راي اخر

البراغماتية فلسفة العصر (الفلسفة المنتصرة)

البراغماتية فلسفة العصر (الفلسفة المنتصرة)

زكريا كردي

تعتبر الفلسفة البراغماتية من أكثر الفلسفات التي أثارت وتثير الجدل الفكري، لدى كثير من المفكرين والباحثين ،أو المشتغلين في حقل المعرفة والفكر الفلسفي . حيث تعرضت هذه الفلسفة، بالذات، للبخس والتناسي ، ومُورسَ عليها التجنّي والإفتئات، أما بدافعٍ إيديولوجي والتناول اللامنصف للفلسفة البراغماتية، وأما بدافع جهالة مدقعة، ودغمائية في قراءة النص الفلسفي بالذات.. ومن إعتقادي أن العقل البياني يتعامل النصوص الفلسفية تعاملاً أفقياً بحيث يلامسها تلامساً سطحياً بدلاً من النظر فيها شاقولياً وإعمال الذهن فيها من شك ونقد ومساءلة.
لقد مرً وقت طويل، قبل أن تحظى الفلسفة البراغماتية، بمثل هذه المكانة، التي نالتها في الفكر الإنساني العالمي بأنموذجه الجديد، وحتى تصبح بحق فلسفة العصر المنتصرة ، وتوشّح بشكل جلي ملامح التفكير الانساني المعاصر، والسائر بتسارعٍ إلى القرن الحادي والعشرين، والمتوقع منه أن يكون البداية الفعلية والعلنية لنظام العولمة الشمولي المرتقب .
وتبدى ذلك بوضوح بالغ، إثر الإخفاقات المُريعة لبعض الفلسفات العقائدية، وأنماط التفكير العقلاني المحض، ذات الصيغ المحددة سلفاً، والمنتهية في حقائقها، وخروجها من مختبر الواقع بشكل مُخزٍ لا لبس فيه.
لكن يبقى السؤال ، ماهي الفلسفة البراغماتية ..؟ وما هي أهم ملامحها ..؟
نشأت كلمة البراغماتيزم حين تساءل الفيلسوف الأمريكي تشارلز بيرس عن معنى الفكرة.. ومعنى العبارة.. ومتى يكون للفكرة معنى ، أومتى تكون العبارة صادقة. وكان أن انتهى بيرس إلى أن الفكرة الجيدة هي ما تعمله ، وأن معناها مرتبط بنتائجها بالضرورة ، وآثارها العملية المترتبة عليها . ثم صاغ هذا الفيلسوف كلمة براغما من كلمة ( براكتيس) والتي تدل على الفعل والممارسة، وهذا المصطلح مشتق من اللفظ اليوناني (براغما) ، ومعناه العمل والفعل.
والبراغماتية يمكن تحديدها على حد تعبير الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس من حيث هي :
أولاً : مجرد منهج فلسفي ، بمعنى اتجاه بالتفكير أو بالأسلوب ، وليست مدرسة فلسفية بالمعنى المألوف أو الشائع .
ثانياً : هي طريقة وأسلوب في التوضيح والتحليل والبحث .
ثالثاً : هي نظرية في الصدق ، ( وذلك فيما يتعلق بالمعنى والإعتقاد ) .
من هنا ، يمكن القول ظناً و تحليلاً : يتأتى معنى البراغماتية من حيث هي منهج أو إتجاه، يرمي إلى أن الفكر لايبلغ مرامه من الحقيقة، إلا بمقدار نزوعه نحو الواقع ، الذي تمتح منه الحقيقة أحقيتها ، وإلا إذا قاد هذا الفكر بحقائقه تلك، الإنسان المفكر إلى العمل الناجع ، وأوصله إلى نتيجة ما .. وإذا ما قلنا عن شخص ما أنه براغماتي ، فإننا نعني بذلك أن هذا المفكر أو العامل أو السياسي أو المبدع ,,, الخ إنما هو إنسان عملي تطبيقي ، لفحت حقائقه شمس التجربة والواقع.. وهو على الدوام ، يتوخى الجدوى في فكره ونشاطه وإبداعه دوماً ، أو بالمعنى الذي أدرجه الاستاذ جميل صليبا في معجمه الفلسفي المعروف حين قال :” أن الفكرة الصحيحة هي الفكرة الناجعة، أي الفكرة التي تحققها التجربة، فكل ما يتحقق بالفعل هو حق ، ولا يُقاس صدق القضية إلا بنتائجها العملية. ومعنى ذلك كله، أنه لايوجد في العقل معرفة أولية تُستنبط منها نتائج صحيحة بصرف النظر عن جانبها التطبيقي، بل الأمر كله رهنٌ بنتائج التجربة العملية ، التي تقطع مظان الاشتباه “.. ومن هذا ، يمكن الفهم أن الفكرة تكون صادقة وناجعة وفعالة، بقدر ما تُمكّننا من ربطها بأجزاءٍ أُخرى من خبرتنا، بطريقة تؤدي إلى سلوك ناجح في الحياة، وذو طائل يعود بجدوى مبتغاة.. كما ولا بُدَ أن تكون لها – أي الفكرة – قيمة فورية في الواقع الخارجي ( الأمر أشبه بقيمة أوراق النقد ) ، ومن ثم يتهيأ المرء من خلالها إلى الأخذ في إعتباره جميع الآثار المترتبة عملياً على هذه الفكرة .
ولهذا النمط من التفكير أو هذا البحث الفكري (البراغماتي) ملامح يتجلى أهمها :
1- الإعراض عن التجريد المطلق غير المنطقي القائم على الإيمانيات والغيبيات (الفذلكة) أو الحلول اللفظية للمشكلات الفلسفية.
2- النأي عن الجمل المحنطة أو الشعاراتية المعمهة، بمعنى إذا تناولت البراغماتية مشكلة ما من مشكلات الميتافيزيقا بالتوضيح والتحديد مثل : هل العالم مادي أم روحي ؟ وهل الإنسان مسيّر أم مخيّر .؟ ما هي علة الوجود الأولى ؟ وماهي ماهيتها ؟ … الخ يهتدي منهجها إلى تفسير مثل هذه المعاني والإشكاليات لا عن طريق مطابقتها مع الواقع ، بل عن طريق تتبع نتائجها أو آثارها العملية فيه .
3- تميل إلى عدم الأخذ بالأنساق الفكرية المغلقة أو بصحة المعتقدات الجامدة التي تتبنى المبادئ الثابتة (كدغمائيات الأديان ).
4- تتجه إلى دراسة الوقائع والأفعال التي تتناول تلك الوقائع ليس بغرض الكشف عن حقائق معينة أو تحقيق نتائج يقينية ثابتة ، إنما من أجل اتباع طريقة تساعد على تحقيق الأفكار والمعاني بأسلوب ناجح وفعال في الواقع العملي المعيش .
من هنا تسمى الفلسفة البراغماتية (الفلسفة العملية أو فلسفة العمل) ..
وقد جاءت تاريخياً تطويراً للاتجاه التجريبي العلمي ، وقد عبر وليم جيمس عن ذلك ” أن البراغماتية اسم جديد لطريقة قديمة في التفكير . وهي أي البراغماتية تمثل اتجاهاً مألوفاً من قبل في الفلسفة، هو الإتجاه التجريبي، وهي تعتمد على الواقع الخارجي، والركون كما يتبدى إلى خبراتنا الحسية ” .
ويراها آخرون قريبة الصلة بالفلسفة التحليلية ، بوجه عام ، وذلك لإعتماد البراغماتيين التحليل في كثير من المعاني لمعرفة ما هو زائف منها وما هو حقيقي . وذلك في مبحث المشكلات الفلسفية بعامة و المشكلات الميتافيزيقة بخاصة، والانتهاء إلى أن أكثرها مشكلات زائفة .
الجدير بالذكر : أن الفلسفة العملية (أو التداولية كما يطلق عليها في علم اللسانيات ) إنما هي فلسفة تؤمن بالتغيير كصفة ملازمة للوجود كتلازم الزمان والمكان ، تغير يفرض على المعرفة من خلالها تداولية تحسب لها كمأثرة ، تعتبر مكمن القوة الحقيقة لها ، وهي التي مكنتها من الانتصار على فلسفات اللغو والإيهام أو العقائد الشمولية ( الأديان) التي تعتقد أن الحقيقة منجزة ويقينية ، وأن هذه التداولية هي أسطع دليل على الحياة . وهي تفضي باستمرارية دئمة لانهائية إلى مستطردات تساهم في تعميق الفائدة وتسهب في إكمال طور الارتقاء بالواقع ، وتمكّن المباح التام أن يقدم جدواه وفعاليته ، طالما هي منفعة حقيقية وموجودة فعلاً ، وتدل عليها النتائج ، والعملية ككل ذات أس تداولي ، فاعل ومتفاعل ، ومرجعيته الحركة التي تحكم كل أوجه الواقع الموضوعي .
والمتداول معرفياً ، هو الذي يخضع لقوانين التغير والصيرورة، وبالتالي هو حتماً ، يكون فاراً من الوصاية الفكرية على الواقع .
ومن هنا ، فإن الجانب العملي الأهم في هذه الفلسفة التداولية هو تقديمها للكيفية في تناول الواقع ، وهذه الحالة التداولية حالة سوية لاتوقع الحقيقة في سجون الإطلاق أو مجاهيل الإيمان . مما قد يحرم الانسانية من التقدم ويضلها عن دروب التطور في أبسط أشكال المعرفة.
بكلمات أخرى: البراغماتية هي نقيض الدغمائية ، حيث لا إعتقاد جازم نهائي في صحة بعض الأفكار ولا قدسية لها .. والبراغماتي حر ، منفتح الذهن أمام كل إمكانات الطبيعة ، ولا يقوم فكره على معانٍ عقلية ثابتة ، أو تصورات قبليةٍ موجهةٍ. وبراغماتيته تعني لديه إخضاع أفكاره للنقد المتواصل .
لقد نظرت البراغماتية إلى المستقبل من خلال توجهيها الإنسان نحو المستقبل الواقعي، والجدوى والإرتقاء به عملياً ، بدلاً من صرفه إل غياهب الماضي ، ودون أن توقعه في النهايات التاريخية الطوباوية ، التي وقعت بها فلسفات وأيديولوجيات كثيرة ، قديمة وحديثة (كالماركسية وبعض الأديان وغيرها) ، والتي أرادت أن تطابق وتماثل الواقع مع الفكرة قسراً، واستباحت شعاراتها البراقة الإنسان ، ثم مالبثت أن إنقلبت إلى توصيات وقيود أو نصوص مقدسة تحد من فاعليته وتعيق تقدمه . على العكس مما فعلت الفلسفة البراغماتية (فلسفة الفعل والعمل والحرية ) التي ربطت المعرفة بالتجربة من حيث النتائج ، وكانت في ذلك أسلوب التغيير الأمثل الذي تطبقه على كل مناحي الواقع ، وأخيراً : إذا كان صحيحاً أن الأفكار رهن بمجرى الواقع فإنه من حيث النتيجة ، يعتبر الكل مباحاً له الحضور ، مقابل المنفعة والارتقاء، وهو الجوهر الحقيقي للفلسفة البراغماتية المنتصرة في القرن الحادي والعشرين .
المراجع :
قصة الفلسفة – ول ديورانت
موجز تاريخ الفلسفة – دار التقدم
البراغماتية – وليم جيمس
اتجاهات في الفلسفة الغربية المعاصرة – د.عزمي اسلام

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق