شؤون ثقافية

حوار مع الخيّاملوجي جلال زنگابادي

أجراه تحريريّاً : محمد الحجيري *

حوار مع الخيّاملوجي جلال زنگابادي
أجراه تحريريّاً :
محمد الحجيري *
(كلّي رجاء من الأحبّة: كلّ من يحسب نفسه/ها صديقاً/ـة حميم/ـة لي ترويج هذا الحوار معي بمشاركته أو إعادة نشره ؛ فقد تبيّن لي مدى الجهل المدقع بمعرفة الخيّام في منشور الدكتور يوسف زيدان والمعلّقين والمعلّقات عليه بمناسبة احتفاء Google بالذكرى السنوية (عالميّاً) لميلاد الخيّام ..ولكل المستجيبين والمستجيبات جزيل امتناني / ج. زنگابادي)
×××××××
جلال حسين محمد پالاني (1951) كردستان : شاعر، مترجم وباحث عراقي باللغتين العربيّة والكرديّة ، ويترجم إليهما عن : الفارسية ، الإنكگليزية ، الإسبانية والآذرية… وهو عصاميّ النشأة ، تثقيف ذاتي موسوعي . عمل معلّماً في التعليم الإبتدائي (1971- 1991) ثمّ في الجرائد والمجلات محرراً ، مشرفاً ثقافياً ولغوياً ، في الأقسام والملفات الأدبية والفنية والثقافية ، وسكرتيراً ومديراً ورئيساً للتحرير لبضع مجلات في كردستان العراق . راجع ونقّح المئات من النصوص الأدبية والبحثية والكتب المؤلفة والمترجمة لأدباء وباحثين كرد وعراقيين ومنهم أساتذة جامعيون . صدر له عشرون كتاباً ورقيّاً ونشر أكثر من عشرة كتب مؤلّفة ومترجمة على صفحات المجلاّت بمثابة (كتاب العدد) وعلى صفحات النت و له قيد النشر أكثر من (10 كتب)
وبصفته خيّاملوجيّاً (معنيّاً بدراسة أعمال الخيّام) في مشهديّ الثقافتين الكرديّة والعربيّة؛ فقد حاورناه بخصوص هذا المحور من محاور حراكه الثقافي ؛ ليلقي الضوء على الخيّام ” ماليْ الدنيا…” :
* بمَ تعلّل اهتمامك الزائد بعمر الخيام ؟
– تعود علاقتي برباعيّات الخيّام إلى سنة 1963 فمنذئذ رحت أحفظ العديد منها بمتونها الفارسيّة وترجمتيها بالعربيّة (للصافي النجفي) والكرديّة (لشيخ سلام عازباني) بل طالما كنت أغنيها في شتى المناسبات بأسلوب المقامات العراقيّة والشرقيّة…ومع ذلك لم يخطر على بالي أن أترجم رباعيّات الخيّام إلى اللغتين الكرديّة والعربيّة ، أو أكتب عن الخيّام وآثاره ذات يوم ، إلاّ في سنة 2003 ؛ إثر تراكم هائل من المعلومات أيقنني بالفقر المدقع للغة الكرديّة في مضمار الخيّاملوجيا (الدراسات الخيّاميّة) والكم الهائل من الأغلاط والأوهام في معظم الترجمات والمقالات والدراسات العربيّة ؛ فكتبت دراسة مضغوطة بعنوان (الخيّام ينبوع لاينضب) نشرتها مجلّة (ينابيع) الأربيليّة في 2004 ، ثم مجلّة (الأقلام) البغداديّة لاحقاً (بصورة شوهاء جدّاً) ثمّ راحت تراودني فكرة ترجمة رباعيّات الخيّام الأصيلة (حصراً) إلى كلتا اللغتين الكرديّة والعربيّة ، ومن ثمّ إنصبّ اهتمامي على الشأن الخيّامي وتوسّع وتركّز اشتغالي عليه ، وبالأخص في طور نقاهتي ( بعد عمليّة فتح قلبي في حزيران 2009) ؛ حيث وجدت مايعزّيني ويسلو قلبي في رباعيّات الخيّام الأصيلة بطروحاتها الأثيرة عن الحياة والموت ، والتي لولا دقات أجراسها المنذرة بخطر رحيلي الأبدي ؛ لما انعكفت على إنقاذ تآليفي وترجماتي (التي يربو عددها على عدد سنيّ عمري) باستكمالها وإعدادها للنشر، وبالفعل أفلحت (رغم ظروفي اللامؤاتية) في نشر (12 كتاباً) خلال الفترة (2010- 2012)
وبالطبع يتواشج هذا السبب (الذاتي) مع السبب الموضوعي ، ألا وهو كون الخيّام بضعة أعلام في إنسان واحد ، فهو: عالم في بضعة علوم ، وفيلسوف وأديب…ومحسوب على كلتا الثقافتين العربيّة والفارسيّة.. وعبر إطلاعي – ببضع لغات شرقيّة وغربيّة – على مئات الكتب والمقالات والدراسات المتعلّقة به وبأعماله العلميّة والفلسفيّة والأدبيّة ؛ إكتشفت العديد من الأغاليط والأضاليل والأوهام ، التي تستوجب التفنيد والتصويب ، لاسيّما فيما يتعلّق بعدد رباعيّاته الحقيقيّة ومستويات ترجماتها المتعددة (في اللغتين الكرديّة والعربيّة بالأخص)…حيث وجدت نفسي مؤهّلاً وقادراً على خوض غمار البحث والتحقيق والترجمة في مضمار الخيّاملوجيا شأني شأن أيّ خيّاملوجي إيراني (أي ليس أجنبيّاً) خصوصاً وان اللغة الفارسيّة هي بمثابة لغتي الأم الثالثة (من حيث الإتقان والإطلاع الثقافي) بعد اللغتين الكرديّة والعربيّة ، فضلاً عن تماسي مع بضع لغات أخرى تعينني كثيراً لتحقيق مبتغاي…وإثر إستقصاءاتي ، يبدو لي أن عدد كتبي المتعلّقة بالخيّام وأعماله سيبلغ نحو (15 كتاباً) باللغتين الكرديّة والعربيّة ، ومع كل ذلك لاأحسب اهتمامي بالزائد عن اللزوم ؛ إذ أستهدي بإنجازات أستاذنا العلاّمة يوسف بكّار، الذي أتحف المكتبة العربيّة بستة كتب في الخيّاملوجيا وبضع دراسات لانظيرات لها حتى عند الخيّاملوجيين الإيرانيين أنفسهم ، أي انها لاتدخل ضمن دائرة ” بضاعتنا ردّت إلينا ” بل يستحق بعضها الترجمة إلى الفارسيّة ، وبالأخص سفره الرائع (الترجمات العربيّة لرباعيّات الخيّام ، دراسة نقديّة)
* حسناً.. كيف تعلّل الإهتمام الزائد للمترجمين والباحثين بعمر الخيام ؟
– هذا السؤال تعميم لسابقه الذي تنطوي إجابته على التعليل إلى حدّ ما ، ومع ذلك أرى أن الإهتمام لم يخل من هستيريا الموظه ؛ بحيث راح كلّ من هبّ دبّ يدلو بدلوه في الشأن الخيّامي (كتابةً أو ترجمةً أو معاً) ؛ لعلّه يحظى بحفنة حمّص من (المولود) ! مادامت الأخبار والآراء قد اختلفت وتضاربت أيّما تضارب في شأن الخيّام : إسمه ، كنيته ، لقبه ، منبته العائلي ، قوميّته ، مسقط رأسه ، تاريخيّ ميلاده و وفاته ، أساتذته ، عدد مؤلفاته و نسبة الرباعيّات إليه وعددها…. بل ” قد يندر في العالم قاطبةً وجود كتاب كـ (رباعيّات الخيّام) أُستُحسِنَ ، رُفِض ونُبِذَ ، حُرِّفَ ، وافتري عليه بهتاناً ، وأُدينَ ، وحُلِّجَ تحليجا ، ونال الشهرة العالميّة ، وظلَّ ، من ثمّ ، مجهولاً غامضاً !” على حدّ التشخيص الصّائب للأديب والباحث الإيراني الكبير صادق هدايت (1903- 1951)
* عجيب أمر الخيّام !
– أجل.. لأكثر من سبب ؛ تلغزت شخصيّة عمر الخيّام وما يتعلّق برباعيّاته بالأخص ؛ بحيث واجه الباحثون والمحققون الإيرانيّون والأجانب لغزاً شبيهاً باللغزين : (الهوميري) و(الشكسبيري)
* وهل مازال (اللغز الخيّامي) غير محلول لحدّ الآن ؟
– نعم..مازال حلّه غير محسوم ، لكنه ليس بمعضلة عصيّة على الحلّ ؛ إذا ما عمل الباحث المؤهّل بصبر وجلد و أناة ؛ لأن الحل يستوجب المزيد من الأبحاث الموضوعيّة الشاملة والمعمّقة ، مع تحاشي الإنجرار وراء المقاصد الذاتيّة كمثل سعي صادق هدايت ؛ لإيجاد صنوٍ (أبيكوري) له من القرن الخامس الهجري ! وكما فعل مخالفوه بفبركة خيّام (متأسلم) ، ومثلما راح أكثر الغربيّين يفبركون خيّاماً (كافراً وماجناً خليعاً) ؛ لتحقيق مآربهم !
* وماهي سبل الحلّ في رأيك؟
– لعلّ السبل الآتية تكفل للباحث تحقيق قسط كبير من الحلّ المنشود :
(1) تشخيص معاصريّ الخيّام و أقوالهم عنه وعن أعماله ، و بالأخص الذين إلتقاهم والتقوه.
(2) جمع كل ما قيل عنه وعن أعماله في المصادر القديمة في عصره والقريبة من عصره .
(3) استقراء جميع المؤلفات المنسوبة إليه ، لاسيّما أشعاره العربيّة والرباعيّات الفارسيّة وغيرها.
(4) تمشيط دواوين الشعراء الإيرانيين قبل الخيّام وبعده والمعاصرين له…
(5) دراسة المصادر القديمة والحديثة التي تتناول عصره : سقوط الدولة البويهيّة ، قيام الدولة السّلجوقيّة ، إندلاع الحروب الصّليبيّة ، وانبعاث الإسماعيليّة = النزارية .
(6) عدم الركون إلى/ والتسليم بالأحكام والآراء التقليديّة المتوارثة على عواهنها ؛ بإتباع الطريقة العلميّة في جمع وغربلة وتمحيص كلّ ماسلف مع الإستعانة بالدراسات الحديثة ؛ بغية تشييد عالم – الخيّام – الإفتراضي الأقرب إلى الواقع والحقيقة.
وطبعاً إن عالم الخيّام الإفتراضي المبتغى لايمكن أن يُشَيّد ” إلاّ بشق الأنفس و بعناد بحثي مرهق ” حسبما كتب العلاّمة كمال ابو ديب عن إحدى مخطوطات (ديوان التدبيج) للجلياني الأندلسي (1136- 1205م) وبالطبع لايمكن الجزم الدقيق بصواب كمال هذا العالم المفترض ؛ إذ ليس لسوى علاّم الغيوب أن يجزم بعلمه ، و لكن ” مع أنّ معرفتنا بالماضي قلّما تصل إلى مرتبة اليقين ؛ فهذا لايقلّل من مسؤوليّتنا شيئاً ” على حدّ قول جورج سارتون (1884- 1956)
* أليس هناك مبالغة في كثرة ترجمات الرباعيات والبحث عن سيرة صاحبها ؟
– بلى..ثمة مبالغة جليّة بالتأكيد ، وتنطوي إجابات الأسئلة السابقة على تعليلها .. ؛ فالعدد الهائل من الترجمات والكتابات مقابل النوع النادر جليّ في الخيّاملوجيا ؛ بل ” يستحيل تقريباً إعداد كشّافٍ وافٍ بكلّ الترجمات والكتابات عن الخيّام ، في القرن الأخير” حسب الخيّاملوجي الفرنسي بيير باسكال ؛ فقد صدر ونشر عن الخيّام ورباعيّاته وآثاره العلميّة والفكريّة أكثر من (3 آلاف كتاب ومبحث) حتى عام 1960، وبالتأكيد تضاعف هذا العدد ؛ وخصوصاً إثر ظهور النت ؛ بل لم يحظ أديب عالمي آخر بما حظي به الخيّام غير القلائل أمثال : شكسبير ، كافكا ولوركا… والحال (طبعاً) أشبه مايكون بالنشر المنفلت على النت ؛ ففي أكثر من (100 لغة ولهجة) قلّما نجد ترجمات جيّدة (دقيقة في نقل المعني والأسلوب) والحكم نفسه ينسحب على آلاف الكتب والمقالات والدراسات التي تتناول سيرة الخيّام ومؤلفاته ، لاسيّما رباعيّاته ، حتى أكثر الكتب باللغة الفارسيّة نفسها ! وعليه ؛ أتساءل : هل من قوّة أو سلطة يمكن أن تردع الدخلاء والمتطفلين على ترجمة رباعيّات الخيّام والكتابة (باجترار مقرف) عنه وعن أعماله ؟!
* طبعاً لاتوجد هكذا سلطة رادعة ، ومع ذلك يساورني السؤال الآتي : ألم يكن للإستشراق الدور البارز في صناعة الخيّام ؟
– ليس للإستشراق (والمروّجين الشرقيين لطروحاته) سوى دور ضئيل وغير جوهري ، في (صناعة !) الخيّام ، ويكاد أن يقتصر على ترويج (الرباعيّات الدخيلة والمدسوسة المستنكرة : الخمريّة ، الكفريّة والخليعة) ولم تكن غاية الإستشراق إعادة تصدير تلك الرباعيّات إلى الشرق ، وإنما لحاجة النهضة العلمانيّة الأوربية لطروحاتها ، بالتزامن مع ظهور التيّارات الفكريّة والفلسفيّة والعلميّة والسياسيّة الناهضة : (الماركسيّة ، الوجوديّة والفرويديّة) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولاحقاً…وفي رأيي مفردة ان (صناعة) مرفوضة بحق الخيّام ؛ فليس الخيّام بـ (علم مصطنع) وإنما هو علاّمة موسوعي كبير من أعلام العلوم والفلسفة العربيّة – الإسلاميّة ، بل على المستوى العالمي ، حتى لو جُرّد من أشعاره الفارسيّة .
إن حشر (الإستشراق) في الشأن الخيّامي يدخل ضمن (نظريّة المؤامرة) بالتأكيد ، ولم يكترث به حتى كبار الخيّاملوجيين الإيرانيين المناهضين للرباعيّات المستنكرة المدسوسة ، وتبعاً لـ (نظريّة المؤامرة) نشر أحد الإخوة واسمه (شامل عبدالعزيز) مقالاً عنوانه (رباعيّات عمر الخيّام كتبها اليهود) في موقع (الحوار المتمدّن ، ع 2710 في 17/7/2009) !
وهنا لابدّ أيضاً من تشخيص الخطأ الجسيم الذي وقع فيه أغلب الخيّاملوجيين (الباحثين والمترجمين) ألا هو اختزال عمر الخيّام إلى (شاعر) أو (عالم) أو(فيلسوف) فقط ؛ بينما الصواب هو كلّ هؤلاء ، بل أكثر، لكونه مثقفاً موسوعيّاً فريداً في عصره . وهذا يعني أنه يجب ألاّ نجتزيء شخصيته المتكاملة بالفصل بين رسائله العلميّة والفلسفيّة و شعره الأصيل . كما يجب ألاّ ننفي منحنيات نموّ وتطوّر شخصيّته وتغيّرها خلال مسيرته الحياتية – الفكريّة كما لو انه صخرة جامدة من الأزل حتى الأبد !
* إستوقفني قولك : ” حتى لو جُرّد من أشعاره الفارسيّة ” فماذا تعني …؟
– ثمة باحثون قائلون بعدم انتساب الرباعيّات إلى العالم والفيلسوف عمر الخيّام ، ومنهم المستشرق الألماني هانس شيدر(1896-1957) فقد صرّح (بكلّ يقين) في مؤتمر الإستشراق في بون (سنة 1934) : ” إنّ الحكيم والعالم الرياضي عمر الخيّام لمْ ينظمْ أيّ شعر يُذكَر، وإن هذه الرباعيّات المنسوبة إليه ، هي صورة من الشعر الباطني ، الذي راج في عهد سيطرة المغول ، وشاع فيه الفساد في عهد حكم السّلاجقة ؛ ولذا آن الأوان لحذف اسمه من تاريخ الأدب الإيراني” !
ثمّ تلاه الباحث والشاعر صديقي نخجواني (1910-؟!) في كتابه (الخيّام المتصَوّر وجواب أفكاره القلندريّة) المنشور عام 1941 في تبريز، إذ سعى إلى الفصل مابين الخيّام صاحب الرباعيّات والخيّام الحكيم والفيلسوف: ” كان الحكيم النيسابوري حسب تصريحه في أحد مؤلّفاته ذا ميل إلى مسلك التصوّف ويعد تهذيب الأخلاق وتصفية الباطن كأفضل وسيلة لإدراك الحقائق…وهذا يطهّر الحكيم النيسابوري من تلويث ساحته بالرباعيّات المستنكرة المعروفة بإسمه …ولذا نعتقد أن قائل هذه الرباعيّات شخص أو أشخاص من الخلعاء القلندريّة النكرات المغمورين الذين كانوا يحصلون يوميّاً بالشحذ أو النصب على دريهمات ، ويقصدون الحانات ليسكروا وينظموا الرباعيات بلا وعي…” ومن ثمّ جاء محمّد محيط طباطبائي (1902- 1991) ليقتفي أثرشيدر ونخجواني بعزيمة أقوى وعدّة أكثر، إبتداءاً بمقالته ( من عمر الخيّامي الحكيم حتى عمر الخيّام الشاعر) في (1973م) وراح يعمّق طروحاته لاحقاً بـ (15 مقالة وعدة مقابلات وحوارات) ومنها : (الحكيم عمر الخيّامي ، لا الخيّام) ، (الخيّام الأصلي والمزيّف) و(خيّام واحد أم بضعة خيّامين؟)… والتي إنتظمت لاحقاً بين دفتي كتابه (الخيّامي أو الخيّام) الصادر في 1991
* يبدو لي انه لابدّ من وجود أساس لشكّ طباطبائي في كون العالم والفيلسوف عمر الخيّام شاعراً ؛ فما هو؟
– يستند طباطبائي إلى عدم تصريح عمر الخيّام بكونه شاعراً في أيّ محفل خلال حياته ، وفي أيّ مؤلّف له ، بل عدم وجود أيّة إشارة إليه بوصفه شاعراً لدى مجايليه وتلاميذه ، فضلاً عن اختلاف وتضارب الأخبار المتعلّقة بشأنه إنساناً ، عالماً ، فيلسوفاً وشاعراً ، بالإضافة إلى توارد ذكر شعراء آخرين باللقب نفسه (الخيّام ، الخيّامي) :
أبو صالح الخيّام البخاري (؟!- 971 م) ،
عبدالله محمد الخيّام المازندراني (؟!- 992 م) ،
خلف بن محمد بن اسماعيل الخيّام (عاش و توفي في القرن11م) ،
مصاحب الدين أو مذهب الدين محمد بن علي الخيّامي (من العراق) (؟! – 1244 م)
وعلاءالدين علي بن محمد بن احمد بن خلف الخراساني المعروف بـ (الخيّام ) والذي يحسبه طباطبائي الصاحب الحقيقي للرباعيّات التي نسبت إلى عمر الخيّام العالم والفيلسوف ! وعلاءالدين الخراساني هذا (عاش في القرن السابع الهجري = 13 م) ولم يرد ذكره سوى عند كمال الدين عبدالرزاق المعروف بـ (ابن الفوطي) (1244- 1323م) في تلخيص (مجمع الآداب في معجم الأسماء على معجم الألقاب) الذي حققه د. مصطفى جواد ونشره في 1963 بدمشق ، حيث جاء على (ص 1055/ ج 4 / القسم الثاني مايلي :
” علاءالدين علي بن محمد بن احمد بن خلف الخراساني المعروف بالخيّام ابن خلف المذكور ، له ديوان بالفارسية ، وشعره كثير مشهور بخراسان و أذربايجان ، ومما نقلت من خطه :
أمِـســـكٌ أمْ عــــذارٌ قـــدْ تبــدّى
حوالي بــدرِ غرّتـك المفــــدّى؟
أم اجتـُـلي الجمـالُ عليـك غفلاً
فحكت له طرازاً مستـــــجـدّا ؟ “
والجدير ذكره هنا هو ان العلاّمة مصطفى جواد لم ينف كون عمر الخيّام شاعراً، حيث كتب في تحشيته : ” في هذا دلالة على أن في شعراء العجم خيّامين ، وإن المشهور منهما بالشعر هو هذا ، لا عمر بن ابراهيم الحكيم المتكلّم الرياضيّ المنسوبة إليه الرباعيّات ، فإنْ كان الحكيم شاعراً ؛ فقدْ إختلطت أشعارهما ”
لكن طباطبائي ظل يعزف على وتر (أقل من 40 كلمة وردت عند ابن الفوطي) ؛ متوهمّاً فلاحه في تجريد عمر الخيّام العالم والفيلسوف من شعره ، الذي ورد منسوباً إليه في العشرات من المصادر المرموقة قبل ابن الفوطي وبعده .
* وهل هناك آخرون سعوا إلى تجريد عمر الخيّام العالم والفيلسوف من رباعيّاته؟
– نعم .. ومنهم الدكتور سيد محمد رضا جلالي نائيني (1915- 2010) الذي قال بهذا الصدد :
” لاأحد من معاصريّ الخيّام عرفه شاعراً ” و ” الرباعيات المنسوبة إلى الخيّام لاعلاقة لها به ؛ فهي أصلاً من نظم شاعر وأديب خراساني عاش في القرن السادس أو أوائل القرن السابع الهجري ، و كان متأثراً بالفلسفة المادية ”
وعلى هذا المنوال أيضاً يؤكّد العلاّمة محمد تقي جعفري في مقدمة كتابه (تحليل شخصيّة الخيام) الصادر عام 1986 قائلاً : ” أبو الفتح عمر بن ابراهيم الخيّام ليس هو الخيّام صاحب أو أصحاب الرباعيّات الشهيرة ، فهما شخصان مختلفان ؛ فهو الفيلسوف والرياضي والفلكي ، الذي لقبه الناس بالإمام وحجّة الحق ، ولايمكن أن يكون قائل رباعيّات تدعو الناس إلى الفرصة للتمتع وكرع الخمرة واللاأباليّة ”
وللباحث الفرنسي ف . دوبلفاي منظوره المشابه للسالفين ؛ فهو يحسب عمر الخيّام الشاعر بالشخصيّة القصصية الخياليّة ، ولاتسنح هذه الفسحة لطرحه الذي يشدّد على تناسي ذاكرات الناس لعمر الخيام التاريخي وحلول قرينه القصصي محلّه !
والطريف أن طباطبائي زعيم المتشدّدين الساعين إلى تجريد عمر الخيّام من شاعريّته قد كشف لاحقاً عن سرّ إصراره على مسعاه الواهي للتقليل من قيمة عمر الخيّام الحكيم والفيلسوف ، بل وتجريده من شاعريّته !
* كيف ؟!
– لقد صرّح طباطبائي في حوار أجراه معه مسعود خيّام ، ونشره في كتابه (الخيّام والرباعيّات) المنشور في سنة 1996 : ” كان مينوي متكبّراً ومغروراً ؛ فوجب سحقه ، وقد سحقته ، وسفّهت نتاج عمله …ولم يكن الخيّام يعنيني بشيء ، فسعدي ومولوي هما شاعراي المفضلان ، لكنني أضطررت إلى أن أضرب أيضاً الخيّام ؛ لكي أحطم فم مينوي ، والله شاهد على انني لم أبتغ التطويح بالخيّام ، وإنما مينوي ” ! والمقصود هنا هو العلاّمة مجتبى مينوي (1903- 1976) محقق كتاب (نوروزنامه) عمر الخيّام ؛ وهنا يتجلّى لؤم ودناءة هذا الطباطبائي المنعوت بـ (العلاّمة !)
ولابد هنا أن أتساءل مع صادق هدايت بما فحواه :- حسناً ، لو ننفي تنسيب هذه الرباعيّات (وأقصد الأصيلة منها ، والتي بلغت لحدّ الآن أكثر من 70 رباعيّة ) إلى عمر الخيّام ؛ فإلى من ترى ننسبها ؟! فـ ” لابدّ من وجود خيّام آخر معاصر له ، وربّما أعلى منه مقاماً علميّاً ؛ فمن هو؟ ولماذا لايعرفه أحد ؟!” ولايسعني إلاّ أن أتمّم تساؤله : – يا ترى هل كان علاءالدين الخراساني في مستوى ثقافة عمر الخيّام علميّاً وأدبيّاً وفلسفيّاً ؛ ليكون الصاحب الحقيقيّ لهذه الرباعيّات الزاخرة بالفلسفة والحكمة؟!
ثمّ لو لم يكن عمر الخيّام العالم والفيلسوف شاعراً، بل شاعراً كبيراً من طراز خاص وخلّف على الأقل نحو (150 رباعيّة) ؛ فهل كان سيؤثر كلّ هذا التأثير الملحوظ في العديد من شعراء عصره الكبار وغيرهم من اللاحقين ، وهل كان بعضهم سيذكره بالإسم ، ناهيك عن ذكره شاعراً مع نماذج من رباعيّاته وقطعاته الشعريّة في العديد من المصادر القديمة المعتبرة؟!
لعلّ أطرف ما يستوقف المتمعّن المتمحصّ في موقف الذين يجرّدون عمر الخيّام العالم والفيلسوف من شاعريّته ، وينسبون رباعيّاته إلى غيره بجرّة قلم ، هو انهم غيرمنتبهين إلى المطب الكبير المتعلق بالرباعيات نفسها من مشكلات التناقض الفكري بينها ، و اندساس الدخيل فيها ، والتنازع عليها بتنسيب أكثرها إلى شعراء آخرين ! فضلاً عن سكوتهم إزاء قطعه الشعريّة العربيّة التسعة (31 بيتاً) التي لاخلاف يًذكر على ملكيّة ثمان منها له ، بل لمْ يجرؤ أحد من الباحثين : طباطبائي و نائيني و شيدر على جمع وتحقيق ونشر تلك الرباعيّات بعنوان (رباعيّات علاءالدين الخيّام الخراساني) ! وكذلك جهلوا أو تجاهلوا وجود الشعراء الأربعة الآخرين بلقب (الخيّام) نفسه والذين أوردت أسماءهم ؛ طبعاً لئلاّ يزدد الطين بِلّةً ؛ فينزلقوا في حيص بيص لاينتهي…
* يبدو لي أن لديك المزيد ممّا يتعلّق بالخيّام غير مطروح في اللغة العربيّة ؛ فهل تناولت هذه المعضلة (مثلاً) بالبحث والتحقيق ؟
– أجل ..فقد خصّصت عشرات الصفحات في كتابي الجديد الجاهز للنشر؛ لتناولها بشموليّة وعمق ؛ وأعتقد بأني قد أفلحت في تفنيد كل الحجج الواهية وغير الواهية لكل السّاعين إلى تجريد العالم والفيلسوف عمر الخيّام من شعره ، بل آمل أن يساهم كتابي الجديد وهو بعنوان (الخيّام ماليء الدّنيا وشاغل المترجمين) كمثل كتابي السابق (ديوان عمر الخيّام) وكتابي الماثل للطبع (موسوعة الخيّام) في حلّ (اللغز الخيّامي) وتصحيح الصورة الشوهاء الشائعة لعمر الخيّام ، و هي صورة (خيّام موهوم) مرسومة بالإستناد إلى رباعيّات دخيلة و مدسوسة و مستنكرة (خمريّة ، كفريّة و خليعة) و مع ذلك استند إليها أغلب الباحثين في استقراء و استنتاج الفلسفة الخيّاميّة ، بل ثمّة مَنْ دبّج فتاوى تكفيريّة بحق الخيّام !
* وهل تعتقد بحسم المشكلات والمعضلات المتعلّقة بالخيّام في كتابك المذكور وكتبك المقبلة ؟
– برغم كون كتابي المذكور (بانوراما مضغوطة) أتغيّا به حسم العديد من المشكلات والمعضلات ؛ لكنّه لن يكون خاتمة المطاف و الكمال في عالم الخيّاملوجيّا ؛ فبوّابة الإحتمالات تظل مفتوحة على الترجمات والتفاسير و التآويل ، بل على ظهور نتاجات خيّاميّة مازالت مفقودة ؛ فثمة رسائل علميّة له لمْ يُعثر عليها لحد الآن : (مختصر في الطبيعيّات) ، (لوازم الأمكنة) ، (مشكلات الحساب) و رسالة لمْ يُعثر إلاّ على قسم منها (شرح المشكل من كتاب الموسيقى ) و قد تحصل حتى مفاجأة مثل إكتشاف الباحث الإيراني محمد افشين وفايي والباحثة أرحام مرادي لـ (17 رباعيّة) جديدة لعمر الخيّام (لم يسبق العثور عليها في أيّ مخطوط أو كتاب سابقاً) ضمن كشكول قديم يعود تاريخ تدوينه إلى نهايات القرن السابع الهجري أو إلى مطلع القرن الثامن الهجري (13 و14م) وهو إكتشاف مهم جدّاً ربّما سيعين الخيّاملوجيين والمترجمين كثيراً ، و ربّما سيدفعهم إلى إعادة النظر في بعض أو العديد من المسلّمات السائدة المتداولة والمتعارف عليها ، وبالأخص مايتعلّق بعدد الرباعيّات الأصيلة لعمر الخيّام وفلسفته المستقراة والمستنتجة من تحليل رباعيّاته.
أمّا ظهور مخطوط للرباعيّات بخطّ الخيّام نفسه ، أو مجايل له أو معاصر له ؛ فقد بات في حكم الإحتمالات المستحيلة ، فمثل ذاك المخطوط حتى لو كان موجوداً عصرذاك ، قد راح لاحقاً أدراج رياح الغزوات والإحتلالات التركيّة والمغوليّة والتتريّة ، وما وصلنا من شعر الخيّام ، بل من شعر العشرات من الشعراء الإيرانيين الآخرين حتى المعروفين ؛ ما هو غير شذرات في مظان متبعثرة قام بلملمتها النسّاخ والمحققون والباحثون ، ولكل واحد منهم طريقته وغايته…
* لقد وردت في أجوبتك السّابقة عبارتا (الرباعيّات الحقيقيّة، الأصيلة) و(الرباعيّات الدخيلة ، المدسوسة) غير مرّة ؛ فما هي المعايير الأدبية التي يمكن أن تعين الباحث على فرزها عن بعضها البعض ؟
– بالضرورة ستطول إجابتي عن هذا السّؤال المهم جدّاً ؛ لأنه يتعلّق بأحد أهم محاور كتبي ؛ فمنذ اكتشاف عمر الخيّام (؟1021-؟1123م) شاعراً من قبل الغرب بعد وفاته بنحو (700 سنة) أي قبل قرابة القرنين – مابرح الخيّام ماليء الدنيا وشاغل المترجمين والباحثين والفنّانين…فقد تناولته آلاف الكتب والدراسات والمقالات بعشرات اللغات الغربيّة والشرقيّة، لكنّما الكتب التي تناولت معضلة اختلاط رباعيّاته الأصيلة بالدخيلة وفرزها ؛ لتحقيق وضبط ديوانه قليلة جدّاً، وقد دار كتابي (ديوان عمر الخيّام) في هذا الفلك ، الذي لم يلتفت إليه أغلب المترجمين والباحثين في اللغة العربيّة منذ أكثر من قرن .
لقد تضاربت الأقوال في تحديد عدد رباعيّات الخيّام تضارباً كبيراً، يل حتى في ضبط صيغ أكثر الرباعيّات الأصيلة ونسبتها إليه ، كما يتجلّى في تحشية ترجمتي لها في (ديوان عمر الخيّام) ؛ استناداً إلى ما توصّل إليه بضعة محققين متبحّرين إيرانيين بالأخص ؛ فـ ” أهل مكّة أدرى بشعابها ” ومن أبرزهم : صادق هدايت (1903- 1951) ، محمد علي فروغي (1878 – 1943)، قاسم غني (1898- 1952)، علي دشتي (1896- 1982) ، جلال الدين همائي (1899- 1980) ، محسن فرزانه و رحيم رضا زاده ملك (1940- 2010) وآخرون …والذين توصّلوا إلى كون ديوان الخيّام الأصيل/ الحقيقي على حدّ القطع واليقين لايتعدّى الـ (74 رباعية وبضع مقطوعات شعرية بالعربية والفارسية) ويمكن في أقصى الأحوال إضافة نحو ضعفيّ عدد الرباعيّات الأصيلة على سبيل الإحتمال ، لا اليقين ، في حين نسّبت إلى الخيّام أكثر من ألف رباعيّة منحولة ، حتى بلغ عددها قرابة (1300 رباعية !) بل صرّح الباحث والمحقق الإيراني الدكتور محمد جعفر ياحقي أخيراً أنّ عدد الرباعيّات المنسوبة إلى عمر الخيّام يبلغ أكثر من عشرة آلاف رباعيّة ! وأضاف : ” ولكنّنا لانستطيع أن ننسب إليه جزماَ حتى عشرها ” بل ” ليس ثمّة مَنْ يجرؤ على القسَم بمقدّساته أنّ هذه الرباعيّة أو تلك هي لعمر الخيّام يقيناً !” ويؤكّد المستشرق آرثر آربري (1905- 1969) هذا الرأي بتعبير آخر؛ ألا وهو تعذر اليقين القاطع بتنسيب أيّ رباعيّة إلى الخيّام ، رغم انّه يعتقد أنّ الخيّام قد خلّف مالايقلّ عن (750رباعيّة) بل قال المستشرق نيكلسون (1868- 1945) ما فحواه : لو عاد الخيّام نفسه إلى الحياة ؛ لاحتار وعجز عن فرز رباعيّاته الأصيلة عن الركام الهائل للرباعيّات الدخيلة !
إذنْ هناك المزيد من الرباعيّات المنحولة (الدخيلة والمدسوسة) وهي أكثر من ألف رباعيّة منسوبة إلى عمر الخيّام بحسن النيّة وسوء الطويّة كليهما ، حيث نظم الكثير من الشعراء والمتشاعرين والشعارير، من شتى المشارب ولشتّى الدواعي ” وكانوا ربّما من أهل الفلسفة ، أو من اللاأدريين ، أو الشكّاك ، أو الملحدين ، وبعضهم ربّما كانوا من المُجّان وأرادوا التغنّي بالخمر والهوى ، أو قد يكونون من المتصوّفة الذين أعجبتهم الرباعيّات الخمريّة ، وأوّلوها تأويلات تعجبهم ؛ فنسجوا على منوالها ، أو ربّما كانوا من الزّهّاد ؛ فألّفوا على طريقة الخيّام رباعيّات تزدري الدّنيا وتحطّ من شأنها . وكلّ ذلك قد إختلط برباعيّات الخيّام نفسه ؛ حتى لاندري ما له وما ليس له ، وأُدرجت ضمن رباعيّاته كلّ رباعيّة شاردة لم يُعرَف لها صاحب ، أو كان صاحبها مغموراً واعتبرت مجهولة النسب ؛ فأُلحِقت بالخيّام ، وتلك جريمة النسّاخ الذين لمْ يفوّتوا شيئاً ممّا يمكن أن يُنسب إليه ، وحرّفوا بعضها…” على حدّ تشخيص الباحث عبدالمنعم الحفني . وبالطبع أنّ أكثر الرباعيّات المنحولة مبتذل وتافه ، وبالأخص أغلب الرباعيّات (الكفريّة) و(الإباحيّة) ، ناهيكم عن تدوينها وإسنادها من قبل جامعين ونسّاخ أغلبهم جاهل لايفقه شيئاً من فن الشعر، أو سيّيء الطويّة ؛ حتى بات الفرز بين الأصيل والدخيل شبه مستحيل. وتأكيداً لما سلف ؛ أعتقد أنّ ظاهرة التأليف والإسناد إلى الخيّام قد تفاقمت كردّ فعل مباشر حيناً وغيرمباشر حيناً آخر، في عهد الشاهات الصفويين ، الذين فرضوا التشيّع رسميّاً على جميع الإيرانيين ، ولمْ يتوانوا عن القتل الطائفيّ ، بمؤازرة فقهاء الشيعة (الوافدين من جبل عامل بلبنان والبحرين… وذراريهم) والذين صعد نجمهم وأضحوا في مصاف الإكليروس الأرستقراطي الإيراني المتنفذ في السّلطتين الدينيّة والدنيويّة ، وبالضرورة رافق تنامي سطوة الفقهاء والمتفيقهين المركّزين على العلوم النقليّة والمرجّحين لها على العلوم العقليّة ، رافقه نبذ ، بل وقمع عنيف أحياناً للأدباء والفلاسفة والصوفيين ؛ ممّا أدى إلى هجرة مئات الأدمغة الإيرانيّة الكبيرة إلى الهند وغيرها. ومن المفارقات التاريخيّة أن الثقافة باللغة الفارسيّة والفنون الإيرانيّة قد ازدهرت في العهد التيموري بالهند ، بينما تقهقرت وتحجّرت وانحطّت في إيران على مدى بضعة قرون ، حتى نهضتها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولقد وصف أحد شهود ذلك العصر وهو عبدالواحد الكَيلاني أولئك الفقهاء والمتفيقهين المتملّقين للحكّام بـ ” أنّ أكثرهم لصوص وكذابون لايهدفون إلاّ إلى الشهرة والمنفعة المادّيّة ” ومن المعروف ” أنّ جدالاتهم وغوصهم في سفاسف الأمور الفقهيّة ؛ إنّما كان تغطية على عدم اكتراثهم برسالة الإسلام الأساسيّة ” على حدّ قول كولن تيرنر. وهذا ممّا يعلّل أيضاً تناسل وتكاثر الرباعيّات المنحولة (الكفريّة والخمريّة والإباحيّة المبتذلة بالأخص)عهدذاك ، والمنسوبة افتراءً وظلماً إلى الخيّام “
ثمّ يجب ألاّ يغيب عن البال أنّ جميع مخطوطات رباعيّات الخيّام الأصليّة وأغلب المصادر المخطوطة من تذكرات وسفائن وكشاكيل شعريّة (قد أصبحت في خبر كان) عند تعرّض إيران ، وخاصّة نيسابور للغزو والإحراق على أيدي المغول والتتر…وتناقلت الألسنة رباعيّات الخيّام حتى دخلها التحوير والتبديل..وتعاقب عليها النُّسّاخ ؛ فغيّروا الكثير من معالمها..ودسّوا فيها من شعر غيره ، وأثبتوا له من القول ما بريء منه لسانه ، كما أشار الشاعر والمترجم احمد رامي . وهكذا ضاع الكثير من رباعيات الخيّام ، ولم تسلم البقيّة من سوء نوايا النسّاخ وعبثهم وجشعهم ، كما أسلفنا ؛ فقد أضاف بعضهم إليها الكثيرعلى هواهم، وحذفوا مالايروق لمزاجهم وعقائدهم ، ناهيكم عن تكثيرعدد الصفحات ؛ ليدرّ عليهم المزيد من النقود والخلع من لدن الملوك والأمراء والسلاطين…أمّا الشعراء والمتشاعرون والشعارير الجبناء ؛ فكان أغلبهم لايتوانى في تنسيب رباعياته الكفريّة والإباحيّة التي يخشى من عواقبها إلى الخيّام ، شأنهم في ذلك شأن بعض اللؤماء والخبثاء الذين راحوا يلفقون على لسان الخيّام ما يشوّه صورته الفكرية الحقيقية ، وبهذا الخصوص يستوقفنا صادق هدايت بتعليقه الذّكي : ” لو عاش إمرؤٌ قرناً ، وما انفكَّ يغيّر آراءه ومعتقدانه مرّتين يومياً ؛ لما استطاع أن يعبّر عن كلّ هذه الآراء المتباينة ” وعليه لاعجب إن صرّح الباحث الإيراني محمد علي اسلامي ندوشن : ” أعتقد جازماً أن رباعيات الخيّام الأصيلة لايتجاوز عددها ست عشرة رباعية “!
ولذلك ؛ فإن إدراك الخلفيّة التاريخيّة (السياسيّة والأدبيّة والدينيّة – الطائفيّة) عصر الخيّام وما يليه ، والإستناد إلى المصادر والمراجع في عصره والقريبة منه ودراسة مؤلفاته الفلسفيّة والعلميّة وشعره العربي ، ثمّ جرد دواوين الشعراء المعاصرين له والعصور اللاحقة ؛ سيعيننا على وضع معيار أساسي لتشخيص وتحديد عدد الرباعيّات الأصيلة لعمر الخيّام وطبيعة خطابه الشعري الذي تجلّى للخيّاملوجيين المتبحّرين بكونه في غاية الصراحة والفصاحة ،إلاّ ماندر، بل إن تمحيص رباعيّات الخيّام الأصيلة ومقطوعاته الشعريّة العربيّة والفارسيّة يُجَـلّـي ويثبت أن الخيّام ليس أبا نؤاس ولا عمر بن أبي ربيعة ، بل ولا حتى المعرّي . أجلْ ، ليس الخيّام بشاعر غزل ونشيب ولا غرام ولا إباحة ، ولامجون ولاعربدة ولاداعية لللامبالاة وإدمان الخمر والمخدّرات ، وحتى تشاؤمه ليس بمطلق . ولقد ثبت لحد الآن بطلان نسبة مئات الرباعيّات الخمريّة والكفريّة والإباحيّة إليه.
لقد رغب الخيّام في رباعيّاته عن أغراض الشعر التقليديّة : المديح ، الهجاء ، الغزل ، الرثاء…وعن القضايا الآنيّة وصغائر الأمور، التي كانت شاغلة لأكثرالشعراء ، كما انّه لمْ ينظم القصائد الطوال ، وإنّما انشغل بتصعيد معاناة الإنسان الوجوديّة في حيرته المؤبّدة ، وطرح أسئلته وتساؤلاته الكونيّة الجوهريّة والمصيريّة ، في قالب الرباعي ، وهي الأسئلة التي طرحتها آداب البشريّة وفنونها منذ ملحمة كَلكَامش الخالدة ، ببساطة لاتصنّع فيها ولاتزويق ولامحسّنات بديعيّة ، وفي غاية الإيجاز والإحكام والبلاغة… بل لمْ يحاكِ الخيّام أيّ شاعر من قبله (رغم تأثره مضمونيّاً ببعضهم) فقد استخدم لغة بسيطة وسلسة ومركّزة ؛ للتعبير عن أحاسيسه وأفكاره . ولقد حاكاه لاحقاً شعراء كثيرون ، لكنّهم لمْ يفلحوا في تحقيق ماحققه الخيّام من بساطة آسرة في تبيان الأحاسيس والأفكار الإنسانيّة الجوهريّة ، فضلاً عن قدرته الفذّة ، التي قلّما تجارى ، في اختيار الألفاظ المناسبة جرساً ، للتعبير عن أحاسيسه وأفكاره بانسيابيّة لاتكلّف فيها ، ناهيكم عن بساطة تشبيهاته واستعاراته. ومن هنا ندرك علّة خلود هذه الرباعيّات ؛ فهي تكمن في انّ الخيّام لمْ يتغيَّ التشاعر بنظمها ، وإنّما كان يتغيّا توصيل محتواها الفكري العميق والرحيب والجريء ، بخطاب فصيح وبليغ جدّاً ، يتحاشى استخدام اللغة المعقدة ، العسيرة الفهم ، والتي يسودها التصنّع والتكلّف والتبهرج . ومن السمات الأخرى لشعريّة رباعيّاته طغيان الحسّ المرهف والذوق اللطيف في استحضار وتجسيد مشاهد الطبيعة الخلاّبة بشتّى عناصرها : الشمس ، القمر، الغيم ، المطر ، الجدول ، الماء ، الريح ، النسيم ، التراب ، الغبار ، النّار، السّماء ، النجم ، الليل ، السَّحَر ، النهار، الخضراء ، الطير ، الورود وشذاها ، والألوان…وكذلك الطبيعة المصنّعة وغيرها : القصر، القبر، الطلل ، الخان ، اللبنات ، البستان ، الحان ، الدّن ، الكوز ، الإبريق ، الكأس ، الشراب ، الجنك وأنغامه…إذ أفلح الخيّام بمعجمه الشعري الصغير ودونما حذلقة واستطرادات مملّة ، في رسم مشاهد خلاّبة وآسرة زاخرة بحبّ الحياة ، مع التذكير بقصرها وبالموت المترصّد والمحتّم في أيّ لحظة ؛ من أجل إدراك آلاء الحياة والتمتّع بكلّ لحظة فيها ؛ وهنا تتجلّى أيضاً سمة المتانة والرصانة والجدّ ، إذْ ليس في الرباعيّات هزل ولامزاح ولاهجو ولامديح…وإنّما فيض من الحكمة والعبرة ؛ حيث تدور الرباعيّات في مدارالتذكير بالموت المحتم وقِصَر الحياة مهما تطلْ وعوادي الزمن ونفاق البشر ولؤمهم وعسف القدر والعيش بإباء ومحبّة وانتشاء بلاخوف ولا وجل من الموت المقدور العاجل أو الآجل… أيّ الإصرار على أن يحيا الإنسان رغم أنف الموت المتربّص وجور السّلاطين ووعاظهم المتفيقهين المنافقين المستحوذين على كلّ نّعم الحياة ، التي ينعتونها بـ (الجيفة والفانية) ، بينما يدعون عباد الله البؤساء والتعساء إلى الزهد والصبر في انتظار آلاء الحياة الأخرى الخالدة…كما لو أنّ الباري قد خلق البشر لمجرّد التعذّب والتألّم في الحياة وانتظار نعم الحياة الأخرى الآجلة!
ولابدّ أن أوجز ماهيّة معايير الفرز بما يلي :
كل رباعيّة (كفريّة) أو (إباحيّة) أو (خمريّة عاديّة بلا مضمون فلسفي عميق) أو (غراميّة = غزليّة ) أو(صوفيّة) أو (دينيّة مناجاتيّة) أو (مستهترة أخلاقيّاً) أو (مزوّقة ، مبهرجة بديعيّاً) أو (رديئة شعريّاً لخلل وزني أو في القافية) أو (هابطة المستوى مضمونيّاً) أو كل رباعيّة لاتتناغم مع سيرة الخيّام (بألقابه الجليلة التي أضفاها عليه معاصروه) وأشعاره العربيّة وقطعاته الفارسيّة ومضامين رسائله الفلسفية و بعض ما جاء في رسائله العلميّة ، وكل رباعيّة تختلف بشعريّتها عن شعريّة الخيّام التي شخصتها سالفاً ، وكل رباعيّة وردت في مصادر متأخرة بعد (طربخانه/ 1462 م) بالإضافة إلى كل رباعيّة (توصّل الخيّاملوجيّون الثقاة إلى معرفة صاحبها)
كلّ رباعيّة تنطبق عليها أيّة وصفة من الأوصاف أعلاه ؛ فهي ليست للخيّام .
* إذنْ ليس الخيّام زنديقاً ماجناً مثلما صوّره لنا أغلب الكتاب والمترجمين وشوّهوا حقيقته ؛ فهل هو متصوّف ؟
– ينبغي أن أشير إلى أبرز الذين حسبوا الخيّام صوفيّاً ، فأوّلهم – حسب استقصاءاتي – هو عبدالقادر بن حمزة بن ياقوت أهري ، الذي أورد بضع رباعيّات له ضمن شواهده الشعرية المقتبسة ، الداعمة لآرائه في كتابه (الأقطاب القطبيّة/ سنة 1231م) والمشتمل على مباحث في التصوّف والحكمة. ويليه نيكولا الفرنسي (1814- 1875) الذي ترجم أكثر من (700 رباعيّة أصيلة ودخيلة) نثراً وفسّرها تفسيراً صوفيّاً ، ثمّ عباس علي كيوان قزويني ، الذي قام قام بتأويل صوفي – غنوصي لمجموعة كبيرة من الرباعيّات الأصيلة وغيرالأصيلة للخيّام ونشرها في 1926 وهناك آخرون يميلون إلى حسبان الخيّام صوفيّاً – عرفانيّاً أمثال : العلاّمة سيّد حسين نصر، د. غلامحسين ديناني ، ومن الهنادكه : عبدالرزاق كانبوري وعمر علي شاه ، ومن الترك عبدالباقي كَولبينارلي (1899-1982) الذي يعتبر الخيّام متأرجحاً بين الفلسفة والتصوّف ، بل هنالك مريدون كثيرون في الشرق لـ (الخيّام الصوفي) وحتى في المغرب ، ولنا في مهرجان (فاس) الموسيقي أسطع دليل ؛ حيث حظي الخيّام بإحتفاء باذخ في دورته الثامنة عشر (8- 16 يونيو/ 2011) تحت شعار ” تجلّيّات الكون” وكان من فقراته البارزة : أوبريت من إخراج الفنان الفرنسي توني جاتليف ، شارك فيه فنانون من جنسيات مختلفة ، وندوات إستحضرت تراث الخيّام الروحي بصفته (شاعراً صوفيّاً) وقد شارك في المهرجان أكثر من 30 فناناً (بالموسيقى والأغاني والرقص ) من بلدان العالم : إسبانيا ، الهند ، باكستان ، إيران ، إيطاليا ، مصر ، تونس ، لبنان والمغرب ، ومن المتخصصين في الموسيقى الروحية ، الذين شاركوا فيه : الفنان أرشي شيب ، الفنانة الأميركية جوان بايز والمغنية الإسلندية بيورك ، ومجموعة جيبسي سونتيموتنو باكانيني من هنغاريا، كما شارك في حفلات المهرجان شيوخ الإنشاد الصوفي والغناء الهندي والباكستاني ، بالإضافة إلى الطرب الشرقي والعربي الأصيل الذي مثله الفنانان اللبناني وديع الصافي والتونسي لطفي بوشناق .
ومع كلّ ماسلف ؛ هناك من يردّ مزاعم الذين يحسبون الخيّام صوفيّاً ومنهم : الوزير و المؤرخ و اللغوي المصري جمال الدين القِفطي (؟ 1167– 1248م) والذي كتب في (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) :
” عمر الخيّام : إمام خراسان وعلاّمة الزمان (………..) وقد وقف متأخّرو الصّوفيّة مع شيءٍ من ظواهر شعره ، فنقلوها إلى طريقتهم ، وتحاضروا بها في مجالساتهم و خلواتهم ، وبواطنها حيّات للشريعة لواسعٌ ، ومجامعٌ للأغلال جوامعٌ..”
وقد إستهجن الخيّاملوجي فروغي هذا المنحى : ” إن بعض من حسبوا الخيّام صوفيّاً وأضفوا المعاني الصّوفيّة على رباعيّاته مخطئون ” وكذلك يؤكّد المستشرق آربري على خطأ حسبان الخيّام صوفيّاً .
أمّا العبد الفقير إليه تعالى فبعد دراسات شاملة ومعمّقة لسيرة الخيّام وأعماله الكاملة ومايتعلّق بعصره من فلسفات وآثار أدبيّة ؛ يمكنني القول أن الخيّام ليس متصوّفاً ، رغم تأثره بالتصوّف فكراً وسلوكاً إلى حدّ ملحوظ ، إنما هو معتدل بوصفه إنساناً ، ومؤمن بوصفه فيلسوفاً مشائيّاً مقتفيّاً خطى أستاذه الشيخ الرئيس ابن سينا (980- 1037م)
* هل ستفلح باستقصاءاتك الشاملة والمعمّقة أن تقدّم جديداً ما على صعيد الخيّاملوجيا ؟
– أجل..بالمساهمة في حلّ (اللغز الخيّامي) وفرز الرباعيّات الخيّاميّة الأصيلة عن الدخيلة والمدسوسة المستنكرة إلى حدّ مقنع ؛ بهدف ضبط ديوانه الحقيقي ، وتصحيح العديد من الأغلاط المارّة حتى على خيّاملوجيين إيرانيين ، واكتشاف تأثر عدد من الشعراء الإيرانيين القدامى والمعاصرين برباعيّات الخيّام (لم ينتبه إليهم حتى كبار الخيّاملوجيين الإيرانيين من قبل) أمثال : عبدالرحمن جامي (1414- 1492) / هلالي جغتائي ( ت : ؟ 1529) / أمير علي شيرنوائي (1440 – 1500) / الشيخ بهاءالدين العاملي (ت : 1622) / فرُّخي يزدي (1889- 1938) / نيما يوشيج (1897- 1959) / فريدون مشيري (1925- 2000) / علي جعفري (تولّد : 1944) وإيرج زبردست (تولّد : 1974)
وكذلك إنجاز (موسوعة الخيّام = رسائله العلميّة و الفلسفيّة و الأدبيّة محققة ومشفوعة بالحواشي الضروريّة) لأوّل مرّة في اللغة العربيّة ، بل في لغة أخرى (غير الفارسيّة) بالإضافة إلى ترجمة رباعيّات الخيّام الأصيلة وشبه الأصيلة وقصيدتين وقطعة فارسيّة إلى اللغتين العربيّة والكرديّة ، علماً بأني ترجمت أيضاً أشعاره العربيّة إلى الكرديّة ، في حين لم يترجمها حتى الخيّاملوجيّون الإيرانيّون إلى الفارسيّة لحدّ الآن !
* وما الذي يميّز ترجمتك لرباعيّات الخيام عن الترجمات السابقة ؟
– نادراً ما حظي شاعر آخر في العالم مثل الخيّام بترجمة أشعاره إلى اللغات الأخرى (لاسيّما الحيّة) حيث ترجمت رباعيّاته إلى قرابة مائة لغة ولهجة حتى الإسبرانتو، بل طبعها بخط بريل للعميان! فلا عجب و لاغلو في قول جنيه كَوردون أستاذ الأدب في جامعة فالونت باليونان : ” لكلّ بلد شكسبيره وشكسبير إيران هو عمر الخيّام”
ولكن مثل أغلب مترجمي رباعيّات الخيّام في العالم قاطبة كمثل (حطّابي الليل) فقد خلطوا بين الأصيل والدخيل في ترجماتهم ، حتى المترجمون من مستوى الشعراء : احمد رامي ، احمد الصافي النجفي ، عبدالحق فاضل وصالح الجعفري ! بل لم تسلم ترجمة أيّ منهم من الخطأ في نقل المعاني والأسلوب ، وليس مردّ بعض الأخطاء إلى الجهل باللغة الفارسيّة ، وإنما هوس تقديم شعر منظوم (قريض) وقلّة الدراسات التحقيقيّة والنقديّة المعمقة المتعلّقة بشأن الخيّام وأعماله…
أمّا العبد الفقير إليه تعالى فلكوني قد أوليت الإهتمام بترجيح أولويّة نقل المعنى على الإنصياع لجمال المبنى ؛ فقد أضطررت إلى ابتكار طريقة (النثم = نظم + نثر مسجوع) في ترجمتي العربيّة وهي طريق تتوسّط (القريض الصّارم) و(النثر اللاموسيقي) مازجاً بين تفاعيل البحور الثلاثة (الخبب، الرجز والمتقارب) حتى أقصى الأوجه الممكنة (جواز الزحافات) وسمّيت بحري المبتكر بـ (أوقيانوس المخر= الأحرف الأولى من : متقارب ، خبب و رجز) ولقد بذلت قصارى جهدي ؛ من أجل التوفيق بين روحيّة متون الرباعيّات وحرفيّتها وإقامة التوازن والإنسجام بين المعنى والجرس دونما تضحية نافرة بأيّ منهما ، وأينما أضطررت إلى إضافة (غير موجودة في المتن الفارسي) ؛ لجلو معنى حيناً ، وحيناً لاستكمال مبنى (تقفية أو تسجيع) وحيناً لكليهما ، وضعت الكلمة بين قوسين مقرونين [ ] ولكوني شاعراً باللغتين الكرديّة والعربيّة ومترجماً للشعر إليهما عن بضع لغات شرقيّة وغربيّة ولكوني موسوعيّ التثقيف الذاتي ؛ أعتقد بأني قد أفلحت في تحقيق قسط كبير من طموحي ، ألا وهو أن يتميّز صنيعي الترجمي عن أغلب الترجمات العربيّة والكرديّة السابقة بالإبتكار (إلى حدّ مشهود) :
× إقتصر أغلب المترجمين السّابقين على ترجمة رباعيّات الخيّام دون التطرّق إلى الخيّام وأعماله الكاملة وعصره ، وهو النقص الذي تلافيته ، ليس بمقال تقديميّ فحسب ، بل بأكثر من كتابين باللغتين الكرديّة والعربيّة.
× إقتصرت على ترجمة الرباعيّات الخيّاميّة الأصيلة وشبه الخيّاميّة (حيث يُحتَمل أن يكون بعضها للخيّام) وقد حصرت أرقام الرباعيّات الأصيلة داخل القوسين ( ) وتركت أرقام شبه الخيّاميّة بلا أقواس .
× إلتزمت بالنقل الدقيق للمعاني والأسلوب ، مع عدم التضحية بالشعريّة قدر الإمكان .
× ثبّت المتون الفارسيّة للرباعيّات مع الترجمتين العربيّة والكرديّة (المتون الفارسيّة غير مثبّتة في أغلب الترجمات العربيّة والكرديّة وغيرها..)
× سلسلت الرباعيّات المترجمة (قدر الإمكان) حسب مواضيعها ؛ ممّا يساعد على التلقي الجيّد ، بالعكس من التسلسل العشوائي المشهود في أغلب الترجمات ، بل حتى في أغلب طبعات رباعيّات الخيّام بالفارسيّة !
× حشّيت كلّ رباعيّة تحشيةً مستفيضة ، وضحت فيها مايلي :
– مصادر ومظان المتون الفارسيّة للرباعيّات
– الروايات المختلفة للكثير من الرباعيّات ؛ فثمة رباعيّات لها روايتان أو ثلاث ، ناهيكم عن الروايات المختلفة للكثير من المصاريع
– نسبة هذه الرباعيّة أو تلك إلى غير الخيّام ، فثمّة الكثير من الرباعيّات تنسب إلى شاعر أو شاعرين أو أكثر
– تأثر وتأثير الخيّّام وهذا يتعلق بالكثير من الرباعيّات
– أسماء الأشخاص والأمكنة الواردة …
– تواريخ ولادات ووفيات الأعلام ذوي العلاقة…
× مصادر ومراجع الترجمة والبحث والتحقيق
* حان أن أختتم حوارنا بالسؤال : ما الذي أنجزته من مشاريعك في مضمار الخيّاملوجيا ، وماهي مشاريعك المقبلة ؟
– باللغة العربيّة :
~ أنجزت (ديوان عمر الخيّام) ونشرته (دار الجمل) في 2010 (دراسة + ترجمة 74 رباعية وقصيدتين بالفارسيّة + 7 قطع عربيّة) ثمّ نقحته وزيّدته في (2011- 2012) بحيث صار كتابين مستقلين جاهزين للنشر:
~ (لنعرف الخيّام جيّداً/ دراسة)
~ (ديوان الخيّام = ترجمة نحو 180 رباعيّة + قصيدتين وقطعة بالفارسيّة + 9 قطع بالعربيّة)
~ (موسوعة الخيّام = رسائله العلميّة ، رسائله الفلسفيّة ، أعماله الأدبيّة الكاملة) تحرير وترجمة وتحشية ، وتقع في أكثر من (500 صفحة) وهي جاهزة للنشر منذ 2010
~ (الخيّام ماليء الدنيا وشاغل المترجمين…پاناروما) جاهز للنشر
~ جميل صدقي الزهاوي ، ترجمتاه المنظومة والنثريّة لرباعيّات الخيّام ، تحقيق ونقد / قيد الإستكمال
~ أفضل الترجمات العربيّة لرباعيّات الخيّام ، نقد / قيد الإستكمال
~ أبرز الخيّاملوجيين في العالم / قيد الإستكمال
~ رباعيّات ليست للخيّام (الرباعيّات الدخيلة والمدسوسة…) ترجمة وتحقيق / قيد الإستكمال
~ مقالات ودراسات مختارة في الخيّاملوجيا/ ترجمة وتقديم / قيد الإستكمال
– باللغة الكرديّة :
~ رباعيّات الخيّام ، ترجمة : عوني ، تحقيق ، دراسة ونقد/ منشور في 2012
~ لنعرف الخيّام جيّداً / دراسة : جلال زنگابادي ، ترجمة : حمه كريم عارف / قيد النشر منذ بداية 2012
~ (ديوان الخيّام = ترجمة نحو 180 رباعيّة + قصيدتين وقطعة بالفارسيّة + 9 قطع بالعربيّة)
~ رباعيّات الخيّام ، ترجمة : عبدالله گوران ، تحقيق ونقد/ قيد الإستكمال
~ رباعيّات الخيّام ، ترجمة : خليل مشختي ، تحقيق ونقد/ قيد الإستكمال
~ الترجمات الكرديّة لرباعيّات الخيّام ، نقد/ قيد الإستكمال
* شكراً جزيلاً لك على هذا الحوار الدسم والشيّق
– ولك أيضاً ؛ فقد أتحت لي فرصة ذهبيّة لتبيان العديد من الحقائق الخافية على أغلب مترجمي رباعيّات الخيّام من العرب والكرد وغيرهم ، ناهيك عن جهل أغلب أدبائنا بها …! **
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد الحجيري : صحافي وروائي لبناني
** نشرت جريدة (الجريدة) الكويتيّة ملخص هذا الحوار (3000 كلمة) في حلقتين بالعنوانين الآتيين :
1- جلال زنگابادي : ” لو عاد الخيّام لعجز عن فرز رباعيّاته ”
http://www.aljarida.com/news/index/2012579790
2- جلال زنگابادي : الخيام لم يكن صوفياً
http://aljarida.com/news/index/2012580215
وهنا ننشر نصّه الكامل (6300 كلمة) ؛ لأهمّيّته المشهودة…

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق