شؤون ثقافية

إبيتَـافيُـوس..(خطبة جنائزية أو نقش على الضريح) ليانيس ريتسوس

إبيتَـافيُـوس..(خطبة جنائزية أو نقش على الضريح) ليانيس ريتسوس
 
ترجمة الشاعر القدير : رفعت سلّام
 
(هذه القصيدة هي المؤسسة لشعرية يانيس ريتسوس، ومكانته في الشعر اليوناني والعالمي. ولم يسبق ترجمتها أو نشرها بالعربية) رفعت سلّام
 
هذه ملحمة شعرية راقية. عمق تراجيدي يذكر بالتاريخ المأساوي للإغريق. تعيد لنا وجه ريتسوس الحقيقي الذي غيبته القصائد القصار ذات التفاصيل اليومية التي قدمها بالعربية شعراء آخرون. هنا نجد النفس الملحمي لسليل هوميروس وإسخيلوس.. بترجمة مذهلة تعيد إلى الأذهان أناشيد الكورس في التراجيديا اليونانية، بل هي درس في ترجمة الشعر.شكرًا لك أيها الشاعرالقدير الصديق رفعت سلّام.
 
إبيتَـافيُـوس
 
(1936)
 
في مايو 1936، شل إضراب عمال الدخَّان مدينة “ثيسالونيكي”. تدفقت المظاهرة، والأوامر مشددة لدى بوليس “ميتاكساس”: إطلاق الرصاص بلا إنذار. ومع ضربة الذهول، يسقط من الحشد ثلاثون قتيلاً وأكثر من ثلاثمائة من الجرحى. كانوا بداية قائمة طويلة من الشهداء. وفي اليوم التالي، نشرت صحيفة الحزب الشيوعي اليومية “ريزوسباستيس”، في صفحتها الأولى، صورة أم تركع وسط شارع أمام جثمان ابنها القتيل.
 
اشترى ريتسوس الصحيفة، وعاد بها إلى مسكنه في غرفة السطوح المفروشة بسرير حديدي وكرسي وحقيبة. اعتكف طوال يومين وليلتين. وفي صباح اليوم الثالث، كان بين يديه قطعة حية من دمه: “إبيتافيوس” التي تتكون من عشرين نشيدًا جنائزيًّا للأم، والتي خلَّصت ريتسوس- بضربة واحدة- من الشكلية والتعليمية اللتين سادتا عمليه السابقين (“جرَّارَات” (1934)، و”أهرامَات” (1936)). خيطٌ من السخرية، ولا خطابية. غنائية عارية، من لحم ودم، من خلال لغة مألوفة وثرية في الوقت نفسه. غنائيةٌ مشدودةٌ إلى الذاكرة الجمعية بوشائجها الشعورية بالغناء العامي، والأسطورة الوثنية، والطقس الأرثوذُكسي، في آن.
نُشرت “إبيتافيوس” في شكل متتالية شعرية بجريدة “ريزُوسبَاستِيس”، ثم في كُتيب من عشرة آلاف نسخة (رقم استثنائي لمثل هذا العمل)[*].
وكلمة إبيتافيوس Epitaphios، Ἐπιτάφιος, epitáphios, or Ἐπιτάφιον، تعني “خطبة جنائزية”، أو “نقش على ضريح”.
 
ــــــــــــــــــــــــ
 
[ I ]
يَا وَلَدِي ، يَا لَحمِي وَدَمِي ، يَا قَلبَ قَلبِي ،
يَا عُصفُورَ فِنَائِي الفَقِير ، يَا وَردَةَ صَحرَائِي ،
 
كَيفَ أُغمِضَت عَينَاكَ فَلَا تَرَانِي أَبكِي ،
لَا تَتَحَرَّكُ أَو تَسمَع كَلِمَاتِي المرِيرَة ؟
 
أَنتَ ، يَا وَلَدِي ، مَن يُدَاوِي كُلَّ آلَامِي
وَيُخَمِّن كُلَّ فِكرَةٍ تَخطُر بِبَالِي ،
 
أَفَلَن تُوَاسِينِي وَتَنطِقَ بِكَلِمَة ،
وَلَن تَتَخَيَّل الجِرَاحَ التِي تَنهَشُ لَحمِي ؟
 
أَنتَ ، يَا عُصفُورِي ، مَن تَأتِي لِي بِالمَاءِ فِي رَاحَةِ كَفِّك ،
فَكَيفَ لَا تَرَانِي أَلطُمُ صَدرِي وَأَرتَعِدُ مِثلَ قَصَبَة ؟
 
هُنَا وَسطَ الشَّارِع سَأترُكُ شَعرِي الأَبيَضَ يَهوِي
وَيُغَطِّي زَنبَقَةَ قَوَامِك الذَّاوِيَة .
 
أُقَبِّلُ شَفَتَك الثَّلجِيَّةَ ، وَهيَ صَامِتَة ،
مَضمُومَةً بِإِحكَام ، كَأَنَّهَا غَاضِبَةٌ مِنِّي .
 
لَا تَتَكَلَّمُ مَعِي ، وَأَنَا ، التَّعِيسَةُ ، أَفتَحُ صَدرَ ثَوبِي – انظُر !-
وَفِي ثَديَيَّ اللَّذَين أَرضَعَاكَ ، يَا وَلَدِي ، أَغرِسُ أَظَافِرِي .
 
[ II ]
يَا تَاجِي ، يَا سَنَدِي ، يَا بَهجَةَ شَيخُوخَتِي ،
يَا شَمسًا فِي أَغوَارِ الشِّتَاء ، يَا سَروِي الممشُوق ،
 
كَيفَ تَرَكتَنِي لأَزحَفَ وَأعَانِي وَحِيدَة ،
بِلَا رَشفَةٍ أَو قَطرَةِ مَاء ، بِلَا ضَوءٍ أَو وَردَةٍ أَو حَبَّةِ قَمح ؟
 
بِعَينَيكَ الحَبِيبَتَين سَأَرَى كُلَّ زُهُورِ الحَيَاة ،
بِشَفَتَيكَ الحَبِيبَتَين سَأُغَنِّي أُغنِيَةَ الصَّبَاح .
 
بِذِرَاعَيكَ الحَبِيبَتَين ، اللَّتَين دَاعَبتُهُمَا آلَافَ المرَّات ،
سَأُعَانِقُ الأَرضَ كُلَّهَا ، وَكُلَّ شَيءٍ كَانَ لِي .
كُنتُ أَستَمِدُّ الشَّبَابَ مِن شَبَابِك ، وَكُنتُ لَا أَزَالُ أَضحَكُ بِدَاخِلِي .
فَلَم تُخِفنِي الشَّيخُوخَة . وَكُنتُ أَتَجَاهَلُ الموت .
 
وَالآن أَيُّ مَكَانٍ سَيَضُمُّنِي ، أَينَ سَأقِف ، أَيُّ مَكَانٍ سَيُؤوِينِي ؟
فَقَد بَقِيتُ شَجَرَةً ذَاوِيَةً فِي حَقلٍ مُغُطًّى بِالثُّلُوج .
 
يَا وَلَدِي ، إِن لَم تَستَطِع العَودَةَ فَاعطِنِي الجَرعَةَ نَفسَهَا،
خُذنِي مَعَك ، يَا رَفِيقِي الحَبِيب .
 
وَرغمَ أَنَّ سَاقَيَّ وَاهِنَتَان ، فَأَنَا قَادِرَةٌ عَلَى المَشي ،
وَإِن تَتعَب ، فَسَأَضُمُّك بِرِقَّةٍ إِلَى صَدرِي .
 
[ III ]
فِي شَعرِكَ المجَعَّدِ ، تَنسَل أَصَابِعِي
طوَالَ اللَّيل حِين تَنَام ، وَأَبقَى أُرَاقِبُكَ إلَى جَانِبِك ،
 
وحَاجِبَاكَ ، الرَّهِيفَان كَأَنَّهُمَا مِن حَرِيرٍ وَمَرسُومَان بِرِيشَةٍ رَهِيفَة ،
قَوسٌ تَأوِي إلَيهِ نَظرَتِي وَتَرتَاح ،
 
وَعَينَاكَ المشرِقَتَان ، اللتَان تَعكِسَان مَدَى
السَّمَاءِ الصَّبَاحِيَّة ، جَاهَدتُ لِأَمنَعَ دَمعَةً وَاحِدَةً مِن تَشوِيشِهِمَا ،
شَفَتَاكَ العَطِرَتَان فِي عُذُوبَةٍ ، حِينَ تَتَكَلَّم ،
تَجعلَان الصُّخُور وَالأشجَارَ المتَهَالِكَةَ تَزدَهِر وَالعَندَلِيبَ يُرَفرِف .
 
صَدرُكَ العَرِيضُ ، يُشبِه الجَنَاحَين المفرُودَين لِلقِمرِي ،
حَيثُ تَنحَسِرُ عَلَيهِ مَرَارَتِي وَعَنَائِي ،
 
وَفَخذَاكَ القَوِيَّتَان ، كَطَائِرَي حَجَلٍ نَاعِسَين فِي سِروَالِك ،
تُعجَبُ بِهِمَا الفَتَيَاتُ مِن الشُّرفَاتِ فِي الغَسَق ،
 
وَخَشيَةَ أَن يَرمِينَ بِنَظرَةٍ شِرِّيرَةٍ عَلَى رَجُلٍ كَهَذَا ، يَا فَتَايَ الوَسِيم ،
سَأُعَلِّقُ تَعوِيذَةً بِالخَرَزَةِ الزَّرقَاءِ بِك ،
 
يَا غَابَتِي الفَوَّاحَة بِآلَافِ الجُذُورِ وَآلَافِ الأَورَاق ،
كَيفَ يُمكِنُ لِي تَصدِيق أَنِّي مَنحُوسَةٌ إِلَى حَدِّ أَن أَفقِدَك ؟
 
[ IV ]
وَلَدِي ، أَيُّ قَدَرٍ كَانَ مَرسُومًا لَك ، أَيُّ قَدَرٍ كَانَ مَرسُومًا لِي
لِيُشعِلَ مِثلَ هَذَا الحُزنِ ، مِثلَ هَذِه النَّارِ فِي صَدرِي ؟
 
استَيقَظتَ بَاكِرًا فِي الصَّبَاح وَغَسَلتَ جَسَدَك وَشَعرَك ،
قَبلَ أَن يُعلِنَ رَنِينُ الجَرَسِ بَعِيدًا عَن الفَجر .
تَنظُرُ مِن النَّافِذَةِ مِن جَدِيدٍ مِن جَدِيدٍ لِتَرَى إِن كَانَ الشُّرُوق ،
وَكُنتَ مُستَعجِلًا كَأَنَّكَ ذَاهِبٌ إِلَى احتِفَال .
 
عَينَاكَ سَودَاوَان ، وَفَكَّاكَ مُطبِقَان ،
وَفِي جُرأتِكَ كُنتَ رَقِيقًا ، ثَورًا وَعَندَلِيبًا .
 
وَأَنَا ، بَائِسَةً وَمُهمِلَةً ، وَأَنَا ، مَخبُولَةً مَجنُونَة ،
كُنتُ أُعِد لَكَ المريَمِيَّةَ ، وَنَظرَتِي الشَّاحِبَة تُقَبِّل
 
مَفَاتِنَكَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً ، يَا حَبِيبِي ، وَسِيمَاءَك المشرِقَة ،
وَأَنتَشِي وَأَضحَكُ كَفَتَاةٍ حَنُون .
 
وَلَا حَتَّى لِلَحظَةٍ تَخَيَّلتُ الأَسوَأ ، وَلَا رَكَضتُ مِن الوَرَاء
لأَضَعَ صَدرِي فِي الصَّدَارَةِ لأَقتَنِصَ الرَّصَاص .
 
وَوَصَلتُ بَعدَ الأَوَان . آهِ ، لَم تَحِل مِثلُ تِلكَ السَّاعَةِ أَبَدًا !
آهِ ، كَانَ الأَفضَل أَن يَنهَارَ البَلَدُ كُلُّه عَلَى رَأسِي !
 
[ V ]
فَلتَنهَض ، يَا حَبِيبِي . لَقَد تَأخَّرنَا . فَالشَّمسُ تُشرِقُ عَالِيًا . هَيَّا .
وَطَعَامُكَ ، الذِي لَم يُمَس ، لَابُدَّ أَنَّه بَردَ فِي الصِّينِيَّة .
قَمِيصُ العَمَلِ الأَزرَقُ ، المعَلَّقُ بِالبَاب ،
سَوفَ يَنتَظِرُ جَسَدَكَ الرُّخَامِيَّ المنحُوت .
 
وَالمَاءُ البَارِدُ سَوفَ يَنتَظِر فَمَكَ النَّاضِر ،
وَالمنزِلُ المطلِيُّ بِالأَبيَض سَوفَ يَنتَظِر أَنفَاسَك .
 
وَقِطَّتُنَا سَوفَ تَنتَظِر أَن تَلعَبَ فِي قَدَمَيك ،
وَالشَّمسُ بِكَسَلٍ تَنتَظِرُ أَن تُومِضَ فِي عَينَيك .
 
سَوفَ يَنتَظِرُ شَارِعُنَا الخُطوَاتِ الوَاسِعَةَ لِمرَحِك ،
وَالنَّافِذَةُ نِصفُ المفتُوحَةُ تَرصُدُ صَوتَكَ العَندَلِيبِي .
 
وَرِفَاقُك ، يَا حَبِيبِي ، الذِين سَيَأتُون فِي الأُمسِيَات
وَيَتَحَدَّثُون يَتَحَدَّثُون ، وَبِفِعلِ كَلِمَاتِهِم يَتَوَهَّجُون ،
 
وَالذِين سَيَأتُون بِالضَّوءِ وَالعَالَمِ كُلِّه إِلَى مُنزِلِنَا ،
يَا وَلَدِي ، سَوفَ يَنتَظِرُونَك لِتَقُومَ بِعَمَلِهِم اللَّيلِي .
 
وَأَنَا ، مَحنِيَّةً ، سَأَنتَظِر فِي المسَاءِ وَالظَّهِيرَة
حَبِيبِي ، الموتَ ، لِيَأتِيَ وَيَأخُذَنِي إِلَيك .
 
[ VI ]
ذَاتَ يَومٍ مِن مَايُو تَرَكتَنِي ، وَذَاتَ يَومٍ مِن مَايُو فَقَدتُك ،
فِي الرَّبِيعِ حَيثُ كُنتَ تُحِبُّ ، يَا وَلَدِي ، أَن تَصعَدَ الدَّرَج ،
 
إلَى الشُّرفَةِ وَتَنظُر ، وَبِعَينَيك
تَجرَعُ ضَوءَ العَالَم بِلَا اكتِفَاء ،
 
وَبِإِصبَعِكَ المدَبَّبِ تُرِينِي وَاحِدًا وَاحِدًا
كُلَّ مَا هُو عَذبٌ ، كُل مَا هُو طَيِّبٌ وَشَاحِبٌ وَوَردِي ،
 
وَتُرِينِي البَحرَ يُومِضُ فِي البَعِيدِ كَالزَّيت ،
وَالأَشجَارَ وَالجِبَالَ فِي الوِشَاحِ اللَّازَوردِي ،
 
وَالأَشيَاءَ الصَّغِيرَةَ الفَقِيرَة – العَصَافِيرَ ، النِّمَالَ ، الشُّجَيرَات ،
وَتِلكَ الأَحجَارَ المَاسِيَّةَ التِي تَنضَحُهَا جَرَّةُ المَاءِ المجَاوِرَة .
 
وَالآن ، يَا وَلَدِي ، بِالرَّغمِ مِن أَنَّكَ تُرِينِي النُّجُومَ وَالبَرَاح ،
فَإِنَّنِي أَرَاهُم أَصفَى فِي عَينَيكَ الزَّرقَاوَين بِلَونِ البَحر .
 
وَبِصَوت كَانَ عَذبًا وَدَافِئًا وَرُجُولِيًّا
تُخبِرنِي بِأَشيَاءَ أَكثَر مِن حَبَّاتِ الرَّملِ عَلَى الشَّاطِئ ،
 
وَتُخبِرنِي ، يَا وَلَدِي ، بأَنَّ هَذَا الجَمَالَ كُلَّه سَيَكُونُ لَنَا ،
وَالآن أَنتَ مَيِّتٌ ، وَمَيِّتٌ ضَوءُنَا وَشُعلَتُنَا .
 
[ VII ]
كُنتَ طَيِّبًا وَعَذبًا . كُنتَ تَحمِلُ كُلَّ المفَاتِن ،
كُلَّ تَربِيتَاتِ النَّسِيم ، كُلَّ بَنَفسَجِ الحَدِيقَة .
 
قَدَمُك رَهِيفَةُ الخَطو ، كَدُبٍّ رَقِيق ،
تَخطُو عَلَى عَتَبَتِنَا وَتُومِضُ كَالذَّهَب .
 
فَكَيفَ سَأَعُودُ إِلَى كُوخِنَا المهجُور وَحدِي ؟
لَقَد حَلَّ الظَّلَامُ عَلَى الفَجر وَيُخفِي عَنِّي الشَّوَارِع .
 
آهِ ، لَا تَسمَعُنِي الأَشيَاء ! مُستَحِيل
أَن تَحتَرِقَ شَفَتَايَ وَأَنَا أَمَامَ الرَّبِيع ،
 
أَن أَكُونُ قُربَكَ ، يَا وَلَدِي ، وَأُنَادِيكَ – وَا أَسَفَاه !-
فِيمَا لَا تُبَالِي حَتَّى بِي أَنَا البَائِسَة .
 
غَيرُ مَسمُوحٍ لأَحَدٍ أَن يضَعَ يَدًا عَلَيه . فَهوَ طِفلـي .
صَمتًا ، صَمتًا ! فَطِفلِي مُتعَب . نَائِم .
 
مَن أَخَذَه مِنِّي ؟ مَن يُمكِنُه أَن يَأخُذَه مِنِّي ؟
شَفَتَاه الصَّغِيرَتَان استَحَالَتَا بَيضَاوَين ، وَعَينَاه مُغمَضَتَان .
 
فَأَيَّتُهَا النُّسُور ، امنَحِينِي مَخَالِبَ وَأَجنِحَةً لأَنقَضَّ عَلَيهِم ،
حَتَّى يُمكِنَنِي أَن أُمَزِّقَ قُلُوبَهُم كَثَمرَةِ لَوز .
 
[ VIII ]
إلَى أَينَ طَارَ ابنِي بَعِيدًا ؟ أَينَ مَضَى ؟ إلَى أَينَ تَركَنِي ؟
قَفَصُ الطُّيُورِ بِلَا عُصفُور ، وَلَا مَاءَ فِي اليُنبُوع .
 
يَا حُبِّي ، لَم تَبقَ فِي مَنزِلِنَا الأَبيَضِ الصَّغِير
مِن أَجلِي لِأجعَلَكَ سَيِّدِي ، لأَرعَاكَ كَعُصفُور
 
لِتَغتَذِي بِحَيَاتِي ، بِذرَةً بِذرَةً ، مِن يَدِي ،
وَتَعِيشَ فِي ظِلِّكَ ، يَا شَجَرَتِي الأَبِيَّة .
 
لَم تَتَوَقَّف لِتَنَالَ كِنزَ أَيَّةِ فَتَاة .
فَارِسًا مُشرِقًا ، كُنتَ دَائِمًا أَوَّلَ المغَادِرِين .
 
وَكَانَت بَهجَتُكَ أَن تَمنَحَ بِسَخَاء ، وَمَجدُكَ أَن يَتَلَقَّى الآخَرُون ،
وَأَن تَرفَعَ مِن الأَرضِ كُلَّ مَا يَنحَنِي وَيَتَوَجَّع .
 
يَا حُبِّي ، كُنتَ تَمنَحُ كُلَّ ثَرَوَاتِكَ لِلعَالَم ،
تَتَخَلَّى عَنهَا ، وَتَرَكتَنِي فِي البَردِ فِي العَرَاء .
 
وَلَدِي ، لَا أَدرِي مَا إِن كَانَ عَلَيَّ أَن أَنحَنِي عَلَيكَ وَأَنُوح
أَم عَلَيَّ أَن أَقِفَ مُنتَصِبَةً وَأُغَنِّي أَمجَادَكَ أَلفَ مَرَّة .
 
أَحيَانًا أُلَاعِبُ مَفَاتِنَك وَاحِدَةً وَاحِدَةً ، كَأَنَّهَا خَرَز ،
وَفِي أَحيَانٍ أُخرَى ، تَنهِيدَةً تَنهِيدَةً ، أَنظُمُهَا فِي لَحنٍ حَزِين .
 
[ IX ]
آهِ ، يَا مَارِي العَذرَاء ، لَو كُنتِ أُمًّا مِثلِي ،
لأَرسَلتِ مَلَاكَكِ مِن العَالَمِ الآخَر لِيُسَاعِدَ ابنِي .
 
وَ آهِ ، يَا إِلَهِي ، يَا إِلَهِي ، لَو كُنتَ إِلَهًا وَنَحنُ أَطفَالك ،
لَأَشفَقتَ عَلَى مَخلُوقَاتِكَ التَّعِيسَةِ ، مِثلَمَا أُشفِق .
 
وَلَو كُنتَ عَادِلًا ، لَقُمتَ بِالتَّوزِيعِ عَلَى الخَلِيقَةِ بِعَدَالَة ،
لِيَنَالَ كُل طَائِرٍ ، كُلُّ طِفلٍ مَا يَكفِيه مِن طَعَام .
 
وَلَدِي ، كُنتَ مُصِيبًا حِين كُنتَ تَقُولُ بِكَلِمَاتِك الرَّهِيفَة ،
كُلَّ مَرَّةٍ تَتَكَلَّم فِيهَا وَتَشرَح :
 
“إِنَّهُم نَحنُ مَن يُطعِمُون حَمَامَةَ الحَيَاةِ بِأَيدِينَا ،
وَمَا فِي أَيدِينَا حَتَّى كِسرَةُ خُبز .
 
“إِنَّهُم نَحنُ مَن نَحتَضِن الأَرضَ كُلَّهَا بِأَذرُعِنَا الخَشِنَة ،
وَالآلِهَةُ يَقِفُون كَخَيَالَاتِ مَآتَةٍ بِوُجُوهِهِم المتَسَامِيَة” .
 
آهِ ، يَا وَلَدِي ، لَا فَرحَ وَلَا إِيمَانَ بِدَاخِلِي ،
وَالضَّوءُ الكَابِي الأَخِيرُ لِشَمعَتِنَا المنذُورَةِ انطَفَأ .
 
وَالآن ، أَيَّةُ نَارٍ لَدَيَّ لأَفتَحَ يَدَيَّ فَوقَهَا ،
لأُدفِئَ يَدَيَّ الثَّلجِيَّتَين قَلِيلَا ؟
 
[ X ]
يَا وَلَدِي وَسَيِّدِي ، كُنتَ تُرِينِي كُلَّ شَيء ،
وَبِالطَّرِيقَةِ التِي كُنتَ تَرَاهُم بِهَا ، كَانَ كُلُّ شَيءٍ يَتَوَهَّجُ كَمَا لَو فِي سَاعَةِ عُرس ،
 
وَكُنتَ تَأتِي إِلَيَّ بِكُلِّ شَيءٍ : الغُيُومِ ، وَالطُّيُورِ ، وَالنُّجُوم ،
وَتَخَيَّلتُ أَنَّنِي قَادِرَةٌ عَلَى إِمسَاكِهِم بِيَدِي ، هَكَذَا .
 
مَهلًا ! فَهُنَاكَ غَيمَةُ رَبِيعٍ صَغِيرَةٌ تَدنُو
لِتَتَمَسَّحَ فِي رُكبَتَيكَ ، كَحَمَلٍ أَبيَضَ صَغِير .
 
وَهَكَذَا ، إِذ وَقَفتَ مُنتَصِبًا بَدَوتَ لِي كَأَبٍ لِلعَالَمِ كُلِّه ،
ثُم مِن جَدِيد أَثِيرِيًّا كَالضَّوءِ وَالهَوَاء .
 
وَإِذ يَنتَابُنِي الإِعجَابُ بِك ، يَا شَجَرَتِي الدِّلب ، يَا فَتَاي ،
أَرتَعِدُ خَشيَةَ أَن تَسرِقَكَ إِلَى السَّمَاءِ نَسمَةُ هَوَاء ،
 
فَوقَ الأَسطُح ، فَوقَ بَسَاتِين الأَشجَار
– كَدَقَّةِ قَلبٍ فِي النَّبَضَات الأُولَى لِلنُّجُوم –
 
عَالِيًا هُنَاكَ حَيثُ وُرُودُ الغَسَقِ تَتَلَاشَى فِي الضَّبَاب ،
وَحَيثُ تَغُوصُ وَسطَهُم العَجَلَةُ الذَّهَبِيَّةُ لِلشَّمس .
 
وَهَكَذَا ، فِيمَا تَنهِيدَتُك تَجِيءُ وَتَمضِي ، ضَوءًا حِينًا ، وَحِينًا ظِلًّا ، يَا حَبِيبِي،
كَانَت تَمنَحُنِي الظِّلَّ وَتَمنَحُنِي الضَّوءَ ، مِثلَ مُرُورِ الرِّيح .
 
[ XI ]
لَا مَفَاتِن لِي وَأَنتَ مَنَحتَنِي الجَمَال ، لَا تَعلِيمَ عِندِي – انظُر !-
وَقَرَأتُ أَبجَدِيَّةَ الحيَاةِ فِي عَينَيك .
 
وَكُنتُ أَتَعَلَّمُ دُرُوسِي بِشَكلٍ أَفضَل ، مُنذُ البِدَايَة ،
وَأَعُد عَلَى أَصَابِعِي وَأَجِدُ كُلَّ شَيءٍ وَاحِدًا .
 
وَاحِدًا كَانَت الأَرضُ وَالسَّمَاء ، وَالضَّوءُ ، وَاللَّونُ ، وَالبَنَفسَج ،
وَهَذَا الوَاحِدُ كَانَ أَنتَ ، وَأَنتَ مِن جَدِيدٍ كُنتَ كُلَّ شَيء .
 
وَكُنتُ أَبحَثُ عَن مَنبَعِ مَعرِفَتِك بِكُلَّ هَذَا ، أَينَ رَأيتُه ، أَينَ وَمَتَى ،
فِيمَا كُنتُ مُنحَنِيَةً هَكَذَا ، ذَاتَ غَسَقٍ وَأَنَا أُطعِمُ الدَّجَاج .
 
كُنتُ أَستَطِيعُ الإِحسَاسَ بِالسِّردَابِ العَمِيقِ يَتَنَفَّسُ فَوقِي
وَالنُّجُومِ ، كَأَنَّهَا تُمشِّطُ شَعرِي بِمِشطٍ ذَهَبِي ،
 
وَفَجأةً أَدرَكتُ مَا هِي النَّشوَة
التِي كَانَت تَأخُذُنِي وَتُعِيدُنِي أَبَدًا تَدرِيجِيًّا إِلَى الأَعَالِي السَّمَاوِيَّة .
 
وَرَأيتُ الـ مَتَى وَالـ أَين ، ضَوءَ وِظلَالَ الغَابَة :
وَكُنتَ تَقِفُ بِالبَابِ تَنظُرُ إِلَيْ .
 
الآنَ ، انغَلَقَت عَينَاك ، وَأَنَا مُنغَلِقَةٌ بِالخَارِج ،
وَلَا أَملِكُ حَتَّى حَجَرًا لأَقِفَ عَلَيه ، وَلَا طَرِيقًا أَمضِي عَلَيهِ بَعدَ الآن .
 
[ XII ]
وَلَدِي ، إِن كُنتَ تُحِسُّ بِالأُمِّ الثَّكلَى وَاقِفَةً خَارِجَ بَابِك ،
فَافتَح عَينَيكَ الحَبِيبَتَين وَانظُر لِلَحظَةٍ وَاحِدَة
 
إِلَى هَذِه العَجُوزِ المنحُوسَةِ ، إِلَى هَذِه المتَسَوِّلَةِ العَجُوز
التِي لَا يَرمِي إِلَيهَا إِنسَانٌ أَو رَبٌّ أَيَّ فِلس ،
 
التِي تَجلِسُ وَتَنُوحُ فِي الشَّارِعِ الملَطَّخِ بِالدَّم
مَسلُوبَةَ القَلبِ ، مَكسُورَةَ الجَنَاح .
 
وَلَدِي ، كُلُّ شَيءٍ طَارَ وَتَرَكَنِي فِي الوَرَاء .
وَلَا عَينَ لِي لأَرَى ، لَا فَمَ لِي لِأَتَكَلَّم .
 
شَيءٌ مَا فَحَسب مِثلَ صَرخَةٍ تَمُر غَائِرَةً فِي البَعِيد
وَأَسمَعُ صَوتِي ، فَيَبدُو لِي كَصَوتِ شَخصٍ غَرِيب .
 
صَوتُ شَخصٍ غَرِيب ، صَوتٌ مَرِير – مَاذَا يَقُولُ وَيَظَل يَقُول ؟-
وَأَصرُخُ عَلَيكَ وَأَصرُخُ عَلَى مَن أَسمَعُهَا تَصرُخ ،
وَأَنَا سَعِيدَةٌ بِسمَاعِهَا ، حَيثُ يَنبَثِقُ نَبعٌ بِعُنفُوَانٍ أَكبَر
مِن جِذرِ وُجُودِي ، لِيَجعَلَ صرَاخِي أكثَرَ حِدَّة .
 
فَيُخزِينِي فِي وِحدَتِي – مِن جَدِيدٍ ، يَا وَلَدِي – أَنَّكَ رَحَلت
وَأَنَّنِي مَا يَزَالُ لَدَيَّ صَوت – ثَرثَرَة الحُزنِ الرَّخِيصَة .
 
[ VIII ]
وَلَدِي ، فَمُك لَه شَكلُ القَلب ، وَحَاجِبُك عُصفُور ،
عَينَاكَ نَدًى وَنَار ، وَفَكَّاكَ كمَّاشَة .
 
قَوِيٌّ كَأسَدٍ وَمُسَالِمٌ كَحَمَامَةٍ صَغِيرَة ،
وَأَنفَاسُك تُشبِه جَرَسَ القَطِيعِ فِي الغَسَق .
 
لَكِن ، كَأَن شَيئًا مَا كَان يُنَادِيكَ فِي المسَاءِ الذَّهَبِي ،
كُنتَ دَائِمًا مَا تَنظُر إِلَى الأَعلَى إِلَى البَعِيد ،
 
كَأَنَّ صَدِيقًا حَمِيمًا كَانَ يَصفُر لَك ، يَدعُوك
إِلَى مَوعِدٍ سِرِّيٍّ عَلَى شَاطِئٍ مَعهُود .
 
وَإِذ تَترُكُنِي وَحِيدَةً ، كُنتُ أُرهِفُ سَمعِي لأَرَى وَأُخَمِّن
لِمَاذَا أَرَادُوكَ وَمَاذَا أَرَدتَ ، لأَرَى أَيَّةَ رَأسٍ بَحرِيَّةٍ تَتَّجِه إِلَيهَا .
وَبِعَينَيَّ أَسعَى لأَرَى إِلَى أَيَّ اتِّجَاهٍ تَتَطَلَّع ،
وَكَأنَّمَا أَحسَستَ بِي فِي صَمتٍ صَارِخَةً عَلَيك ، “تَوَقَّف ، يَا وَلَدِي” ،
 
تَستَدِير ، تَضحَكُ خِفيَةً مِنِّي وَتَقُول ، “هَا أَنَذَا ، يَا أُمِّي” ،
فِيمَا يُمكِنُ سَمَاعُ جَرَس الكَنِيسَةِ بَعِيدًا يُقرَعُ لَصَلَوَاتِ المسَاء .
 
وَفِي فَمِي أَحتَسِي مَزِيجًا لَذِيذًا مِن حُنُو رَهِيف ،
لأنَّكَ أَدرَكتَ بِالحَدسِ كُلَّ شَيءٍ ، وَأَنَا لَا شَيء .
 
[ XIV ]
آهِ ، يَا وَلَدِي ، وَلَدِي ، لَا يُمكِنُنِي المضِي وَحدِي .
أَسنَانِي تَصطَكُّ ، تَصطَكُّ ، كَأنَّ الحُمَّى تَجتَاحُنِي .
 
وَأَنَا أُرِيدُ أَن أَدفِنَ رَأسِي تَحتَ الأَغطِيَة
وَلَا أَرَى الشَّمسَ أَبدًا مِن جَدِيدٍ ، وَأَنظُر ، إِنَّنِي أَقفِزُ مِن جَدِيد
 
لأُغَنِّي وَأُغَنِّي مَفَاتِنَك ، لأُحيِيهَا مَرَّةً أُخرَى مِن جَدِيد ،
كَأنَّه يُمكِن استِعَادَتُكَ ، يَا وَلَدِي .
 
لأَنَّكَ فِيمَا كُنتَ هُنَا ، يَا وَلَدِي ، كُنتُ مَحكُومَةً بِكَربٍ عَظِيم ،
سَجِينَةَ الصَّمتِ فِي قَصرٍ مَسحُور .
وَعَينَاي وَحدَهُمَا تَتبَعَانَك عَن قُربٍ مِن الوَرَاء ،
مِثلَ كَلبَين ، مَوثُوقَين، مَمرُورَين ، مَرعُوبَين مِن النَّاس .
 
وَفِي صَمتٍ أُلَملِمُ كُلَّ مَا يَخُصُّك ، كَدَجَاجَةٍ حَاضِنَةٍ لِكَتَاكِيتِهَا ،
وَلَحظَةَ أَن رَحَلتَ عَنِّي تَحَرَّرَ لِسَانِي
 
وَأَمضِي أُوَاصِلُ الكَلَام ، يَا وَلَدِي ، بِلَا انتِهَاء ،
كَأَنَّنِي كُنتُ أَتَشَبَّثُ بِكِنزٍ وَأَرتَعِدُ خَشيَةَ أَن أَفقِدَه ،
 
وَأُرِيدُ أَن أُودِعَه حِجرَ الخَلِيقَة ،
لأُثرِي حَيَاتِي ، وَأَمنَعَكَ مِن المرُور .
 
[ XV ]
وَكُنتَ تَقِفُ إِلَى النَّافِذَةِ ، وَكَتِفَاكَ القَويَّان
يُغَطِّيَان تَمَامًا فَرَاغَهَا ، وَالبَحرَ ، وَقَوَارِبَ الصَّيد .
 
وَظِلُّك ، كَمَلَاكٍ ، يَفِيضُ عَلَى المنزِل ،
وَفِي أُذُنِك يُومِضُ هُنَاكَ صَمغُ نَجمَةِ المسَاء .
وَكَانَت نَافِذَتُنَا بَابًا مَفتُوحًا عَلَى العَالَمِ كُلِّه ،
يُطِلُّ عَلَى الفِردَوس ، حَيثُ تُزهِرُ النُّجُومُ ، ضَوئِي .
 
وَحِين كُنتَ تَقِفُ لِتُشَاهِدَ الغُرُوبَ مُشتَعِلًا ،
كُنتَ تَبدُو مِثلَ رُبَّانٍ ، وَالغُرفَةُ سَفِينَة .
 
وَفِي المسَاءِ الفَاتِر اللَّازَوردِي –
كُنتَ تَأخُذنِي في سَفِينَةٍ إِلَى صَمتَ المجَرَّة .
 
وَالسَّفِينَةُ تَغُوص وَتَنكَسِر الدَّفَّة ،
وَالآنَ أَهِيمُ وَحِيدَةً فِي قَاعِ البَحر .
 
لَكِنِّي مَا غَرِقتُ ، وَلَا صَعَدتُ إِلَى السَّطح :
أَتَلَمَّسُ أَيَّ شَيءٍ لأَتَشَبَّثَ بِه ، فَلَا أُمسِكُ إِلَّا بِالطَّحَالِب .
 
تَنكَسِرُ الطَّحَالِبُ وَالمحِيطُ يُجَرجِرُنِي إِلَى مِيَاهِه ،
وَلَا أَعُودُ قَادِرَةً عَلَى تَميِيز الصُّعُودِ مِن الهُبُوط .
 
[ XVI ]
وَلَدِي ، أَي خَطَأٍ ارتَكَبتُه ؟ فَمِن رَجَالٍ ظَالِمِين
كُنتَ تَسعَى إِلَى مُكَافَأَةٍ عَلَى جُهُودِك .
 
كُنتَ تَطلَبُ كِسرَةَ خُبزٍ فَأَعطُوكَ سِكِّينًا .
كُنتَ تَطلُبُ مُقَابِلَ عَرَقِك فَقَطَعُوا يَدَك .
لَم تَكُن شَحَّاذًا تَذهَبُ وَيَدُكَ مَمدُودَة .
فَبِقَلبِكَ القَوِي ذَهَبتَ سَائِرًا مُنتَصِبًا .
 
وَسِربُ الغِربَانِ انقَضَّ عَلَيكَ
وَشَرِبَ دَمَكَ ، يَا وَلَدِي ، وَأَغلَقَ شَفَتَيك .
 
الآنَ ، يَا زَنبَقَتِي الوَاحِدَةَ الوَحِيدَة ، كَفَّاكَ الشَّاحِبَان
يُشبِهَان طَائِرَين عَلِيلَين ، كَئِيبَين
 
جَنَاحَاهُمَا مَضمُومَان وَلَم يَعُودَا يُرَفرِفَان ،
فَأمسِك بِهِمَا فِي يَدَيَّ ، فَلَا يُغَرِّدَان لِي .
 
آهِ ، يَا وَلَدِي ، لَعَلَّ مَن ذَبَحُوكَ يَرَون
أَطفَالَهُم وَآبَاءَهُم مَذبُوحِين ، وَيَختَنِقُون بِالدَّم .
 
وَلأَصبِغْ بِدَمِهِم تَنَّورَتِي بِالأَحمَر
وَأَرقُص . آهِ ، يَا وَلَدِي ، فَلَا يَلِيقُ بِي أَن أَبكِي عَلَيك .
 
[ XVII ]
لَقَد أَفَلتِ ، يَا نَجمَتِي . أَفَل العَالَم كُلُّه ،
وَالشَّمسُ ، الكُرَةُ حَالِكَةُ السَّوَاد ، قَد ذَوَت فِي وَهَجِهَا .
الحشُودُ تَمُر وَتَدفَعُنِي . وَالعَسكَرُ أَيضًا يَدهَسُونَنِي ،
وَعَينِي لَا تَتَزَحزَح وَلَا تُفَارِقُك .
 
وَانظُر ، فَهُم يُنهِضُونَنِي . أَرَى آلَافَ الأَبنَاء ،
لَكِنِّي عَاجِزَةٌ عَن مُفَارَقَةِ جَانِبِكَ ، يَا وَلَدِي .
 
يَتَكَلَّمُون مَعِي بِالطَّرِيقَةِ التِي اعتَادُوهَا ، وَيُقَدِّمُون لِي العَزَاء ،
وَلَدَيهِم قُبَّعَتُك ، يَرتَدُون مَلَابِسَك .
 
وَأُحِسُّ بِبُخَارِ أَنفَاسِكَ عَلَى خَدِّي ،
وَ آهِ ، ضَوءٌ ، ضَوءٌ هَائِلٌ يُبحِرُ فِي الطَّرَفِ البَعِيدِ لِلشَّارِع .
 
كَفٌّ مُشرِقَةٌ تَمسَحُ عَينَيَّ ،
وَ آهِ ، صَوتُك ، يَا وَلَدِي ، اندَفَعَ فِي أَحشَائِي .
 
وَانظُر ، لَقَد لَملَمتُ نَفسِي نَاهِضَةً . قَدَمِي لَا تَزَالُ تَدعَمُنِي .
وَضَوءٌ هَادِئٌ ، يَا وَلَدِي ، أَنهَضَنِي مِن الأَرض .
 
الآن ، مَلفُوفٌ أَنتَ بِالأَعلَام . فَلتَذهَب أَنتَ لِتَنَامَ ، يَا وَلَدِي ،
وَأَنَا مَاضِيَةٌ إِلَى أُخوَتِكَ وَأَخَوَاتِك وَأَمنَحُهُم صَوتَك .
 
[ XVIII ]
بَل إِنَّنِي لَم أَشَأ سَمَاعَ وَتَصدِيقَ كُلِّ مَا كُنتَ تَقُول ،
وَأُوَبِّخُك ، يَا حَبِيبِي ، دُونَ أَن أَفهَمَك .
 
مَا لَم تُخبِرنِي بِه أَبَدًا الأَوقَاتُ وَالأَلسِنَةُ فِي العَالَم كُلِّه
عَلِمتُ بِه فِي لَحظَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَنَا مُنتَصِبَةٌ وَسَطَ الجُمُوع .
 
أَينَ أَنتَ ، يَا حَبِيبِي ، لِتَبتَهِجَ وَتَقِفَ إِلَى جِوَارِي ؟
اسمَع ، فَأَنَا أَنطِق بِكَلِمَاتِك ، وَقَلبِي انفَتَح
 
وَقَادِرٌ عَلَى مُعَانَقَةِ العَالَمِ كُلِّه ، بِالطَّرِيقَةِ التِي قُمتَ بِهَا .
أَصبَحَ قَوِيًّا وَقَادِرًا عَلَى الخَلقِ ، عَلَى التَّدمِير .
 
لَيسَت جِنَازَةً هُنَا . فَهيَ أَشبَه بِعُرس .
دُمُوعٌ وَضَحِك ، وَحُب ، وَغَضَبٌ يَقطُر مِن كُلِّ عَين .
 
وَلَدِي ، قُل لِي ، لِمَاذَا تَغَضَّنَ جَبِينُك ؟
أَأَنتَ غَاضِبٌ ، رُبَّمَا ، مِن رَحِيلِي عَنكَ ، يَا حَبِيبِي؟
 
يَا عُصفُورِي ، أَلفُ حَيَاةٍ وَحَيَاتَان تُوثِقُنِي إِلَيك ،
وَجَمِيعُ مَن أَحَبُّوا لَا يَعرِفُون الموتَ أَبَدًا ، حَتَّى فِي الموت .
 
وَحَتَّى لَو انحَنَيتُ وَضَمَمتُ يَدَيَّ فِي صَلَاة ،
فَأَنتَ تَعرِفُ ، يَا وَلَدِي ، أَنَّنِي أَقِفُ مُلَاصِقَةً لَكَ الآنَ أَكثَر مِن ذِي قَبل .
 
[ XIX ]
لَيتَ لَدَيَّ فَحَسب المَاءُ الأَبَدِي ، لَيتَ لَدَيَّ فَحَسب رُوحٌ جَدِيدَة
لأَمنَحَهَا لَك ، لِيُمكِنَكَ أَن تَصحُو لِلَحظَةٍ وَاحِدَةٍ فَحَسب ،
 
لِتَرَى وَتَقُولَ وَتَبتَهِج بِأَنَّ حُلمَكَ بِكُلِّ اكتِمَالِه
يَنتَصِبُ مُفعَمًا بِالحَيَاةِ بجَانِبِكَ إِلَى جِوَارِك .
 
الشَّوَارِعُ وَالأَسوَاقُ تُرعِد ، وَالشُّرفَاتُ وَالشَّوَارِعُ الجَانِبِيَّة ،
وَالبنَاتُ يَقطُفنَ زُهُورًا لِشَعرِك .
 
الحشُودُ اجتَرَأَت إِزَاءَ الدَّم الذِي لَطَّخَ الأَرض ؛
غَابَاتٌ مِن قَبضَاتٍ ، بِحَارٌ مِن صَيحَاتٍ ، جِبَالٌ مِن قُلُوبٍ وَصُدُور .
 
قُمصَانُ العُمَّالِ انضَمُّوا إِلَى الكَاكِي ، الجُنُودُ وَالعُمَّال ،
وَالجَمِيعُ يَتَوَهَّجُون قَلبًا وَاحِدًا – إِرَادَةً وَاحِدَةً ، نَبضًا وَاحِدًا ، عَينًا وَاحِدَة.
 
آهِ ، كَم هُو جَمِيلٌ حِين يَنضَم النَّاسُ بَعضهُم إِلَى بَعضٍ فِي حُب .
السَّمَاوَاتُ مُضِيئَة ، وَالأَرَاضِينُ فَوَّاحَة .
 
وَإِذ يَمُر الشُّبَّانُ الشُّجعَانُ ، أَقوِيَاء فِي أُخُوَّة ،
يَنظُرُون إِلَيَّ كَأَنَّهُم سَيَغزُون العَالَم ، الكَون .
 
وَالذِّئَابُ تَرَاجَعَت وَاختَبَأَت فِي وُجُورِهَا ،
وَالهَوَام انكَنَسَت بَعِيدًا بِمِكنَسَةِ العُمَّال .
 
آهِ ، يَا وَلَدِي ، يَا عُصفُورِي ، أَينَ سَتَتَهَلَّل
وَتُعَانِق العَالَم قَبلَ أَن تَرحَلَ وَحِيدًا ؟
 
[ XX ]
لَم تَختَفِ ، يَا جَمِيلِي . فَأَنتَ فِي شَرَايِينِي .
فَلتَدخُل عَمِيقًا فِي شَرَايِينِ الجَمِيعِ ، يَا وَلَدِي ، وَلتَعِش .
 
انظُر ! الحشُودُ تَمُر ، وَرِجَالٌ عَلَى ظَهرِ أَحصِنَة ،
الجَمِيعُ مُنتَصِبُون وَأَقوِيَاء وَوَسِيمُون ، مِثلَك .
 
مِن بَينِهِم ، يَا وَلَدِي ، أَرَاكَ بُعِثتَ ،
وَوَجهُكَ مَرسُومٌ بِلَا حَصرٍ عَلَى وُجُوهِهِم .
 
وَأَنَا المسكِينَةُ ، الضَّعِيفَةُ أَنَا ، العَجُوزُ فِي الحَشد ،
أُخرِجُ أَظَافِرِي الطَّوِيلَةَ وَأَنتَزِع مِن الأَرضِ حِفنَاتِ تُرَاب
 
أَقذِفُهَا فِي وُجُوهِ الذِّئَابِ وَالوُحُوش
الذِين هَشَّمَوا كرِيستَال نَظَرِي .
 
وَأَنتَ ، جُثَّةً ، تَتَّخِذُ طَرِيقَكَ أَيضًا ، وَالكُتلَةُ فِي حَلقِنَا وَنحنُ نَشهَق
تُحَوِّلُ نَفسَهَا إِلَى عُقدَةٍ فِي حَبلٍ مِن أَجلِ رَقَبَةِ عَدُوِّنَا .
 
وَكَمَا تَمَنَّيتَ (كَمَا كُنتَ تَقُولُ فِي الأُمسِيَاتِ بِجِوَارِ المصبَاح)
فَإِنَّنِي أَرفَعُ جَسَدَكَ المحنِيَّ وَأَرفَعُ قَبضَتِي .
 
وَبَدَلًا مِن تَمزِيق ثَديَيَّ البَرِيئَين ، انظُر ، فَأَنَا أَسِير
وَوَرَاءَ دُمُوعِي أَرَى الشَّمس .
 
يَا وَلَدِي ، إِنَّنِي مَاضِيَةٌ إِلَى أُخوَتِك وَأَخَوَاتِك وَأَستَجمِعُ غَضَبِي .
لَقَد أَخذتُ سِكِّينَك . وَأَنتَ ، فَلتَذهَب إِلَى النَّومِ ، يَا عُصفُورِي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق