الرأي

لبناء مجتمع متكامل

مظلوم هادي

إن بناء المجتمع على أسُس وقيم الصحيحة، والعمل الصالح يعطيه ديناميكية في الاتجاه الصحيح، وعكس ذلك صحيح أيضاً. ولكي نوضح الفكرة، دعنا نضرب مثالاً على ذلك: إذا حفرت نهراً يمتد من ينابيع المياه ويجري عبر الاراضي الصالحة للزراعة وقمت بأجراء اقنية صحيحة لمجرى المياه، فسوف يروي هذا النهر آلاف الهكتارات من الاراضي المزروعة ويصبح سلّة غذائية لكثير من الذين يعيشون على هذه الارض واكثر. أما إذا حفرت ذات النهر عبر أراضٍ سبخة فانه غير منظمة لن ينفع شيئاً وستذهب المياه العذبة هدراً. إن هذه واحدة من السنن الطبيعية التي تنطبق أيضا على المجتمع البشري، فالمجتمع مثل النهر يمتلك طاقة هائلة، فإذا وجّهت في الاتجاه السليم وحفرت لها قنوات ملائمة، تحركت هذه الطاقة عبر القنوات وأعطت ثمارا طيّبة، ولكن إذا كانت هذه القنوات غير سليمة ومتناقضة الاتجاهات فان المجتمع سرعان ما يتحطم ويموت. ويتوقف تقدم وحيوية المجتمع البشري على قوانين وأنظمة ذاتية كثيرة نسمّيها بـ «ديناميكية المجتمع»، مثال اخر على ذلك فقد شبه السيد عبد الله أوجلان, التاريخ بجريان النهر الذي يجري بمجرى واحد, وان وجد افرع لها فهي تكون قد انحرفت عن حقيقتها, كثيرً ما نرى الانظمة الاستبدادية والرأسمالية الرجعية غيرة من تاريخ الشعوب و إبادة مجتمعات بكاملها في سبيل مصالحها ومنافعها.
هناك الكثير من النظريات فيما يخص العلاقة بين الفرد والمجتمع؛ فمنها تقــــول إن الفرد هو كل شيء في المجتمع، وهو العامل الحاسم في تحريك التاريخ، ولذلك ينبغي الاهتمام بالمجتمع من حيث هو أفراد، وسن المناهج والانظمة التي تربّي أفراداً متفوقين ونابغين، يبنون الحضارة البشرية، ويهبون التقدم للإنسانية. وتنطلق هذه النظرية من واقع وجود بعض العظماء الذين استطاعوا أن يغيروا مسيرة التاريخ، ويرسموا خريطة جديدة لحياة مجتمعاتهم. وينهضوا بشعوب فتك بهم الجهل والظلم والجوع من قبل الانظمة الاستبدادية الحاكمة, وخير مثال على ذلك هو من الماضي البعيد والحاضر القريب السيد عبد الله اوجلان الذي نهض بشعبه بعد ان نسي لغته وكل ما يتعلق بأصالة وقيم هذا المجتمع, من خلال مسيرته النضالية الطويلة والمستمرة حتى الان. فدائما نقول ان الفرد هو جزء من المجتمع والمجتمع يتكون من افراد سواً كان ذكر او انثى فالاهم في ذلك هو عمل ذلك الفرد في بناء المجتمع نحو التقدم العلمي والاقتصادي المتكامل والمتوازن الذي يحقق لجميع افراده التكافؤ في جميع نواحي الحياة ومتطلباته.
والنظرية الثانية؛ فهي تذهب الى الاتجاه المعاكس، حيث تسلب من الفرد قيمته في المجتمع، ولا تقم له وزناً وقيمة إطلاقاً، فهو أشبه ما يكون – حسب هذه النظرية – بقطعة صغيرة في ماكنة المجتمع. وهذه النظرية تتمسك بالحتميات الاجتماعية، وترى بأن حركة المجتمعات وتطوراتها نابعة من أنظمة عامة يخضع جميع الافراد لسلطانها المطلق، فلا يملكون أن يواجهوها أو يغيّروا منها شيئاً إذا ما رأوا أنها تقودهم في الاتجاه الخاطئ. ولذلك فهذه النظرية تؤمن بفكرة الدورات الاجتماعية المنتظمة، أي ان كل مجتمع لابد أن يمرّ بنفس المراحل التي يمرّ بها الإنسان في حياته. حيث يولد طفلا رضيعا ثم يصبح شاباً مراهقاً، فرجلاً، فكهلاً، فشيخاً، فهرماً، ثم يموت. والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة ومتنوعة يعدّدها أرنولد توينبي في كتابه «مختصر دراسة للتاريخ».
أمّا النظرية الثالثة فهي تقف في الوسط بين النظريتين، فتعطي للفرد أهميته اللائقة، كما تعطي للمجتمع دوره المؤثر، وتنظم العلاقات بينهما بشكل دقيق ومتوازن.. فالمجتمع يؤثر في الفرد، والفرد بدوره يؤثر في المجتمع؛ إنها لا تسلب الفرد إرادته، ولا تحرم المجتمع من تلك القوانين والانظمة الديناميكية التي تعطيه الوقود المنــــــاسب في مسيرته الحــــــضارية التكاملية. وعلى هذا فهي لا تنفي تينك النظريتين، وانما تربط بينهما بشكل تزول معه الهوة الفاصلة بين الفرد والمجتمع، وتجعل الاثنين يتفاعلان مع بعضهما لما فيه خير للمجتمع والرقي به كذلك فهي ترى أن الدورة الاجتماعية المنتظمة ليست حتمية أبدا. ففي التاريخ الحديث مثلا نجد ان المجتمع الألماني كان مجتمعاً حيوياً يتفجر ثورة واندفاعا، وكان باستطاعته أن يبقى زمناً طويلاً متحكماً بالقارة الأوروبية، ولكن هذا المجتمع الفتي ابتُلي بطاغوت أهوج مثل «هيتلر»، وبحزب متطرف مثل «الحزب النازي»، فانقاد إلى الهاوية والسقوط، وبسبب خوضه الحرب العالمية الثانية في ظل ذلك الحاكم وذلك الحزب، تم تقسيمه إلى شطرين: أحدهما تحت مظلة المعسكر الشرقي والآخر تحت مظلة المعسكر الغربي، واستمر هذا الوضع عدة عقود من الزمن حتى انهيار المعسكر الشرقي وتفكك ما كان يسمى بـ «الاتحاد السوفيتي».
وهكذا؛ فربما يشيخ المجتمع ويهرم ويشرف على الموت، ولكن لا يلبث أن ينبعث من داخله مُصلح يفجّر إمكاناته الذاتية المختزنة فيتحدى المجتمعُ بإرادة ابنائه تيارَ الانحدار، ويتقدم مرة أخرى حتى يثبت نفسه، كما حدث بالنسبة للمجتمع الكردي الذي كان مشرفاً على التفسخ والاندثار، ولكن بمجيء الفيلسوف عبد الله اوجلان اشرق نوراً وامل جديد للمجتمع الكردي في بناء واعادة نفسه بين المجتمعات كما نشهده الان في شمال شرق سوريا و روج آفا حيث اعاد بناء نفسه على جميع الاصعدة السياسية, والثقافية, والاقتصادية, والعلمية, على اسس اخلاقية علمية مستمدة من فلسفة السيد عبد الله اوجلان.
وللحفاظ على مجتمعنا متكاملاً وعدم تعرضه لحالة يرثى لها كالكثير من المجتمعات فعلى الافراد جميعاً بالتعاون بين بعضهم البعض. وتكون الطبقات التي تشكل جسم المجتمع، غير منغلقة على ذاتها، بل تنفتح على بعضها بالتعاون المثمر البنّاء، فيكمل بعضها بعضا، فلا غنى لواحدة عن الأخرى، كما ان علاقتها مبنية على أسس المحبة والاحترام المتبادل. أن أهم ركيزة يقوم عليها المجتمع الحيوي السليم، حيث ينبغي أن تكون العدالة شاملة للجميع، حاكماً ومحكوماً، غنياً وفقيراً، قوياً وضعيفاً، حتى تؤتي ثمارها. إن فقدان العدالة له تأثير هدّام مزدوج، فمن ناحية يؤدي إلى التجرؤ على سرقة حقوق الآخرين، والاعتداء عليهم، ويؤدي من ناحية أخرى إلى تثبيط همم العاملين المنتجين من مزارعين وصناعيين وتجّار وكتّاب ومفكّرين، بسبب قلقهم من احتمال اغتصاب وسرقة الآخرين لجهودهم فالمجتمعات تتألف من طبقات تقوم على أمرين: الأول: الأسس السليمة، وهي: العلم والخبرة والكفاءة والقدرة البدنية، وغيرها. والثانية: عدم وجود حالة الاستعلاء و التفاخر بينها، فأفراد المجتمع متساوون في الإنسانية، وسواسية أمام القانون والقضاء، ويختلف هذا القانون عن الطبقية البغيضة التي تقوم على أساس العنصر والدم، أو الثروة والمال، أو المنصب والمركز الاجتماعي، أو على أسس قبلية وطائفية وعائلية وما شابه ذلك. ولكي يحافظ المجتمع على نفسه من الاعتداء الخارجي، أو الاضطراب والتفسخ الداخلي، لابد له من عدّة ركائز هامة تشكل أساس البناء الاجتماعي:
1- القوة العسكرية، متمثلة في الجيش، والمعدات والذخيرة، و التدريب، و التنظيم، وغيرها. لأجل الحفاظ على المجتمع من أي هجمات عليه بهدف ابادته او التفتك به.
2- القوة الاقتصادية، متمثلة بالقطاعات الانتاجية والصناعية في؛ حقول الزراعة والري والرعي والنفط وغيرها. وعلينا الانتباه كيفية الحفاظ على هذه المكتسبات والثروات من ايادي تخريبية او اناس فاسدين. وتوزيع هذه الثروات بشكل متكامل متساوً لتلبية متطلبات والخدمات التي تلبي حاجة المجتمع .
3- القوة القضائية، ومتمثلة بالقضاة، والعدالة الاجتماعية بين عامة الشعب فالعدل والقضاء النزيه من يبني المجتمع ويوصله الى حالة من الرقي والمجتمع المتكامل خالٍ من الحقد والكراهية. فإن لم يجد ذلك فلا وجود للمجتمع المتكامل والمترابط.
4- القوة الادارية والتنفيذية، وهي جهاز الحكومة بما فيه من وزراء وموظفين، وإداريين. نزهاء هدفهم خدمة مجتمعاتهم بدون النظر من خلال منصبه او عمله لمصلحته الشخصية ومنافعه.
وكما هو واضح من السياق، المقصود هنا ليست العمل الفردي، بل هي تلك التي تأخذ الطابع الجماعي، أي تصبح خصيصة من خصائص المجتمع، يمتاز ويُعرف بها. وهي أن المجتمع الكردي ليسوا هم أولئك الذين نسوا مجتمعهم وتركوا إدارة شؤونها وراء ظهورهم، وليسوا هم أولئك الضعفاء الفقراء، الزاهدين، المعتزلين لأمور الحكم والسياسة والجيش، والاقتصاد وليس هم الذين لا ينهضون بالعلوم والتكنولوجيا الحديثة، إن هذه أفكار السلبية دسّها الأنظمة الحاكمة على هذا المجتمع وارضه الحاقدين في صفوفنا وحاولوا بها إضعاف المجتمع الكردي من جهة، وتشويه هذا المجتمع بانه لا يستطيع ان يدير نفسه بنفسه, لا وبل حاولوا بشتى الوسائل لينسى بانه مجتمع بحد ذاته بل انه جزء من مجتمعاتهم, اتراك, عرب, فرس.
إن المجتمع الكردي هو مجتمع متكامل من القوة والاستقلال والثراء والتقدم في كافة المجالات العلمية والصناعية. عبر التاريخ فارضه ومجتمعه التاريخي شاهد على ذلك وهو مجتمع يبني حضارة متكاملة بكل أبعادها، غاية ما في الأمر أن كل ذلك ينبغي أن يتم في إطار مبادئ محددة في تعامله مع شؤون الحياة ومع المجتمعات الأخرى، تقوم على أساس علمية ثقافية ليواكب المجتمعات المتحضرة الحديثة وهو قادر على ذلك فتجربة الادارة الذاتية في روج افا وشمال شرق سوريا خير شاهداً على ذلك رغم وجود بعض الثغرات فيها والظروف التي تمر بها والاعين الحاقدة المتربصة بها من جميع الجهات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق