الرأي

ليس كل من ينتقد الإدارة الذاتية بالخائن وليس كل من يدافع عنها هو بالمطبِّل أو بالصحيح دائماً

سيهانوك ديبو

نعاني من مشكلة عويصة. حين تناول موضوع إشكالي ما سرعان ما يتم ملاحظة انتفاء المسافة إن لم نقل ضياعها. يستعصى علينا أن نكون في الإطار نفسه. يسهل فيها التموضع إلى جانبي الخط المتعاكسين. بالأساس فإن قضايا المجتمعية ليست بالقطعة المستقيمة التي أحد طرفيها آ وثانيها ب. فما بين الرقم واحد واثنين يوجد عدد غير منتهي من الأرقام. المجتمعات الحية وبشكل طبيعي موضوعي تنقسم فيما بينها قريباً ضمن الإطار الواحد؛ فلا تنفصل ما بينها أيضاً إلى تكتلين أو تكتلات كدليل للمجتمع الستاتيكي.

أن نتذكر قول يسوع عليه السلام: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. علّه أفضل الأقوال في شهرنا الفضيل هذا شهر رمضان المبارك. كما أنه من المهم جداً أن نعلم بأن الأنظمة الاستبدادية في مثال النظام المركزي الاستبدادي في دمشق حاول دائماً وأبداً وإلى اللحظة؛ ونجح إلى درجة معينة في إفراغ المجتمع السوري من قيمه. ليكون الجميع عنده وتحت مرمى أنظاره ضد الجميع؛ علماً بأن التاريخ يثبت بأن الجميع إلى جانب الجميع وفق خصوصية كل جمعٍ هو الأفضل. ويبدو لا خيار غير ذلك. فإن هام هموم الأنظمة الاستبدادية خلق المجتمع الاستهلاكي. وتحويل الفرد في المجتمع إلى مجرد فم. وبالتالي إسقاط أي امكانية لخلق حالة الانتماء أفراداً كانت أم جماعات.

الإدارة الذاتية ليست بالسلطة لأنها ليست بالدولة؛ بالأساس تأتت الإدارة لتخفيف سلطة الدولة المركزية وتحقيق أقصى حالة تشاركية أو مشاركة السلطات. مع العلم بأن بعض وظائف الإدارة الذاتية تتقاطع اللحظة ووظيفة السلطة؛ لأنها بالأساس الفكرة الجديدة التي ولدت على أنقاض النموذج الأكثر فشلاً: الدولة القومية المركزية التي هي على تضاد مختلف مع مفهوم مجتمعية المجتمع التعددي. الإدارة الذاتية تجعل السلطة المتسلطة في أدنى حالاتها. أما دعاة إنهاء الدولة بالمطلق فأعتقد بأنه بالمفهوم المغالي به. والدوغمائي إلى درجة كبيرة. فإدارة المجتمع لنفسه بنفسه بشكل كامل يلزمها الكثير من الوقت والجهد قد تصل إلى عشرات إن لم نقل مئات السنين. سوى أن ذلك يبقى المتوخى وبالمطلب الصحيح.

نقولها مرة أخرى: ما يحدث اليوم بخصوص تناول السياسة التسعيرية لمادتي القمح والشعير دليل التعافي؛ شرط أن ننقسم فيه ضمن المسافة الواحدة ولا ننفصل فيه بمواقف حدية غير مؤدية وغير مفيدة لا تلزمنا بالمرة.

وكما أنه ليس كل من في الخارج السوري هو بغير الوطني وبأن كل من في داخل سوريا هو بالوطني؛ فإنه ليس كل من ينتقد الإدارة الذاتية هو بالعميل والخائن، وكل من يدافع عنها هو بالصحيح وبالمطبّل. دائماً يجب الحفاظ على المسافة الصحيحة؛ بخاصة إذا كان هام همومنا ومطلبنا الدفاع عن المشروع الديمقراطي ونموذج الحل السوري المتمثل بالإدارة الذاتية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق