الرأي

صالح القلّاب: فنجان يقرأ أمْ قلم لا يقرأ؟

سيهانوك ديبو

كنتيجة قرن كامل؛ فإن غالبية الأقلام في الشرق الأوسط لا تقرأ؛ بخاصة تلك الأقلام في مثال صالح القلاب. وإن قرأت فتكتفي بالهواجس والرغبات المسطّرة ضمن المناهج المدرسية التي استهلوها. مثله من تحركهم مسلك العواطف والجبرية؛ ليسكنوا طيلة حيواتهم بين حواف الأيديولوجيات المنغلقة بما توفرت. تتلذذ أفئدتهم وهي تُنتهش من قبل ما يبرق بما يلمع من اصطدام تلك الجمل الأيديولوجية المتزمتة مع الواقع. أقلامهم تؤكد بأن شخصياتهم رخوة. خلقتها الكذبة التي صدقوها، وقاموا بتضخيمها حرفاً حرفاً. إذْ لم يسجل التاريخ حالة واحدة بأن المجتمعات تتخلف. المجتمعات تتأخر فقط وسبب مهم في ذلك هو الولوج تلو الولوج بين ما قُدِّر لهم وبهم إلى تلك الحواف اليابسة. أحد الولّاجين؛ له كتابات آخرها نشرت في صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان: (رداً على أوجلان… المنطقة ذاهبة إلى خرائط جديدة).
حينما تقرأ لصالح القلاب تعلم بأنه قارئ ضحل. في أحسن حال له هو قارئ ضحل. لكنه يمتلك خيال وسيع. ينسج فيه حكايات من لدن تفسيراته الخاصة بما يحلل بنفسه ويقرها بذاته على أنها الحقيقة المتكاملة. ولأن كاتب المقالة حتى ينطبق عليه صفة كاتب المقال فإنه يبقى يسوّق حججه؛ اتفقنا معه أمْ لم نتفق؛ لا أن يسرد خيالاته. مثال خياله في روايته الخاصة به عن تأسيس العمال الكردستاني. جميع الكرد وأصدقائهم يعلمون أدق تفاصيل نشوء الأحزاب الكردستانية كما يعلمون حقيقة تأسيس العمال الكردستاني على يد طلّاب حرية. عبدالله أوجلان طالب حرية القضية الكردستانية وفي الوقت نفسه القائد ذو المهمة الأصعب. كل الأنظمة التي وجدت نفسها مقتسمة لكردستان استبدادية. سوى أن الأنظمة التركية تشبه نفسها فقط واتبعت سياسات قلّت نظير في التاريخ؛ أقلّها ارتكاب المجازر وأوضحها سياسات الإبادة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. توجد في ذلك عشرات الآلاف من الأدلة الحيّة من أن الكردي ما بعد تركيا الحديثة وخصوصاً ما بعد مجزرة ديرسم 1937 التي سوت فيها المدينة بالأرض وقتلت منها أكثر من 75 ألف كردي وحتى تأسيس العمال الكردستاني 1978 حكم عليه بالموت مجرد أن يحيا. في أن الطفل الكردي في أول يوم مدرسة له يتم تهديده بسجن أمه وأبيه وقتلهما مجرد الحديث بلغة غير التركية. إلى الوقت الذي دمرت أكثر من 3500 قرية كردية في تركيا كانت أقلام مثل صالح القلاب تتغنى بتركيا (الديمقراطية) وبأنها (محررة) فلسطين وحكايات أخرى من هذا القبيل. في الحقيقة لم يكن ذلك سوى من آثار الحنين إلى العثمانية. حنينه إلى ذلك يفيض من مقاله. وكأنه الملازم حتى اللحظة الأخيرة بنصح أردوغان للانفكاك عن الاخوان المسلمين إن لم نقل التضرع له حتى اللحظة الأخيرة.
لم يقرأ القلاب مانيفستو الحضارة الديمقراطية لعبدالله أوجلان بمجلدات المانيفستو الخمسة. ليته قرأ على الأقل مجلده الرابع (أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط)؛ ربما كان ليعدل عن نسج تحليل الرغبة التي عرضها في كتابته الأخيرة وتدل على فقره الفكري المدقع، وعقم تحليله. لا يعلم بأن السبب الحاسم في تحول قوات سوريا الديمقراطية إلى رمز بالضد الإرهاب يعود إلى إيمانها بفكر أوجلان. وبأن نظرية أوجلان في الشرق الأوسط الديمقراطي؛ وبأن مثل هذا الشرق كما تاريخه ثقافات تتكامل وليست قوميات أو أديان أو طوائف تتحارب؛ وبأن نموذج الدولة القومية المركزية فشل ولا أمل في استطباب له ولا يملك أدنى أمل عودة له حتى لو كان ورائه سلطان داعية مثل أردوغان وقلم لا يقرأ مثل القلاب. ليس من في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا من أتباع العمال الكردستاني إنما جميعهم تكرست لديهم القناعة بأنه من خلال هذا الفكر وضمن الإدارة الذاتية وصلنا إلى البرّ الأكثر آمناً لنا جميعنا كرداً وعرباً مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وجميع الانتماءات القومية والدينية الكثيرة التي نحظى بها كسوريين. من خلال هذا الفكر مارسنا سوريتنا بأصالة وأظهرنا حقيقة معارضتنا لنظام الاستبداد المركزي، وبأن في اللامركزية الديمقراطية أفضل الحلول. نموذجنا في ذلك هي الإدارة الذاتية الديمقراطية. لكن يبدو بأن السيد القلاب بما يعيش ما بين حواف الفقر الفكري فإنه ما زال بالمولع بأشد النماذج الفاشلة في الشرق الأوسط وهي الدولة القومية المركزية؛ لذلك ربما لن يستسيغ الإدارة الذاتية وماهيتها.
اسم كردستان لن يسعد الكردي ولن يبهجه؛ حينما يخرج من لسان قلم غير قارئ في مثال القلاب. ليس الإثم بكردستان إنما الإثم ممن لفظوا عشرات السنين اسم فلسطين ولم يعقبها سوى الدمار والتحجيم والتغريبة وزجها في المزاودات وإخراجها من أبخس المزايدات.
أردوغان أكثر من يعلم بأن من هزم حزبه حزب العدالة والتنمية وسبب خسرانه الانتخابات المحلية في استانبول هو الفكر الأوجلاني. وأنه بالاعتقاد المناسب لو قال أحدهم بأن أردوغان يتعامل اللحظة مع رفع العزلة عن القائد أوجلان من باب حصد قرابة المليون ونصف المليون من الأصوات في الانتخابات المحلية التي تتكرر لاستانبول بعد أربعين يوماً تقريباً. الأصوات التي عزلت بن علي يلدرم هي المؤمنة بعدالة القضية الديمقراطية والكردية في الآن ذاته وفي الآن ذاته أيضاً تؤمن بصوابية الفكر الأوجلاني؛ ليسو كرداً فقط إنما أتراك وغيرهم.
أما الدعوة إلى الحوار العقلاني الذي دعا إليه أوجلان –نقلاً عن محاميه- فليس بالأمر الطارئ إنما الذي أوقفه العدالة والتنمية ورئيسها أردوغان. بالمناسبة ثلاث حكومات تركيّة قبل حكومة أردوغان حاورت أوجلان؛ لكنها الأربعة لم تبدي الحوار العقلاني البناء. كما حاولت الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية لأربع مرات طرق باب الحوار البناء مع السلطة السورية ولكن الأخيرة ما تزال تتبع السياسة الموصدة له.

صالح القلاب لا تقرب أوجلان وأنت لم تقرأه. ولا تقرب حاضره دون أن تعلم بأن الذي حدث قبل عشرين سنة ماضية أي تاريخ عملية اعتقاله كانت مؤامرة دولية اشتركت فيها عشرات الدول والسفارات والمراكز الاستخباراتية فيما لو قرأتَ بحّاثاً. ولا تقترب من كردستان دون أن تؤمن بها بالشكل الذي يؤمن بها الكرد والكردستانيين وشركائهم التاريخيين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) لفهم كيفية استخدامك لموقعنا ولتحسين تجربتك. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. سياسية الخصوصية

جمع البيانات
عند استخدام الموقع قد تصادف مناطق مثل المنتديات أو خدمات الفيديو حيث يتم الطلب منك كمستخدم إدخال معلومات المستخدم الخاصة بك. يتم استخدام مثل معلومات المستخدم هذه فقط للهدف التي يتم جمعها من أجله، وأي أغراض أخرى يتم تحديدها في نقطة الجمع وذلك بالتوافق مع سياسة الخصوصية هذه. لن نقوم بالإفصاح عن أي من معلومات المستخدم التي توفرها لطرف ثالث دون إصدارك الموافقة على ذلك، باستثناء ضرورة توفير خدمات قمت بتحديد طلبها.
إلغاء الاشتراك
تستطيع عندما تريد سحب موافقتك على استلام مخاطبات دورية بخصوص المواصفات، والمنتجات، والخدمات، والفعاليات وذلك عن طريق الرد على وصلة "إلغاء الاشتراك" في المخاطبات القادمة منا. الرجاء ملاحظة أننا لن نقوم بالإفصاح عن معلومات المستخدم الخاصة بك لطرف ثالث لتمكينه من إرسال مخاطبات تسويق مباشرة لك دون موافقتك المسبقة على القيام بذلك.
الملفات النصية (كوكيز)
يتوجب عليك أن تعلم أنه من الممكن أن يتم جمع المعلومات والبيانات تلقائيا من خلال استخدام الملفات النصية (كوكيز). وهي ملفات نصية صغيرة يتم من خلالها حفظ المعلومات الأساسية التي يستخدمها موقع الشبكة من أجل تحديد الاستخدامات المتكررة للموقع وعلى سبيل المثال، استرجاع اسمك إذا تم إدخاله مسبقا. قد نستخدم هذه المعلومات من أجل متابعة السلوك وتجميع بيانات كلية من أجل تحسين الموقع، واستهداف الإعلانات وتقييم الفعالية العامة لمثل هذه الإعلانات. لا تندمج هذه الملفات النصية ضمن نظام التشغيل الخاص بك ولا تؤذي ملفاتك. وإن كنت تفضل عدم جمع المعلومات من خلال استخدام الملفات النصية، تستطيع اتباع إجراء بسيط من خلال معظم المتصفحات والتي تمكنّك من رفض خاصية تنزيل الملفات النصية. ولكن لا بد أن تلاحظ، أن الخدمات الموجهّة لك شخصيا قد تتأثر في حال اختيار تعطيل خيار الملفات النصية. إذا رغبت في تعطيل خاصية إنزال الملفات النصية اضغط الرابط هنا للتعليمات التي ستظهر في نافذة منفصلة.

اغلاق