شؤون ثقافية

رباطٌ خفي ../ قصة قصيرة

رباطٌ خفي ../ قصة قصيرة
بقلم : ليلى المرّاني
 
اكتظّ بيتنا على سعته بنساءٍ يتلفّعن بعباءاتهن السوداء، ورجال اتخذوا من حديقة البيت مكاناً للدردشة وتدخين السكائر، والانتظار، سياط حرّ تمّوز تلهب ظهورهم ورؤوسهم؛ فيتعرّقون، يهرعون إلى الحنفية في احدى زوايا الحديقة، يضعوا رؤوسهم تحتها، ووالدي على سريره لا يزال فاقداً وعيه بعد أن انقطع عن الطعام والشراب، النساء حوله بين مشفقةٍ وأخرى ملّت الانتظار، صاح فجأةً بصوت متهدّج ضعيف، ” ابعدوا عني، لا أريد الذهاب معكم.. “، وقد فتح عينيه على سعتهما، ناظراً برعب إلى أعلى الحائط المقابل لسريره، يردِّد أسماء من رحلوا من أقاربه قديماً وحديثاً، مشيراً لهم بإصبعه المرتعش. علمنا أن النهاية اقتربت؛ فقد سبق وأن سمعناه يردِّد مراراً بنوا من الفخر والاعتزاز أن الرجال في عائلته استورثوا صفةً مميّزة؛ يظهر لهم موتاهم قبل الرحيل ليصطحبوا – المرشّح – معهم كي يتغلّب على خوفه من الزائر المرعب..!
وكعادة عوائلنا في الجنوب، يأتي الأقارب من كل صوب، وحتى من المدن البعيدة، يعقدون جلساتهم حول – المرشّح – المسجّى. همساً تبدأ أحاديثهم، ثم يعلو الهمس؛ فيصبح ضجيجاً، تدور عليهم أكواب الشاي دون انقطاع، ووجبات الطعام التي ييتجشّؤونها بكلِّ صخب.
فجأةً، أخذ يطلق أنيناً عميقاً متواصلاً، قادماً من أعماق دهور سحيقة، كان صداه يلاحقنا حتى أطراف الحديقة الواسعة لبيتنا، والتي هربنا إليها خوفاً وألماً، أغمي على أختي الصغيرة، وإلى بيت خالتي القريب نقلوها..
قالت إحداهنّ،
— هل يتألّم، لماذا هذا الأنين الموجع..؟
عمّتي بثقةٍ أجابت،
— إنه ينتظرها..
رمقتها أمي بنظرةٍ حادّة باكية؛ فغطّت وجهها بطرف عباءتها، لم نفهم حينها مٓن عنت عمتي، لكن باكيةً أخرى همست،
— بنت خالته، بدرية..
— ما بها..؟ سألت أخرى بحذر من خلف عباءتها
— كانت حلم حياته، عشقها، لكنها رفضته وتزوّجت بغريب.. عاقبها الله فلم تنجب..
استشاطت أمي غضباً وهي تسمع الهمس الصاخب، لملمت عباءتها مهدّدةً بانفجارٍ كبير، ولم تنطق..
علا الأنين، وكأن الروح محبوسة في قمقم تريد الانطلاق..
— لن يسلّمها إلاّ حين تأتي..
ولولت عمّتي باكيةً
— ستأتي حتماً، اتصلنا بها..
وزمّت أمي شفتيها بغيظ، حركة مفاجئة دبّت بين النساء، وهمهمةٌ تعالت، ” ها قد جاءت..”
بقامةٍ فارعة، ألقت السنون ثقلها عليها؛ فانحنت قليلاً، ووجه صارع غدر الزمن لا يزال محتفظا بشيء من رقّة وعذوبة، اخترقت جموع الباكيات من غير دموع، وعند رأسه انحنت، طبعت قبلةً على جبينه المتعرّق، أمسكت يده التي دبّت فيها ومضة حياة، وفي أذنه همست باكيةً، ” أنا هنا يا بن خالتي، أنا بدرية.. هل تسمعني..؟ “
صاحت عمتي بجزع، ” إنه يحرّك شفتيه..! “
ثم ساد صمت عميق..
— ماذا لو علمت قبل أيام..؟ باكيةً ناحت بدرية
انطلقت نظرة اتهام كرصاصة انغرست في وجه أمي التي سارعت تنفي التهمة عنها
— وماذا كانت ستفعل، هل تعيد له الحياة…!
ضجّ دمي في عروقي حدّ البكاء، ” لكانت وفَّرت عليه وجع الأنين ..”
نهضت الزائرة الحبيبة، وفي ركن قصّي من الغرفة تكوّرت تحت عباءتها، وعيون يملؤها ألف سؤال وسؤال تلاحقها، غطّت وجهها وأخذت تنتحب.. وانقطع أنين والدي..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق