جولة الصحافة

تركيا وروسيا تتصارعان في إدلب

شهدت الأسابيع القليلة الماضية أسوأ المعارك التي جرت هذا العام في محافظة إدلب، آخر معقل خاضع لسيطرة مقاتلي المعارضة المسلحة في سوريا. لقد تصرفت روسيا والحكومة السورية بشراسة بعدما قامت جماعة المعارضة المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي تسيطر على معظم المحافظة، هيئة تحرير الشام، بتعريض حياة مئات الآلاف من الناس للخطر.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الأحد “نما إلى علمي أن روسيا وسوريا، وإيران بدرجة أقل، تقصف بشدة محافظة إدلب في سوريا وتقتل دون تمييز كثيراً من المدنيين الأبرياء.. يشاهد العالم هذه المجزرة. ما هو الهدف، ما الذي سيحصلون عليه؟ توقفوا!”

وقُتل ما يربو على 310 مدنيين و630 مقاتلاً منذ الثلاثين من أبريل، بينهم أكثر من 130 طفلاً، وفقاً لما ذكرته الأمم المتحدة وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا.

واتفقت أنقرة وموسكو في شهر سبتمبر على إنشاء مناطق لخفض التصعيد في إدلب، حيث وافقت تركيا على تحمل مسؤولية إبقاء جماعات المعارضة المسلحة هناك تحت السيطرة. وانتقدت روسيا وحكومة الرئيس بشار الأسد تركيا لتقاعسها عن الوفاء بنصيبها من الاتفاق، ومنذ ذلك الحين بسطت هيئة تحرير الشام سيطرتها على جزء كبير من المحافظة.

والآن يهدد الهجوم الروسي والسوري بإطلاق موجة جديدة من اللاجئين السوريين، حتى مع استضافة تركيا بالفعل لنحو 3.6 مليون.

لقد نزح ما يزيد على 250 ألفاً من سكان إدلب البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة منذ أوائل مايو، ما دفع تركيا إلى الإصرار على تنفيذ وقف إطلاق النار. لقد وجهت أنقرة لعدة أسابيع غضبها ضد دمشق فحسب في محاولة واضحة لتجنب إثارة غضب موسكو. لكن يوم الأحد، ذكرت وكالة بلومبرغ للأنباء أن تركيا ربما بدأت تضغط على روسيا لكبح جماح جهود دمشق لاستعادة السيطرة على إدلب.

تمثل التطورات تذكرة بالمصالح المتباينة لتركيا وروسيا، الداعم الأساسي للأسد، وإيران، وتثير تساؤلات بشأن كيفية التغلب عليها.

وأشار وزير الخارجية التركي الأسبق يشار ياكيش إلى أن روسيا وإيران تدعمان سيادة ووحدة الأراضي السورية، في حين أن أنقرة، مثلها مثل واشنطن، تفضل رؤية معارضة مسلحة كبيرة في إدلب لممارسة الضغط على الحكومة السورية.

يتناقض هذا الموقف مع موقف تركيا فيما يتعلق بالجماعات المسلحة التي يقودها الأكراد في شمال سوريا.

وقال ياكيش لموقع (أحوال تركية) “لن تكون سياسة متسقة إذا عارضت تركيا قيام الأكراد بإقامة كانتوناتهم أو مناطق الحكم الذاتي في شمال سوريا، في حين نفذت في إدلب سياسة تُضعف سيطرة الحكومة السورية على المحافظة”. وأضاف أنه يأمل أن يرى تحسناً في التعاون التركي الروسي في إدلب.

وقال كريم هاس، المحلل في مجلس الشؤون الدولية الروسي والمقيم في موسكو، إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه تركيا وروسيا في سبتمبر الماضي كان محكوماً عليه بالفشل منذ التوصل إليه.

وأردف قائلاً “كان من الواضح تماماً أن الاتفاق لن ينجح منذ البداية”، مشيراً إلى أن موسكو تعلم أنه خلال الوقت الذي كان من المفترض أن تقضي فيه تركيا على هيئة تحرير الشام، ستكون أيضاً على خلاف مع واشنطن بشأن شرائها المزمع لنظام إس-400 الدفاعي الصاروخي الروسي.

وقال “الآن، يقترب تاريخ تسليم أول إمدادات من منظومة إس-400، والوجود الأميركي في سوريا لا يزال قائماً كما كان قبل تسعة أشهر.. بالإضافة إلى ذلك، تسيطر هيئة تحرير الشام الآن بشكل كامل تقريباً على محافظة إدلب مقارنة بالسيطرة الجزئية عند التوصل إلى الاتفاق”.

ويعتقد هاس أن موسكو بقصفها الأخير، تشير إلى استعدادها للسماح للحكومة السورية بالسيطرة الكاملة على إدلب، ولكن ببطء وبشكل تدريجي. ومع ذلك، فإن هذا الأمر عرضة للتغيير.

وتابع قائلاً “إذا غيرت أنقرة رأيها بشأن شراء منظومة الدفاع الصاروخي إس-400 فمن المحتمل جداً أن يكون أول رد روسي على مثل هذا القرار هو الإسراع في عملية إدلب”.

وستتمثل النتيجة في تدفق هائل للاجئين على تركيا. ويشك هاس في أن روسيا ستعرض على تركيا أي حل وسط بشأن إدلب في المستقبل القريب.

وقال هاس “ربما يتعين على تركيا تقديم خطة بديلة بشأن إدلب لتفادي تدفق جديد للاجئين والحيلولة دون وقوع أزمة إنسانية.. قد تحاول أنقرة الوصول إلى حل وسط جديد لإنشاء منطقة عازلة في شمال إدلب للمدنيين”.

وقال نادر أوسكوي، الزميل البارز في المجلس الأطلسي، إن إيران مستعدة لدعم تحرك الحكومة السورية لاستعادة السيطرة على البلد بأكمله.

وأردف قائلاً “انتزاع السيطرة على إدلب يمثل أولوية قصوى.. تضع إيران القوات البرية التابعة لفيلق القدس تحت قيادتها لمعركة حاسمة على إدلب”.

ويمثل فيلق القدس الذراع الخارجية للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، والذي أثبت فعاليته في مساعدة حكومة الأسد على النجاة من الصراع السوري.

ومع ذلك، ستظل إيران وسوريا بحاجة إلى دعم روسي قوي، وربما تعاون تركي، من أجل انتزاع السيطرة على إدلب، على حد قول أوسكوي.

وقال أوسكوي “للحفاظ على الدعم الروسي واسترضاء أنقرة، قد تكون إيران مستعدة لقبول منطقة أمنية تركية واسعة على طول الحدود الشمالية بدلاً من تعاون أنقرة في سحب القوات تحت قيادتها من المنطقة”.

من ناحية أخرى، تواجه إيران مشاكل اقتصادية نتيجة للعقوبات الأميركية، في حين تم تقويض فيلق القدس من قبل الولايات المتحدة التي وضعت الحرس الثوري الإسلامي على قائمتها للجماعات الإرهابية.

وقال أوسكوي “تركيا وروسيا في وضع أفضل الآن لانتزاع تنازلات من إيران – لم يكن ذلك ممكناً قبل بضعة أشهر”.

أحوال تركيا

المقالة تعبر عن رأي ” أحوال تركيا” وليست بضرورة ان تعبر عن رأي موقع “خبر24”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق