الرأي

قف لحظة وتمهّل. فإن 150 أكبر من 185

سيهانوك ديبو

ليس دفاعاً، وليس تبريراً. ليس تسويفاً، وليس تهليلاً. سوى أن الإدارة الذاتية التي تعتبر هي الحل الأمثل لحل الأزمة السورية. وبأن شكل الإدارات الذاتية أو على شاكلتها يعتبر الحلّ الموضوعي لكافة الأزمات في الشرق الأوسط. ويجب أن لا نتفاجئ في أنها قد تكون موضوعة اليوم بإلحاح على طاولة كبريات مراكز الدراسات والسياسات العالمية كمدخل لشرق أوسط آمن بشكل كبير وبالأكثر استقراراً. لذا فإنه من غير الإنصاف قبل أي شيء إنْ لم نقل بأنه هو التجني حينما يتم اتهام الإدارة الذاتية بأنها تهدف إلى تجويع الشعب.
لا أود الاسترسال في الجانب الفكري من جانب البراديغما في مفهوم الأمة الديمقراطية وتجسيدها الحيّ الإدارة الذاتية. وأتذكر هنا قول مأثور لفلاديمير لينين: (قد لا يفهم العامل ما هي المادية التاريخية وما هي المادية الديالكتيكية؛ سوى أنه يفهم ما العمل). وأجد بأنني أشارك مئات الآلاف إن لم نقل الملايين من أبناء شعب سوريا بأن السوري بات يفهم ما هي الأمة الديمقراطية والإدارة الذاتية لأنه أدرك ورأى بعينه كيف ساهمت هذه الإدارة بالحفاظ على مكونات شعب سوريا؛ على الجغرافية السورية؛ القطع على أي مشروع ماضوي سياسوي يرى بأن سوريا يجب أن تتجزأ وتنقسم. لقد باتت هذه الأمور بالمفرغة منها في ظل اصرار سلطة دمشق المركزية على اتخاذ أي سبيل بغية إعادة انتاج نفسها. وهذا بات بالحتمي بأنه لا يحصل وغير ممكن الحصول.
آلية وضع التسعيرة لمادة أساسية مثل مادتي القمح والشعير –كما يعلم الجميع- بأنها لا تأتي بشكل اعتباطي. بالأساس لا تستطيع أية جهة -من ضمنها الإدارة الذاتية- تناول مسألة بحجم مادة القمح المنتمية إلى خانة الأمن الغذائي من باب الارتجالية. فآلية السوق –من ضمنها السوق المجتمعي و/ أو الاقتصاد التشاركي تحددها لا بل تخضع إلى معايير. دائما يوجد معايير وقواعد؛ وفي كل شيء. في المسألة الاقتصادية أهمها العرض والطلب. وهذا يعني بأن تسعيرة القمح للعام الماضي ب175 ل س تم تحديدها بسبب العرض القليل والطلب الكبير. كما أن محددة وفق تسعيرة عالمية وإقليمية مبرمجة. من المفترض بأن الجميع يعلم بأن سعر كيلو القمح العالمي محدد ب 25 سنت أمريكي. والجارة تركيا –مثالاً- حددتها ب 22 سنت، أما الإدارة الذاتية فقد حددت ب 30 سنت. أي أن سعر الإدارة الذاتية لمادة القمح لمحصول 2019 هو مناسب جداً ويراعي محددات هذه المادة والمواد الأساسية الاستهلاكية الأخرى وحتى غير الأساسية. أما سعر صرف مادة القمح من قبل السلطة في دمشق ب 37 سنت فإنه خداع وتضليل. لماذا؟ أسست السلطة مؤخراً لشركة المحاصيل في أن تتكفل هي بشراء ونقل وتجميع هذه المادة وفق تسعيرة ال 185 ل س. ظاهرياً يبدو الأمر مطمئناً إلى درجة ما. لكن بقليل من التمحيص نجد بأنه ووفق الصلاحيات الممنوحة لهذه الشركة المستحدثة فإنها المخوّلة لرفض أي كمية تحت بند بأنها بغير الدرجة الأولى؛ أو أنها لا تطابق المواصفات؛ إلى ما هنالك من توسيمات تطلقها هذه الشركة حين اللزوم. وبالتالي يمكن بسهولة إفراغ عملية الشراء وعدم شرائها. فيتم شرائها دون موافاة قيمتها الحقيقية من خلال اقتطاع قيمتها الفعلية. ليجد الفلاح بأنه قد باع محصوله –كنتيجة- بمقدار لا يتجاوز 22 سنت أي وفق التسعيرة التركية. من المفترض بأن الجميع يعلم بأن السلطة السورية باستطاعتها توفير هذه المادة عبر مصادر معروفة كما القمح الأوكراني بشكل لا يتجاوز 110 ل س. في أقصى حد له بالطبع. طبعاً الجميع يعلم هنا بأن السلطة عمدت إلى شراء القمح المستورد مرات كثيرة آخرها العام الفائت.
سعت الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية منذ تأسيسهما؛ إلى حل الأزمة السورية. لكن النظام المركزي في دمشق غير مهتم بالحل. أو أنه مهتم بحل يعيد فيه إنتاج نفسه بصيغة 2011 وما قبل. علماً؛ بأن هذا الشيء لا توجد له حوامل ذاتية سوريّة وفي الوقت نفسه الظروف الإقليمية والدولية المؤكدة بمجملها بأن سوريا كدولة لا مركزية أفضل بكثير من النظام شديد المركزية. منذ متى كان في بال السلطة في دمشق هموم المواطن وتحقيق مستوى تنمية مستدامة له؛ حتى يقوم بمكرمة القمح هذه؟ لهذه التسعيرة (المكرمة) بعد سياسي فقط متمثل بأن يتم نسف الإدارة الذاتية كأهم منجز وطني سوري. وهذه التسعيرة تأتي في سياق سياسات عدائية تتعمدها السلطة السورية منذ تأسيس الإدارة الذاتية؛ آخرها بيان وزارة الخارجية السورية وشكواها بالضد من الإدارة الذاتية. كما يبدو بأن هدف السلطة السورية إظهار بأن لا حاضنة مجتمعية لهذه الإدارة. وأمور كثيرة من هذا القبيل لا تحتاج إلى عناء التحليل. هذه ليست بالمكرمة إنما بالفخ والتقصد في اختلاق الأزمات. ومن المؤكد بأنها فشلت أو تفشل.
شعب روج آفا وشمال وشرق سوريا –بشكل خاص- الذي اختار البقاء بقناعة؛ يتحلى بقدر كبير من المسؤولية. ليس عنده (دقن ممشطة). فهو يناقش وينتقد؛ كما حدث مؤخراً على صفحات التواصل الاجتماعي وغرف النقاشات. وهذا دليل التعافي ويجب أن ينظر إليه بإيجابية من قبل الإدارة الذاتية وتأكيد بأن الإدارة الذاتية يجب أن تبقى على طول الخط ملتصقة بالشعب؛ دون فراغ ودون مسافة ما بينها والشعب. وأن أغلب النقاشات؛ أغلبها؛ كانت صادقة وتنمّ من باب تقوية الحفاظ على الإدارة الذاتية الناشئة في ظروف استثنائية وما تزال تعيش تحديات مختلفة: الأمنية منها بشكل كبير؛ علاوة على التحديات ذات منشأ تقوية البنية التحتية؛ وتحديات أخرى.
حتى هذه اللحظة توفر الإدارة الذاتية لجميع المواطنين ومن مختلف التكوينات المجتمعية سبل مهمة للعيش الكريم دون مقابل. أو من خلال مقابل متواضع أدنى بكثير ولا يمكن حتى مقارنته بالجوار أو بأعرق الدول. دون أن يفهم بأن هذه الإدارة معافية مئة بالمئة وبأنه لا أمراض ولا أخطاء ولا عيوب ولا نواقص تظهر وتتعلق بوقائع للفساد ووقائع للمحسوبية.
كل ما في الأمر بأن الإدارة الذاتية تقوم بواجبها إنْ كان قطاع الكهرباء مؤمناً وفاعلاً مؤخراً ودون مقابل حتى اللحظة. الأمر نفسه ينطبق على تحقيق التعليم الأنسب والقضاء الأفضل وتوفير المحروقات بسعر مدعوم. وشعب الإدارة الذاتية أيضاً يقوم بواجبه تجاه هذه الإدارة وله كل الحقوق التي تحفظ له كرامته وتؤمن له عيش آمن ولائق ومستقر. وحينما يكون الاستمرار بمشروع الإدارة الذاتية هو الأساس فإن الأخطاء لا بد منها. سواء أصابت هذه الإدارة أمْ أخطأت. وكل من ينتقد الإدارة من باب بأنها لم تستطع شرح آليتها سواء بوضع تسعيرة القمح أو آليات أخرى فهو مصيب وله الحق. غير ذلك مصيبة بخاصة إذا ما سأل أحدهم: هل مجرد أن تقوم السلطة المركزية بمضاربة على سعر مادة القمح فباتت بالخير؟ ربما يتبع هذا السؤال بسؤال آخر: ماذا لو تنطعت السلطة التركية أو غيرها وقالت بأنها على استعداد لشراء سعر القمح ب 200 ل س؛ هل يعني بأنها تحولت إلى مصدر الخير؟
كخلاصة: السعر الذي وضعته الإدارة الذاتية لمادتي القمح والشعير هو مناسب جدا. يأتي منسجماً ضمن السياقات المتعددة المترابطة غير المنفصلة مع السياسة التسعيرية، وله العلاقة بما يسبقها؛ باليوم؛ بما سيأتي. وبأن 150 أكبر بكثير من 185 وحتى من 200.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق