الرأي

الإسلام البدوي

صالح بوزان

في الستينيات القرن الماضي استأجر والدي أراض من البدو في منطقة “كانيا بوزاني”، هكذا كان الكرد يسمون “عين العيسى” حينها. استأجر قرية كاملة في جنوب غربي كانيا بوزاني تبعد عنها 15 كيلومتراً. كان اسم صاحب القرية “برجس”. كنت أذهب مع والدي إلى تلك القرية أثناء الفلاحة وأثناء الحصاد. تعرفت على برجس. كان رجلاً طيباً يحتفل بنا عندما نزوره، ويجاملني ويبث مودته تجاهي. مرة قلت لوالدي أن برجس إنسان طيب، بريء وودود. علق والدي على كلامي أن البدوي عندما يكون ضعيفاً هو هكذا. ولكن بمجرد أن يصبح قوياً فإنه يتحول إلى إنسان شرس يدوس على القيم والأخلاق والعدل، ولا يفكر عندئذ سوى بقتل الآخرين ونهب أمواله. لا أعتقد اليوم أن هذا التعميم كان صحيحاً. ولكن يبدو أن فيه جانب من الحقيقة استمدها والدي من علاقاته القديمة مع البدو.
أعيد في هذه الأيام قراءة القرآن ككتاب معرفي، ولا أدري لماذا تذكرت فجأة مقولة والدي السابقة عن البدو والتي تعود إلى نصف قرن مضى.
عندما أذاع النبي محمد الآيات القرآنية التي نزلت عليه في مكة، نجده في الحقيقة يسبق عصره في الانسانية والديمقراطية التي ظهرت بعده بما لا يقل عن 13 قرناُ في الغرب. فالآيات تلقنه أن يكون لبقاً مع من يخالفه ويسامح من ينتقده وحتى من اتهمه بالجنون والشعوذة. إنه يعتمد على حوار الأفكار، ويتعالى عن عدا ذلك. سعى بكل إخلاص لإنقاذ قومه من الكفر والشرك بالكلمة الحلوة، بالمنطق والنقاش الفكري الهادئ معتمداً على منطق يعتبر رصيناً في ذلك العصر. وعندما كان يعجز عن إقناعهم، يقول لهم: ليكون بيننا سلام، “فلكم دينكم ولي دين”. إنه فعلاً نبي تكتمل فيه صفات المنقذ.
بعد الانتقال إلى يثرب هرباً من اضطهاد قريش، وجد من يلتف حوله من الأنصار. مع الأيام شعر بقوته وتوسع نفوذه وسلطته. فتخلى عن تلك الآيات المكية، وبدأ يقرأ لأنصاره آيات تدق طبول الحرب واستخدام القوة لفرض أفكاره وترسيخ نفوذه. أمر بقطع الطرق على القوافل التجارية ونهبها بشرعنة من الله نفسه. وهكذا دخل مع الذين كان يقول لهم “لكم دينكم ولي دين” في حروب ضروس. وعندما عاد إلى مكة منتصراً ليقيم دولته، بدأ بغزواته فيما حوله. وأصبح شعاره بدل “لكم دينكم ولي دين” شعاراً مناقضاً كلياً هتف به المسلمون الغزاة “أسلم تسلم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق