الرأي

إنهم يتوضؤون بالدماء

رياض درار

طموح أردوغان العثماني كان يمكن التوصل إليه باستمرار التقدم الاصلاحي في الاقتصاد التركي، وكان يمكن التفاهم حوله عبر مزيد من الإخاء مع الشعوب ومنها الشعب السوري الذي تبجح مرارا “أنهم المهاجرون ونحن الأنصار”. الشعار الكاذب الذي فضحته عمليات النقل الاجباري للشباب السوري إلى مناطق التصعيد في ادلب، ليجبروا على المشاركة في الفصائل التي تأتمر بإمرة تركيا هناك. وكان يمكن أن يعطي دليلا على صدقه لو انفتح على الشعب الكردي في تركيا، وسمح لممثليهم بالتعبير عن حقيقة كينونتهم ووجودهم، وهم يتفدمون بشكل حضاري من خلال المشاركة السياسية، ومن خلال الاستعداد الفعلي بالعملية السياسية وعبر المؤسسات الوطنية. كان يمكن لأردوغان التعبير عن انفتاحه بمزيد من الاسهام في فتح باب الحريات بدل زج قادة الشعوب الديمقراطية في المعتقلات، لكن ذلك لايفلح لمن كانت بطانته الخوف، وعمق تفكيره الاستيلاء، ومنبع منهجه الخوض في الدماء لتحقيق السيطرة.
لم تكن الانطلاقة الثورية في الجزيرة السورية موجهة لحظة واحدة لتهديد الأمن التركي، كما يدعي أردوغان وحكومته، ولم يسع أحد لاطلاق رصاصة باتجاه تركيا رغم التهديدات المستمرة للتجربة النضالية التي استطاعت مواجهة داعش. داعش التي تلقت دعما مستمرا غير مقطوع من الدولة التركية، التي سهلت حركتهم ومرورهم، وتعايشت معهم ثلاث سنين، تتبادل معهم المهربات من الآثار السورية إلى النفط إلى السلاح. وسكتت عن جرائمهم وهم يقتلون أبناء الشعب السوري بتهم زائفة منحرفة معبرة عن مفاهيم دينية سلطانية متخلفة. وفي معارك كوباني قدمت تركيا الدعم لداعش وسهلت لهم العبور، عبر المعبر الوحيد مع الفجر، ليقوموا بقتل المئات من الأبرياء. ولكن أسطورة داعش انتهت، لتستيقظ الأطماع التركية ساعية عبر تقديم المزيد من التنازلات لشركائهم في آستانا، بغية الحظوة بمكاسب تقدمها روسيا، وتقايضها على الباب وجرابلس مقابل حلب، وعلى عفرين مقابل الغوطة، وتستجلب المتطرفين لتجميعهم في ادلب، ومن ثم تساوم عليهم لتسليمهم مقابل ماتسميه منطقة آمنة على الحدود. حيث تهدد المشروع السوري الوحيد الذي يحظى بالاستقرار والهدوء والأمان، والذي يقيم تجربة يمكن أن تشكل مخرجا سوريا من الأزمة وتحل على أساسها المشكلة السورية .
اللعبة ليست مع تركيا؛ لأنها أصبحت أداة وتسعى للابتزاز في كل الجهات بعد أن تخبطت سياساتها، وبدأت تتآكل من داخلها، فتركيا الآن جزء من تحالف الشرق الثلاثي “تركيا وإيران وروسيا”. الذي تشكل بغية الضغط على السياسة الأمريكية، لإخراجها من المنطقة، ولتصبح خالية للاعبين الثلاثة، وأمريكا حتى الآن لاتستجيب وهي بسبب حسابات داخلية تتلكأ عن اتخاذ مواقف حاسمة، ولاتسعى للتصعيد خاصة مع ايران، التي أعطت للآخرين تصورا أن أمريكا ليست بوارد مواجهات عسكرية. وهو ليس ضعفا لأن القوة الأمريكية لايستهان بها، ولكن لحسابات داخلية ولغياب التوافق الدولي. وهذا يجعل تركيا تقوم بالتصعيد والتهديد الدائم لشرق الفرات اختبارا وابتزازا، ويقومون بالضغط على قوات سوريا الديمقراطية الحلفاء بمواجهة الارهاب، ويستمرون بالتهديد الذي يعد بأنهار من الدماء، التي هي من طبائع الوحوش التي اعتادت أن تتعمد بالدماء، وأن تتوضأ بها باعتبار أن الجهاد دين وأن الدماء طريق تحقيقه.
في الشعر الفارسي يقول شاعر : “إنهم يتوضؤون بالدماء فلنقم نحن صلاة الجماعة”
إنه كلام معبر فهؤلاء المدعون الإيمان يرتكبون الآثام باسم الدين، وأيديهم ملطخة بدماء أضحياتهم، وماعلى الضحايا إلا أن تتجمع وتوحد كلمتها، لأنهم بوحدتهم سيحققون الصمود ويكشفون كذب ادعاء أعدائهم وزيف إيمان الظالمين.
فيا سيد أردوغان؛ هذا شعب لايموت إلا واقفا ولايقبل الذل ولا يركع. ومهما توضأت بالدم، فإنهم سيقيمون صلاة الجماعة بوجهك وسينتصرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق