شؤون ثقافية

معضلات الثقافة الكردية

في محاضرة لجلال زنگابادي(12/10/1994) *

معضلات الثقافة الكردية
في محاضرة لجلال زنگابادي(12/10/1994) *
بتقديم الأديب المعروف حسن سليڤاني، وضمن موسمه الثقافي الحالي ؛ استضاف (إتحاد الأدباء الكرد في دهوك) بالتنسيق مع جريدة( پيمان) و(مديرية الثقافة الكردية في دهوك) استضاف الأديب جلال زنگابادي (محرر خبات الثقافي) لإلقاء محاضرته الموسومة (معضلات الثقافة الكردية ودور المثقف…) في الساعة الرابعة والنصف من عصر يوم الأربعاء(12/10/1994) بحضور جمهرة طيبة من مثقفي مدينة دهوك وما جاورها…والذي استلفت الأنظار، منذ الوهلة الأولى، ان المحاضر لم يستند إلى نص مدوّن لموضوعه، وإنّما إنطلق متحدثاً إلى الجمهور إعتماداً على ذاكرته المشفوعة ببضع قصاصات بمثابة (رؤوس أقلام) ولأهمية وخطورة الطروحات الواردة في محاضرته، حيث أورد آراء جريئة ورائدة، تتطلّب المزيد من النقاشات والسجالات المعمّقة؛ سنحاول إختزال المحاضرة( استناداً إلى الشريط المسجّل) مركزين على القضايا الجوهرية فيها، تاركين التفاصيل الثانوية جانباً، مفضلين إستحضار خطابه باختزال، مع فسح المجال لضميريّ ( المتكلم والغائب) اللذين سيتيحان لنا ضبط المشهد المنشود:
“…أيها الحضور الكرام! ما يؤسفني هو انني سأتحدث إليكم بالعربية اضطراراً؛ لأنني لاأتقن التكلم بالكرمانجية الشمالية، التي حالت الظروف القاهرة بيني وبينها، ولم أتمكن تلافي قصوري هذا لحد الآن!
سأتناول هنا معضلات ثقافتنا الكردية، التي تراكمت وتفاقمت منذ قرون، متداخلة ومتقاطعة في ما بينها آخذة أحياناً حالات الإرتباط بين الأسباب والنتائج وتبادل الأدوار؛ لذا فإن التقديم والتأخير في تناول هذه المعضلة أو تلك لا يعني شيئاً جوهرياً ذا دلالة..ثمّ إن آرائي لن تكون الحكم الفصل فيها؛ فهي نابعة من محاولات استقرائية، أو بالأحرى من مقاربات اجتهادية قد تصيب أو تخطأ…. “
وبعدها تناول المحاضر بصورة مركزة تعددية تعريف الثقافة والمثقف، وعرّج على دور الثقافة وأهميتها الإجتماعية ومنزلة المثقف لدى الشعوب والأمم، مؤكّداً ذلك بإيراد وذكر العديد من الأمثلة والشواهد، منها: كيف ان الأدباء والمفكرين مهّدوا الجو العام بشكل فعّال للثورة الفرنسية، وموجة إنتحارات الشبان والشابات إثر نشر رواية (آلام ڤارتر) للأديب الألماني الكبير غويته، والتأثير الحاسم لرواية (كوخ العم توم) في التعبئة لإلغاء العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف استمات جنود سوفيات لإسترداد رواية (الأرض البكر حرثناها) لشولوخوف، كانت قد وقعت أسيرة بأيدي النازيين! ثم ضرب مثلاً معاصراً بهذا الصدد:
{…بضعة أدباء وفنانين مبدعين من أمريكا اللاتينية استطاعوا إيصال أصوات شعوبهم إلى أسماع البشرية في أرجاء المعمورة أفضل من مئات الأحزاب والمنظمات المختلفة، التي لم تستطع أن تجاريهم في ذلك ! ولذا لم يقل تشرشل اعتباطاً: “إن بريطانيا لمستعدة للتنازل عن كل مستعمراتها، لكنها غيرمستعدة للتنازل عن أدب شيكسبير”!}
واستكمالاً لمكانة الثقافة والمثقف، تناول زنگابادي أنماط المثقفين:
” سأستهدي أساساً بتخريجات المناضل والمفكر الإيطالي الكبير گرامشي في فرز أنماط المثقفين عندنا، وتجلّيات سلوكهم الثقا- إجتماعي، وقبل ذا ينبغي عليّ إيراد قول الفيلسوف سارتر: ” إنّ المثقّف هو الشّاهد (…) على المجتمعات الممزّقة التي تنتجه؛ لأنّه بستبطن تمزّقها بالذات؛ فهو إذنْ ناتج تاريخي” :
1- المثقف التقليدي- الذيلي، القائل(نعم) وهو ضالة الساسة المنشودة، والمهيمن دوماً!
2- المثقف الإنتهازي- المتذبذب( الثعلبيّ)
3- المثقف العضوي- الثوري ( النادر كالكبريت الأحمر) والمهمّش دوماً حتى لو كان منتظماً في حزب سياسي “
وبعد شرح مقتضب استوجبه الزمن المتاح للمحاضرة، طرح الأديب جلال زنگابادي إجتهاده الداعي إلى نمط بديل؛ يحتاجه المنعطف التاريخي الراهن والمستقبل، ألا وهو ( المثقف المستقبلي) حسب تسميته:
{ هذا النمط المنشود هو (المثقف العضوي) نفسه، لكنه مطوّر بالإرتكاز على (النزعة الموسوعية) و (الإستقلالية عن الساسة)..إنه نمط جديد؛ تحتّم وجودَه الضرورتان المتواشجتان (التاريخية والمستقبلية) ولذا يمكننا نعته بـ (المثقف المستقبلي) وهنالك العديد من الأمثلة، التي يزخر بها تاريخ البشرية، لاسيما أولئك الذين سبقوا حتى عصورهم بعطاءاتهم الإبداعية الهائلة، التي حظيت بديمومة الخلود…ومن سماته البارزة: إنه ينطلق من منظور مستقبلي مبرمج وشبه حلمي، لا ماضوي، وغير قدري؛ لكونه يدرك بعمق وشمولية رسالته الستراتيجية شبه الرسالية(النبويّة) ومن أهم مقاصده وطموحاته هو إرساء (سلطة الثقافة) والإبداع الأصيل، مقابل(سلطة السياسة)! ولابدّ أن يكون بالضرورة مواظباً مثابراً على الموسوعية المعرفية، ويلهج دوماً بـ ” كمْ أجهل…….!” وليس بـ ” كمْ أعرف!” مقتفياً خطى گوركي القائل: ” تعلّم؛ ثمّ علّم الآخرين” أي يكون (كوجيتوه) :- ” أنا أتعلّم باستمرار؛ إذنْ سأوجد ” وإلاّ فإنه سيعجز عن مسايرة حركة التاريخ المتصاعدة، وفي هكذا منعطف شائك وخطير من تاريخنا القومي }
ثم إنتقل زنگابادي إلى صلب موضوع محاضرته:
{ إن أبرز المعضلات، أي المشكلات التي تفاقمت بتراكمها التاريخي، وباتت عسيرة الحلول، وهي تسود الواقع الثقافي في سائر أجزاء كردستان، وتشكّل إرثاً هائلاً من المعطى التاريخي الإستثنائي والمعقد جداً، وهي متعددة ومتشابكة عويصة، لا تجدي معها الحلول التقليدية المألوفة؛ إذ هل يمكن علاج المصاب بالسرطان أو الايدز بأقراص ضد الصداع والإسهال؟!
سنحاول هنا تقديم مشهد مكثف للمعضلات المقصودة، ماهياتها، مفاهيمها، أسبابها وسبل حلولها:
• التخلف العام:
يحضرني آخر تعريف للأمّي من منظور ياباني، وهو: ” كلّ من لا يجيد إستخدام الكومبيوتر”! أأقول: يا للهول! أم : يا لها من نكتة طريفة؟! فأغلبنا أمّيون حسب هذا التعريف! واضح جداً ان تطوّرنا الثقافي بطيء جداً، وتتباين المستويات الثقافية بين هذا الجزء من كردستان الكبرى وذاك، والتخلف العام السائد رهيب الحجم حتى في كردستان العراق؛ بالمقارنة مع مستويات الثقافات المجاورة: العربية والإيرانية والتركية..فتصوّروا الحال بالمقارنة مع أوربا! وتجاوزاً لكلّ الطروحات التبريرية التقليدية يحق لنا التساؤل:- ألا يمكن لأديب كردي ذي تجربة ثريّة وثقافة موسوعية أن يبدع أعمالاً تضاهي الإبداعات الافريقية والأمريكولاتينية، مثلاً؟ لمَ لا؟ إذا ما سلمنا بحقيقة جلية، وهي ان العملية الإبداعية فردية وإستثنائية إلى حد بعيد، تتجاوز معطيات البيئة القائمة؛ وإلاّ لما كان يظهر أيّ مبدع كبير، ناهيكم عن العمالقة، في الظروف اللامواتية (السياسية بالأخص)، أي لما كان يظهر أيّ مبدع عملاق في أمريكا اللاتينية، افريقيا، آسيا، وحتى بلدان غير متقدمة في أوربا…وما أكثر الأمثلة: كازانتزاكي من اليونان، أمريتا پريتام من الهند، نادين كّوردميير من جنوب افريقيا، نايپول من ترينيداد، كونديرا من چيكوسلوڤاكيا، واسماعيل كاداره من ألبانيا…ثمّ ألمْ يبدع دانتي العظيم كوميدياه الإلهية رهن الملاحقة والتشريد والنفي والجوع، وهو أسطع نموذج لأديب يساهم في توحيد أمته لغوياً وأدبياً، قبل توحّدها سياسياً ببضعة قرون؟! وربّما يعرف بعضكم أن غويته العبقري الموسوعي قد أبدع روائعه الأدبية والفكرية، في حين كانت ألمانيا مبعثرة على(36 مملكة وإمارة…)!
لقد تماديت في ضرب الأمثلة؛ للتأكيد على كون (العلّة العظمى) فينا نحن الأدباء والفنانين والمفكرين الكرد، وعسى أن يتخلص أغلبنا من عقدة الشعور بالدونيّة! وهنا أرد بحسم على الذرائعيين التبريريين الكثر عندنا بتساؤلي الآتي :- ألا تتحسسون نهوضاً ثقافياً عارماً لدى إخوتنا كرد سوريا، المفتقرين إلى أيّ تمويل ودعم ماليين، ناهيكم عن افتقارهم إلى أيّ كيان سياسي حتى الأوتونومي (الحكم الذاتي)؟! فقد راحت أعمالهم الأدبية والفنية والبحثية خلال السنوات الأخيرة تتجاوز الكثير من نظيراتها في (كردستان المحررة) بل وتذكّرنا إستماتتهم الثقافية والإبداعية بقول مأثور لدى قبائل(زولو) الافريقية: ” الأفضل أن تتقدّم وتموت من أن تتوقف وتموت”
*غياب الوحدة الثقافية:
تفتقر الثقافة الكردية منذ نشوئها إلى الوحدة والتوحد، حيث يتشعب الغياب ويطغى كمعضلة مزمنة على شتى المناحي الثقافية (باستثناء الفولكلور نوعمّا) وأبرز تجلياتها هو الإفتقار إلى اللغة الأدبية والأبجدية الموحدتين. وهنا سنحاول تلخيص الأسباب المشخصة من قبل عدد من باحثينا الأفاضل أمثال الدكاترة: عزالدين مصطفى رسول، جمال نبز وفؤاد حمه خورشيد، مع إضافة اجتهادي المتواضع المتعلّق بـ ( الإنغلاق اللهجوي):
1- إفتقار الكرد منذ القدم إلى كيان قومي سياسي موحّد ومستقل، رغم قيام بضع دويلات وإمارات ذات حكم ذاتي هنا وهناك ضمن الدول الإسلامية المتعاقبة (العباسية، السلجوقية، الصفوية والعثمانية..) في حين ظلت كردستان بمثابة (المجال الحيوي) لدول الإحتلال: العربية، الفارسية والتركية.
2- إفتقار الكرد إلى كتاب ديني مقدس ذائع باللغة الكردية كـ (القرآن العربي السقف الحامي لوحدة اللغة الأدبية العربية منذ ظهور الإسلام…) بل تأخرت حتى ترجمة معاني القرآن وتفسيره باللغة الكردية، في حين كان المفروض إنجازهما منذ قرون. أمّا النصوص الكردية المقدسة لدى الإيزدية و طائفة أهل الحق اليارسانية ( ومنها الكاكائية) فقد ظلت غنوصيّة غيتوية كأصحابها، أي غير رائجة وغير موحّدة للغة الكردية، مع فضلها في الذود عن كيانها من الإنقراض!
3- التأثير السلبي للتضاريس الجغرافية (الجبليّة خاصة) في المواصلات والإتصالات، حتى الماضي القريب، ومع ذلك لولا التضاريس الجبليّة الوعرة والفولكلور الكردي والإنتفاضات والثورات هنا وهناك؛ لكانت الأمة الكردية الكردية قد إنقرضت منذ بكرة أبيها!
4- إنعدام وسائل التواصل الحضاري- الجماهيري ، الإعلامية بالأخص، حتى الماضي القريب ، بالإضافة إلى تأخر ورود المطابع إلى أجزاء كردستان.
5- غياب وحدة الإقتصاد الكردستاني، بما فيه من قوى الإنتاج ووسائله وأسواقه، وعلائقه بالخارج.
6- (الإنغلاق اللهجوي) الذي لم يفطن إليه حتى أيّ باحث مختص كردي أو غير كردي لحد الآن، وهو في رأيي بأهمية السبيين (الأول والثاني) وبالطبع لم ينتبه إليه ولم يتخطاه الأدباء(خاصة الشعراء) الكرد القدامى ، بل حتى المحدثون والمعاصرون ( من الشعراء وحتى مصنّفي القواميس) فقد كان في مقدورأولئك القدامى أن يلعبوا أدواراً مهمة في لم شتات اللهجات الكردية (التي كانت أقرب إلى بعضها البعض ماضيئذ) مثلما فعل دانتي العظيم قبل قرون من توحد إيطاليا سياسياً.
ولابدّ من الإعتراف بأني ماكنت أنتبه لهذا السبب المهم جداً؛ لو لم أتعلّم اللغة الأدبية الكردية، في العشرين من عمري كتلميذ شبه أجنبي! ولئن فوجئت بشتات لهجوي مريع في تراثنا الأدبي المبعثر؛ رحت أتقصّاه في جميع لهجاتنا الرئيسة والثانوية؛ فبانت لي حقيقة مؤلمة جداً، ألا وهي سيادة الغيتوات اللهجوية وغياب الحوار اللهجوي، فضلاً عن القطيعة المكانية والزمانية بين تراثات اللهجات، حيث كانت الأواصر بينها والمواظبة التواصلية واهية جداً، وطبعاً يقع اللوم على شعرائنا القدامى (المقصّرين) حتى المتميّزين منهم بشعوره ووعيه القوميين أمثال: احمد خاني، نالي وحاجي قادر كويي! أجل؛ فللأسف الشديد، ويا لها من مفارقة مريرة جداً، كانوا منغلقين لهجوياً، مستمرئين الإنغلاق اللهجوي والشتات اللهجوي ، في الوقت الذي كانوا منفتحين بكل ما في وسعهم على اللغات المجاورة: الفارسية، العربية والتركية، بل ويبدعون بها كأبنائها الأفذاذ! وللتأكد من هذه الحقيقة؛ ما عليكم إلاّ بالعودة إلى الأقسام : الفارسية والتركية والعربية في دواوين شعرائنا البارزين باللهجات: الكرمانجية الجنوبية(اللرية)، الهورامية،الكرمانجيية الشمالية والكرمانجية الوسطى( السورانية تسميتها المتداولة بالخطأ) فضلاً عن التأثر بتراثات اللغات المجاورة في أشعارهم الكردية، وانعدام التواصل اللهجوي ، أي غياب التأثر والتأثير المنشودين بين تراثات لهجتاهم الكردية!
رغم كل ماسبق؛ ينبغي ألاّ نتشاءم بخصوص إرساء إرهاصة اللغة الأدبية الموحدة؛ بشرط تلافي الحل التقليدي، الذي يقدّم (الوحدة السياسية) على (الوحدة الثقافية، بما فيها اللغة الموحّدة) وبالطبع يفاجيء هذا التفاؤل الكثيرين ممن لا يتلمّسون توافر الركائز القوية المتجذرة في أرض الواقع، وإن ما أطرحه هنا ليس وليد نزوة عابرة؛ فقد تبلورت قناعتي و ترسخت على مدى ربع قرن من استقراء هذه المعضلة الأساسية من معضلات ثقافتنا القومية، وبالمقاربة والمقارنة مع مثيلاتها لدى الشعوب والأمم الأخرى…
إذا كان الكرد في أجزاء كردستان (الموزعة قهراً وجبراً على الدول الأربع) يطمحون إلى التوحد في كيان سياسي موحد، على المدى القريب أو البعيد، وهو طموح مشروع ضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها(وهنالك الآن بضع دول مستقلة لا تزيد مساحة وعدد نفوس الواحدة منها عن محافظة كردستانية واحدة!)؛ فعليهم أن يعدّوا (اللهجة الأدبية الكرمانجية الشمالية) أساساً لتكوين اللغة الأدبية الكردية الموحدة، طبعاً بتطعيمها جوهرياً بقواعد اللهجات الأخرى(الكرمانجية الوسطى بالأخص) مع السعي الجاد إلى التقريب بين قواعد شتى اللهجات الكردية، إستناداً إلى العوامل والقواسم المشتركة المتواجدة بينها، أمّا الدمج المعجمي بينها فهو يسير جداً؛ فلابدّ من أن يحتضن القاموس الكردي الجامع كل مفردة كردية (أصيلة تسدّ ثغرة تعبيرية هنا وهناك) من أقصى اللهجة الجنوبية (اللرية بتشعباتها..) حتى أقصى لهجة كرد خراسان، مروراً باللهجتين المتقاربتين(الهورامية ذات التسميات المتعددة) و(الزازاكية/ الدملية)
وبالطبع تظل لهجاتنا متداولة في التخاطب وحتى التدوين؛ شأنها شأن لهجات جميع الشعوب والأمم ذات اللغات الأدبية الموحّدة، ومنها أكثرها تطوراً وتقدماً…أمّا تعليل المفاضلة باختيار اللهجة الأدبية الكرمانجية الشمالية كحاضنة للغة الكردية الأدبية الموحدة ( مع قناعتي بتفوّق قواعد الكرمانجية الوسطى على قواعدها عموماً) فأوجزه كما يلي:
– يتحدث بها أكثر من ثلثيّ الكرد في العالم، وتسود أكثر من ثلثي مساحة كردستان (المناهزة لنصف مليون كيلومتر مربع) وفي جميع أجزائها.
– تضم تراثاً أدبياً عريقاً كبيراً، لم تنقطع ديمومته وصيرورته منذ خمسة قرون.
– حل مشكلة التدوين؛ باختيار الأبجدية اللاتينية (المعدّلة) منذ أكثر من ستة عقود، وهي بالمقارنة مع الأبجديتين (العربية المعدّلة) و(الكيريلية، المسمّاة بالسلافية والروسية) تتفوّق في: إستيعابها الملائم للألفاظ الكردية بلا مشكلات تدوينية وقرائية؛ حيث تُكتب كما تُلفظ، وبالعكس/ سهولة تعلّم القراءة والكتابة بها؛ بالمقارنة مع الأبجديتين الأخريين، أي الإقتصاد في الوقت والجهد/ الإقتصاد في المساحة التدوينية، بالمقارنة مع الأبجديّة العربية المعدّلة، فلو دوّنا نصّاً كردياً ما بالأبجديتين (العربية واللاتينية) بنفس حجم فونت ما(12مثلاً) وطول السطر؛ لوجدنا مساحة التدوين اللاتيني أقل من التدوين العربي)/ تيسّر الأبجدية اللاتينية التواصل الثقافي(خاصة) بين الكرد وبين أكثر أرجاء العالم، كما تيسّر تعلّم الكرد للغات ذات أبجديات لاتينية، مثلما تيسّر تعلّم اللغة الكردية لأبناء تلك اللغات؛ فلا عجب ولا غرابة إذنْ؛ إن اختارت دولة آذربايجان ودول آسيا الوسطى (ماعدا تاجيكستان): تركمانستان، أوزبكستان، كازاخستان وقرغيزيا ….ناهيكم عن كرد الإتحاد السوفياتي البائد، إختارت الأبجدية اللاتينية بديلة للأبجدية الكيريلية، مع دوام التعايش فيما بينها، أمّا تاجيكستان فقد عادت إلى الأبجدية الفارسية (العربية المعدلة) مع دوام التعايش مع الأبجدية الكيريلية، التي لا يمكن الإستغناء عنها؛ نظراً للعلائق الوطيدة مع الدولة الروسية وغيرها…
إن ما ذكرته بخصوص الأبجديات جملة حقائق علمية، ولا يعني القطيعة الكاملة والنهائية مع اللغة العربية الحبيبة وحروفها الأجمل من أكثر حروف أبجديات الدنيا؛ فلابد لدوام التواصل والتعايش…وهنا لا بد من الإشارة إلى وجود دعاة استبدال الأبجدية اللاتينية بالألفباء العربية حتى بين العرب أنفسهم ( في لبنان مثلاً)…ثم لا يجوز لأديب قومي ديموقراطي مثلي إتخاذ موقف أغلب الساسة والمثقفين الكرد، الحريصين على تعليق خارطة كردستان الكبرى، بينما يفكرون ويتصرفون بعقلية متخلفة وقاصرة ( مشيخية وإماراتية)!
*الحوار الثقافي:
حتى(الكردي- الكردي) ضعفه جليّ لكل ذي بصر وبصيرة! أمّا الحوار(الكردي- ؟!) ألم يشخص البارزاني الخالد بحرقة ومرارة أهم سبب من أسباب غيابه، ذات يوم من أيام 1974 : ” إن النفط اللعين يحول دون وصول صوتنا إلى العالم!” ؟
لقد إستشهدت بقول الزعيم البارزاني؛ لأن الحوارين الثقافي والسياسي متلازمان. ولئن كانت كردستان وماتزال ضحية وفريسة للمآرب الجيوبوليتيكة الاقليمية والعالمية؛ فمن الواضح جداً أن حوارنا الخارجي مرهون دوماً بالمصالح والأوضاع الاقليمية والعالمية، وغالباً ما يطغى عليه الغياب، بل يكون (طرشانياً) حتى لو وجد! إنْ لم يكن بصيغة فرامين من الطرف الآخر! ثم الأتعس والأنكى من ذلك هو غياب حوارنا الداخلي الصميمي الحميمي حتى داخل هذا الجزء أو ذاك من كردستان الممزقة؛ مادام قادتنا الساسة المنقذون يستهويهم حوار الإحتراب بمدافع الـ (106ملم) والمدفع (النمساوي)!
ولأن الحوار يمثل السبب والنتجية في الوحدة الثقافية، وفي الوقت نفسه؛ فيجب علينا أن نضم صوتنا إلى صوت أستاذنا محمد بوز أرسلان، الذي إقترح عام 1995 عاماً دولياً للإحتفاء بشاعرنا القومي الكبير احمد خاني، الذي نادى بوحدة الكرد قبل أكثر من ثلاثة قرون! عسى ولعل أن يجد هذا المقترح الآذان الصاغية من لدن أولي الأمر وصناع القرار…
*الغزو الثقافي:
لطالما رافق الإحتلالات المتعاقبة لكردستان، التي تعرضت منذ قرون مديدة للتعريب والتتريك والتفريس..ومازال متواصلاً مستهدفاً هويتنا القومية بالتشويه والمحو…وها هي (الأحزاب الكردستانية) في كردستان المحررة تساهم عبر قنواتها التلفزيونية خاصة في تسريب هذا الغزو بصورة مشينة ومخجلة من حيث تدري أو لا تدري؛ للأسف الشديد، فما أكثر الشواهد والأمثلة من أفلام الرعب والجنس والعنف والجريمة والجاسوسية، التي تبثها القنوات المذكورة، والتي أمست تحرّف أخلاق الشبيبة الكردستانية…وإلاّ أين هي ثقافتنا القومية الأصيلة في هذه القنوات المروجة للغزو الثقافي؟ يا ترى هل تتجسّد في نهيق وزعيق المطربات التركيات (اللواتي أغلبهن خنثاوات)؟!
• سلطة الثقافة:
وهي تعني سلطة الحكمة والعقول المبدعة والديموقراطية، وتقوم أصلاً على التسيير الذاتي، دونما وصايات قسرية، وهي تعني فعلاً(السلطة الرابعة) التي يكون لها التأثير الحاسم على صنّاع القرارات: السياسية، الإقتصادية والإجتماعية…والبرمجة والتنمية…ولكن أين دور هذه التنظيرات الحلوة الزاهية في وضعنا الذي تسوده العشوائية؟!
إن الفهم السياسي الضحل والمبتذل هو المتسلّط كسيف ديموقليس على رقبة ثقافتنا ومبدعينا، حيث يخال الساسة الواهمون بأن الدعاية هي الإعلام كله، ومثل هذا الإعلام هو الثقافة كلها؛ فتجدهم يفرضون الجزء على الكل بوصاية بطريركية مقرفة مسنودة بپهلوانية بروكروست! وتكمن هنا علّة الإهدار الهائل في الطاقات والجهود والأوقات الذهبية، في حين يطغى الخطاب الدعائي- الإعلامي الممزق، الذي يدبجه المثقفون الذيليون والإنتهازيون المتكسبون؛ فكيف يتبوّأ الكادر المناسب، المكان المناسب؟! وكيف لا تنشلّ الإتحادات، المنظمات والجمعيات الأدبية والفنية والعلمية والمهنية؟! يا ترى متى سيدرك قادتنا السياسيون أن التابعين الأذلاء والدخلاء والأدعياء المرائين لا يمكن أبداً أن يكونوا مبدعين جريئين، بل ويشكلون أشد الأخطار على ثقافتنا وقضيتنا القوميتين المتلازمتين؟!
وهنا يجب أن نرفع أصواتنا مجهرين:
– دعوا شؤون الثقافة والإبداع لأهلها، لا للعفلقزادات المخضرمين والمنتحلين و(لصوص الطباعة) المهيمنين على الأجهزة والمؤسسات والمرافق الثقافية الحكومية والحزبية!
لقد صدّق المناضل والمفكر پاولو ڤرايري: ” إمّا أن يخدم العمل الثقافي أهداف السيطرة، وإمّا أن يخدم أهداف التحرير”
• هجرة العقول والكفاءات:
وهي آفة عريقة ومزمنة ابتلت بها الأمة الكردية، ويمكننا درج قوائم طويلة بأسماء الأعلام المشاهير(من الأرومة الكردية) الذين إنسلخوا قومياً، وخدموا القوميات المجاورة؛ لأسباب ذاتية وموضوعية، لامجال للتفصيل فيها. وها هي الهجرة تتفاقم عقب الإنتفاضة بسبب الوضع المزري ، ثم اندلاع الإحتراب البغيض، فنرى هجرة الشبيبة وقد أضحت ظاهرة خطيرة جداً ؛ وطبعاً يقع اللوم على عاتق الأحزاب الكبيرة والصغيرة وحكومة الاقليم، وخاصة وزارتي التربية والتعليم العالي والثقافة…؛ فكم من مثقف أغتيل هنا وهناك! وكم من مثقف أهينت كرامته! وكم من مثقف إنهار من الجوع! في حين يسأم أكثر الساسة من التخمة والخواء!
من المؤكّد ان أصل البلاء هو افتقارنا إلى قادة مثقفين يدركون افتقارنا إلى سياسة ثقافية قومية تحررية وديموقراطية؛ هو ما يعلل كل هذه الفوضى واللامبالاة البليدة!
وختاماً أقول:
لقد أصاب أمانوئيل بوشباداس كبد الحقيقة حين قال: ” لعلّ بناء مجتمع إنساني سليم؛ هو الهدف لكلّ تنمية ثقافية” وعليه يمكن الجزم، و بمعاينة واقعنا بعد الإنتفاضة، أن الإستقلالين ( الثقافي والإقتصادي) هما جذر وساق الإستقلال السياسي، وليس العكس قطعاً.
وشكراً جزيلاً لصبركم على الإصغاء إلى استرسالي واستطرادي المتشعّبين }
وبعد الإنتهاء من إلقاء المحاضرة، إنبرى الأساتذة الأفاضل: محمد أمين عثمان، أنور محمد طاهر، رشيد فندي وعارف حيتو مستكملين ومثرين طروحات المحاضر بعد الإشادة بأهميتها…وقد إستغرقت المحاضرة والمداخلات والمناقشات زهاء الساعتين. وفي الختام سلّم الأديب جلال زنگابادي الديوان المخطوط للشاعر الدكتور مسعود كتاني آميدي إلى صهره، والذي كان قد أنقذه من التلف والضياع مع (25 كتاباً مخطوطاً آخر) في معمعة الإنتفاضة الشعبية العارمة في آذار 1991 حيث وجدها عرضة للتلف والضياع خلال فرهود مبنى الأمانة العامة للثقافة والشباب بأربيل!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* جريدة(خه بات) ع(747) الجمعة 21/10/1994 جلال زنگَابادي في محاضرة( معضلات الثقافة الكردية)، وهي منقحة بصورة طفيفة بزيادة بعض التفاصيل الملقاة فيها؛ حسب ما تستوجبها ضرورة الإفهام…وهي تعد موجزاً لابأس به من طروحات مشروعي الثقافي Peyamy ayinde ) رسالة المستقبل) المنجز في صيف1991 (ج. ز)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق