الرأي

انبعاث في أغوار الجبال « هركول » الجبل العجوز لا يزال شاهقاً في شموخه كغيره من جبال بوطان

« هركول » الجبل العجوز لا يزال شاهقاً في شموخه كغيره من جبال بوطان ، هذا الجبل الهرم يمتد على شكل هلال مسافة ليلتين سيراً على الأقدام ، جبل كسائر جبال كردستان ، بركاني . . صخري . . تتخلله وديان عميقة ، قممه جرداء ، عدا بعض الأشجار الشوكية الأوراق المتناثرة . . واخضرار بعض الأعشاب والشوكيات . . تسمى هذه المرتفعات التي تعانق السماء باللهجة المحلية الـ « زوزان » ، تقصدها عشائر الكرد البدو مع قطعانهم في موسم ذوبان الثلوج.

«هركول » مصيف الأمراء ، كل شيء فيه جميل وموحش في آنِ واحدِ ، كان يقصد سهوب قممه أمراء بوطان ، على رأسهم البدرخانيون ، حكام جزيرة بوطان في القرن التاسع عشر ، حيث كان أحد معاقل ثوار انتفاضاتهم . . ومن ثم دخل هذا الجبل في نفق مزيج محير ، ما بين روحية العصيان وتداخلها مع طابع مجموعات وعصابات من المحكومين وقطاعي الطرق ومجرمي الدم والثأر ، مزيج من الرجولة الجبلية والثأر البدائي ، وتداخلها مع صور إنسانية البؤس والشقاء ، كالحق والباطل . ثنايا القمم وسفوحها مكتظة بالفوهات البركانية التي تحجرت مع الزمن ، فوهات لا تعد ولا تحصى ، تخرج من فوهة لتنزل إلى الأخرى ، نتيجة ذوبان الثلوج تتشكل في فوهات قممه برك عملاقة ، برك هادئة تعكس مشهد السماء بلوحات بديعة ، تلك الجروف العملاقة المفتوحة مع صديقاتها من خلال شقوق الصخور وأنفاق جهنمية ، بعضها توحي كأنها شوارع وأزقة مهيبة ، هو مظهر الصراحة والعظمة في هذا الجبل ، في قممه تظل تُرى الجبال ، متألقة الذرى تحت أشعة الشمس هاربة عند الأفق.

أحياناً ، ساعات من المسير لا تطأ قدماك التراب ، تخطو فوق الصخور وكأنها مرصوصة كالبلاط ، مختلفة الأحجام ، كل صخرة منها صارعت جحيم تقلبات الطقس ، ترك الزمن آثاره عليها ، كل واحدة منها مأثرة أو ملحمة بحد ذاتها ، تصارع السنين كوجوه عجائز . ها هو هركول والذكريات ظاهرة عليه ، إلى درجة أن تتخيل أشكال صخور قممه أنقاض مدينة ضربها زلزال مدمر ، بقايا الأطلال هذه ما هي إلا شهادة على عظمة الملاحم التي عايشها.

من صدر قمته نزولا إلى قاعدته ، باتجاه الغابة التي تعانق أشجارها القمم المتدرجة بوعورة نزولاً باتجاه الجنوب الغربي ، وبنظرة جيولوجية – يتضح بأن فوران فوهاته البركانية ، والسيلان وما قذفت به من حمم تمت باتجاه مدينة آروه ، أما جهة الشمال والشمال الشرقي ، فهي انحدارية بشكل حاد كجدران قلعة عملاقة تعرضت للتآكل ، وعند أسفل الجدار إلى الشمال يبدأ سهل برواري ، أما الشمال الشرقي فهو آخر معقل لانتفاضة البدرخانيين ، حيث جبل كور قنديل على حافة نهر برواري إلى الجهة الشرقية يطل آخر معقل البدر خانيين ، قرية ( أوراخ ) وقلعتها المشهورة ، أما في الجهة الغربية منه ، فهنالك الطريق الأسفلتي القادم من مدينة سيرت ، بعد المرور ببلدة شيروان ، ليتابع من فوق جسر يعبر نهر بوطان إلى سهل برواري ، قبل الوصول إلى المدينة عند طريق ترابي ، ليتفرع إلى القرى المتناثرة حول هركول من جهاته الثلاث ، أحيانا يخترق بعضاً من المرتفعات والوديان في صعودِ وهبوط ، بانحناءاتِ والتواءاتِ ، تظهر من بعض قممه كأنها التواءات أفعى عملاقة.

سيرت أو سعرد المدينة التاريخية ، المطلة على نهر بوطان من الجهة الغربية هي المركز العام لبلدات وقرى المنطقة ، تغيرت المدينة وضاقت بالناس ، واتسعت الشوارع ، وظلت العمارات والأبنية ترتفع وتتسع بصورة عشوائية في كل الاتجاهات ، حتى بدأ يختفي المدى في بحر حلكتها.

تتداخل الطبيعة الجبلية وشبه السهلية التي تخترقها الأنهار والجداول – انبعاث في أغوار الجبال = تتداخل من حولها القرى التي فيها تشكيلات « حماة القرى » ، أما الذين رفضوا الانصياع لحمل السلاح ، فيوصفون بـ ( الإرهابيين ) الثوار.

كما كان هركول القلعة الطبيعية ، يأخذ مكانه في كافة الانتفاضات التي تفجرت في المنطقة ، مكانه الطبيعي كجزء من الوطن يفرض عليه ذلك ، ها هو مجدداً معقل من معاقل الثوار ، البارحة خدم البدر خانيون ومن قبله بير زيدين ، خلف الشوفي ، الشيخ عبدالرحمن الخرخوري وغيرهم . . الذين تحولت بطولاتهم إلى ملاحم وأغان لا يزال أبناء المنطقة والوطن يرددونها كالأناشيد الوطنية ، يستمدون منها الروح الوطنية والقومية . انتفاضة تلو الأخرى ، وكأن هركول قد أقسم ألا يهدأ ، إلى أن تتزين قممه براية الحرية.

دلدار ميتاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق