغاني غرامية!
بيدَ أنَّ البعض يكتشف السرَّ،
فتحلُّ عليه السكينة…
(3)
سألتُ البومة
كم سنة سوف أعيش…
فاهتزت رؤوس الصنوبرات،
وسقط شعاع أصفر على العشب.
لكن الأيك النديَّ ظلّ صامتاً،
ها أنذا أمشي إلى البيت،
وقد راحت نسمة باردة
تداعب جبيني الحار.
(4)
“إلى الموت”
سوف تجيء على كل حال.
فَلِمَ ليس الآن؟
فأنا بانتظارك – وهذا ثقيل جداً عليَّ.
لقد أطفأتُ الضوء وشرّعت الباب
لك، يا أيها الساحر والأليف.
ولتتخذ لأجل ذلك ما شئت من هيئة،
فلتدخل كما القذيفة المسمومة
أو تسلّل مع وزنٍ كما لو لص محنّك،
أو سمِّمني بداء التيفوئيد،
أو بحكاية تخترعها أنت
لكنها معروفة للجميع حتى الغثيان –
بحيث أشاهد قمة القبعة الزرقاء
والمسؤول عن البيت وقد شحب من الخوف.
الأمر سيان بالنسبة لي الآن.
فنهر “ينيسيه”(*) يهدر
ونجمة الشمال تتلألأ.
والبريق الأزرق للعيون العاشقة
يطمس آخر بقايا الذعر.
 
(*) نهر في شمال روسيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق