الرأي

عن مائنا الذي يسبق الحرائق

سيهانوك ديبو

منذ مغادرة الإنسان -عن طريق رجل ماكر- للمجتمع الطبيعي كان الحريق الكبير. ولا يختلف شخصين بأن الحرائق الناريّة وحتى المجتمعية (الأزمات) تحدث في كل الأمكنة. النيران تلتهم غابات الدول الإسكندنافية كل عام. يحدث الأمر نفسه في استراليا. وفي أمريكا. وفي أوربا تحدث صيفاً وشتاء آخرها –ربما- حريق كنيسة نوتردام في فرنسا. ولكن آسيا والشرق الأوسط منها على وجه الخصوص تتعرض للحرائق بشكل كبير؛ كأنها تأتي لتزيد هذا الشرق مشاكل واشكاليات إضافية.
الحرائق التي تتعرض لها المواسم في مناطق الإدارة الذاتية ملفتة للنظر. الالتفات الواجب هنا والتفسير الأصوب في هذه النقطة تؤكد بأن السؤال يجب أن يكون: أيّها الجهات والأشخاص والأطراف التي تبغي حرق الإدارة الذاتية كلها وليست المواسم الوفيرة في هذا العام؟ علماً بأن وفرة هذه المواسم تجعل الإدارة الذاتية كإدارة ومؤسسات وكشعب أكثر المستفيدين. ولأن الحرية هي ميّزة الإدارة الذاتية. نجد بأنْ يقابلها على الدوام: الإرهاب؛ الاستبداد؛ المؤامرات. واللحظة: الحرائق. سوى إنها في الحقيقة تعتبر بحد ذاتها دواعي استمرار الإدارة الذاتية ونموذجها كحل أمثل للأزمة السورية، وهي تحديات تضاف إلى التحديات التي تواجهها هذه الإدارة منذ إنهاء داعش الجغرافية والوجود المنظم لها.
من الخطأ الاكتفاء هنا، التوقف عند ذلك فقط. أي الاكتفاء بأن جهات خارجية (استبدادية وإرهابية) لا توفِّر أي شيء كي تصنع رأياً عاماً مفاده أن هذه الإدارة الذاتية بالعاجزة أو في أحسن الأحوال نشأت كضرورة مرحلية. علماً بأن مثل هذا المفهوم القاصر (الإدارة الذاتية بالعاجزة) بات يتردد على لسان بعض أنصاف الكتبة والمتربصين والقُصّر. ومن السهل أن يكون الإنسان قاصراً على حد قول هيغل. لا نكتفي هكذا. ونشير باستمرار بأن الإدارة الذاتية تعني تحقيق أقصى حالة تنظيم مجتمعي. وفي ذلك فإن تمكين الكومينات وتذليل ما يعترض تفعيلها يجب أن يكون بالأولوية. ما يميز فلسفة الإدارة الذاتية تهدف كي تكون السلطة الحقيقية مقلوبة الهرم. أي أن الشعب عن طريق مجالسه المحلية وكوميناته من يدير شؤونهم بأنفسهم. وفي موضوع الحرائق فإنه على الكومينات اليوم اعلان الاستنفار الكلي كما كل مؤسسات الإدارة الذاتية الأخرى. بإمكانها القيام بدور وظيفي مهم تحد الضرر، وتقف في وجه جميع الأخطار والتحديات التي تعترض مسيرة الإدارة الذاتية. وبخاصة إذا ما أدركنا بأن أحد أهم وظائف الكومين كأصغر خلية مجتمعية تأسست في محل جغرافي معين، الجغرافية هنا من تحدد الانتماء إلى الكومين وليست الانتماءات القومية والدينية. تتحدد هذه الوظيفة بالحماية الذاتية كأحد أهم وظائفها العامة. الحماية الذاتية من مختلف الأخطار والتهديدات التي تقدم من مختلف الجهات. كما في حالة الحرائق وغيرها من المخاطر المهددة. إنه واجبنا كلنا دون استثناء. طالما أن كل شخص في الإدارة الذاتية عضو في كومين الحي الذي يقطنه أو المؤسسة التي يعمل فيها وتنتمي إلى كومين معين. وهذا هو الماء الكفيل بإطفاء حرائق الموسم الحالي، والحرائق الأخرى؛ من أنواع أخرى. إن مجتمعاً كومينيالياً مُفَعّل فيه الكومين لا يشهد الحرائق. لا تهدده الحرائق؛ إنما ضمان الأمن والأمان والاستقرار لمجتمعه.
عموماً فإن دموع الأمهات والحزن الذي على وجوه الرجال الذين احترقت مواسمهم تؤكد بأن الرسالة من حرق الموسم قد وصل. ولكن لا يتوقف الموضوع هنا ولا ينتهي أيضاً. فالجواب الأنسب هو الاستمرار. هو الحفاظ على النسبة الكبيرة المتبقية من الموسم الحالي، والالتزام بالتعليمات المستمرة التي تصدر عن الجهات المختصة. وتعويض الإدارة الذاتية لمن تضرر، والتي وعدت التعويض لمن يتضرر. متروكاً لإمكانياتها ولظروفها تحديد مثل هذا التعويض. كما أن الجواب الفعلي والرسالة الحقيقية هذه الأوقات تكمن بأن خيار الإدارة الذاتية يبقى الأفضل فالأكثر متماسكاً. وفي تماسكه يعود الفضل إلى دماء وجروح حوالي ال 40 ألفاً من قوات سوريا الديمقراطية كرمز عالمي بالضد من الإرهاب وفي الوقت نفسه العامل الأكثر ضماناً نحو سوريا لا مركزية ديمقراطية في صيغة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق