شؤون ثقافية

رحلات في الزمن

رحلات في الزمن
 
 
جولان حاجي
 
 
تعدّدتِ الساعات والوقت واحد.
 
قاسه البوذيون بحبة رمل، والمسلمون بقطرة ماء، والسلتيّون بذرّة رماد.
 
-“الرحلة إلى الغرب”-
 
هذه واحدة من “الرحلات الأربع” الكبرى التي تتوزّع جهات البوصلة في الأدب الصيني الكلاسيكي.
 
في القرن السابع، سافر الراهب هسوان تسانغ من الصين إلى الهند بحثاً عن الكتب البوذية المقدسة، الكتب المفقودة التي لا تكتمل أي معرفة من دونها. لم يمنحه الإمبراطور إذن سفر، فالتحق خلسة بقافلة تجار، ودليلهم غروب الشمس. حفّزه منام رأى فيه إنه يعبر محيطاً شاسعاً، سائراً على أوراق اللوتس، ثم تحمله نسمة جبّارة إلى سرّة الأرض ومركزها، أي الجبل المقدّس سوميرو.
 
يذكر كاتب مقدمة “الرحلة إلى الغرب” في القرن السابع عشر إنه “لا يعرف شيئاً عن المؤلف”. وبعد ثلاثة قرون تبيّن أن المؤلف هو وو تشنغ-إنْ. كان موظفاً صغيراً عاش في القرن السادس عشر، وشاعراً ضاع معظم شعره وكاتباً ساخراً مغموراً كتب ذات مرّة إن “الوحوش والأشباح عثروا عليّ فكتبتُهم!”. تخيّل وو تشنغ-إنْ الرحلةَ الحقيقية للراهب كسلسلة طويلة من الأساطير وحكايات الحجّاج والمسافرين، حيث يتداخل في متاهة هذا “الهُراء العميق” السخفُ والجمال والعُمق والعبث والضحك. دموع الرهبان يسيرة السفك، قد تبكيهم ورقة عشب أو جناح يعسوب، والموتُ فكرتُهم الثانية في كل شيء. تتدخل في شؤون البشر الأشباحُ والشياطين وأرواح الحيوانات والآلهة المتنكّرة، والجميع يتبادلون الأدوار في حلقات عجائبية من تناسخ الأرواح. أحياناً، تتلاعب آلهةُ أكثر من ديانة واحدة (الكونفوشيوسية، البوذية، التاوية) بمصير شخص لا يعتنق أياً منها. سلطات السماء بهرميتّها وتسلسلها الرهيبين نسخةٌ عن سلطات الأرض. البيروقراطية إياها، وقد امتلأت بنعمة الهدوء والرحمة.
 
“من أجادَ فقد سرق”. قسم كبير من هذه الحكايات منحولٌ أو مأخوذ من كتّاب آخرين ومرويات شفوية، لأن كسل المؤلّف أنساه القصص الكثيرة الغريبة التي سمعها في طفولته وصباه. واصل المغمور عمله، مضيفاً إلى الماضي ومختلقاً من عنده، حتى انتهى إلى تدوين كتاب أعاجيب. مثلاً، تأسر الشياطين الراهب، وتسجنه داخل كرة معدنية، وحين يكبر حجمه يكبر سجنه السحري معه، وحين ينكمش إلى حد التلاشي تتلاشى الزنزانة. تدعوه الجنيات إلى وليمة من لحم البشر فيعتذر منهنّ بالقول إنه نباتيّ. وفي محطة أخرى، يقود قافلة من الأرواح على طريق الحجّ، إلى أن يبلغوا نهراً عارماً مظلماً. يناديهم نوتيّ ليعبر بهم الموج المتلاطم. وحين يقبلون ويبدؤون الركوب يلاحظ الراهب مذعوراً أن القارب من دون قاع. يطمئنه النوتيّ، لأنه على هذا المنوال قد أقلَّ، منذ الأزل، آلافاً من أجيال البشر وما مسّ أحداً منهم أيُّ سوء. في عرض النهر، يلمح الحجّاج جثماناً يجرفه التيّار، فيعتصر الخوف قلب الراهب مرة أخرى. وحين ينقاد لكلامهم ويُمعِن النظر يكتشف أن الجثّة جثّته، فتنهال عليه التهاني والعناقات.
 
في حكاية أخرى، يُلمَح فيها وهم الأنا وتعدّد الذوات داخل الجسد الواحد، يتعارك ساحر وشيطان. الساحر الجريح يُضاعف نفسه إلى أربعة آلاف ساحر، فيقول له الشيطان خائفاً: “ما أتفه أن تتعدّد؛ أرِني إن استطعت كيف ستستجمع نفسَك”. تكفي نظرة سريعة إلى الفهرس لنلمس مرح المؤلّف. هنا مقتطفات من العناوين الطويلة لفصول الكتاب المائة:
 
(آلهة كثيرون يحاولون الإمساك بالوحش؛ عظيم الحكماء يسرق الإكسير ويفسد مهرجان الدرّاق؛ كبير الوزراء وِيْ يرسل خطاباً إلى جنرال ميّت؛ بعد تجواله في العالم السفلي، يعود الإمبراطور تاي تسونغ إلى الحياة فيقدّمون له البطيخ والفواكه؛ في معبد القرى الخمس يسرق الراهب ثمرةَ الجنسنغ؛ حصان الإرادة يستدعي قرد العقل…إلخ.)
 
ثمة ألغاز في هذه الأمثولة الصينية الهائلة. على سبيل المثال، شخصية “رمل” الهادئ الذي لا تروق صحبته المملّة لأحد واتّزانه يذكّر الجميع بغلوائهم وتطرّفهم، أو الحيوانات الأربعة التي ترافق الراهب في رحلته وأحدها القرد. مفتتح الكتاب صخرة راقدة منذ بدء الخليقة أحاطتْ بها عناية السماء وحنان الأرض وضياء الشمس ونور القمر، حتى حبلت وأنجبت بيضة من حجر. صقلت الريح البيضة وصاغت منها قرداً تامّ الخلقة نام قروناً في كهف. هذا القرد الأبيض، مغوي النساء ومختطفهنّ، يرافق الراهب ويرتكب الجرائم على الأرض مثلما نشر الفوضى في السماء من قبل، وفي الوقت ذاته يعين المنكوبين. (“نقطة حمراء على حجر أبيض”، تشير إلى أن يدَ القرد قد تلطّخت بـ “الزئبق الأحمر” أي “حيض العذارى الصغيرات”).
 
في الفردوس الغربي يخبر بوذا القردَ عن إله اسمه إمبراطور اليشب، يبلغ الكمال مرة واحدة كل 1750 كالبا. لنتخيّل أن “كالبا” هي المدة التي يستغرقها تفتيت سور شاهق من الصوّان أو الحديد بريشة من جناح ملاك. يدخل القرد الحجريّ قصر الإمبراطور في الليل ويعود عند الفجر، فيرى أن سنة كاملة قد مرّت على الأرض.
 
-الرحلة إلى الشمال-
 
الوحي يأتي الأنبياء أيقاظاً ونياماً. أسرى الله بمحمّد في يقظته، جسماً وروحاً، ليلة الإسراء والمعراج، في رحلتين أرضية وسماوية. التقى الرسل والأصفياء في السموات السبع فأمّهم وصلّى بهم. عزّاه الله بهم إثر ما حاق به من المشركين، سنة الحزن التي توفي فيها زوجه خديجة وعمّه أبو طالب. حملت النبيّ مطيةُ الأنبياء، “دابة أبيض اسمه البراق”، بين البغل والحمار وفي فخذيه جناحان. للبراق كالبرق سرعة الضوء ويميل بياضه إلى الزرقة. مدى خطوته أفقُ نظره. وفق ريتشارد برتن، مترجم “ألف ليلة وليلة”، يُرسَم البراق في الهند بوجه رجل وأذني حمار وجسد حصان وذيل طاووس وجناحيه. لم ينسَ فاتح المدرس تلك الزرقة الطاووسية حين رسم “البُراق يصل إلى القدس”.
 
قد يحلم النائمون بالموتى وتسافر قلوبهم. لولا المنامات لما اعتقد الإنسان بوجود لقاءات حقيقية تجمعه بأقاربه وأصحابه الراحلين. يدرك المنفيّون هذا الأمل. لا يزال الناس يحلمون بالله في تجليات شتّى داخل أجسادهم، يلقي بكلامه وظلال صورته في قلوب عباده إذا ناموا، وكأنهم يسمعون صلصلة أجراس في الرياح. تحفل “الفتوحات المكية” بالمنامات. أثناء حمّى مرض ألمّ به، رأى ابن عربي في منامٍ قوماً كريهي المنظر يريدون أذيّته، ثم رأى رجلاً جميلاً طيّب الرائحة شديداً أتى يدافع عنه حتى قهرهم، وحين سأله: “من أنت؟” قال: “أنا سورة “يس” أدافع عنك”. حلُم “الشيخ الأكبر” أن معارج الأولياء مناماتٌ تُحلَم في الليل تحتذي المعراج النبويّ ولا تتخطّاه البتّة، يجهل الحالم أسباب نزولها عليه وعلى إثرها يفارق العناصر الأربعة الماء والتراب والهواء والنار، كما رأى أن لكل إنسان معراجاً يخصُّه، وسلّماً لا يرقى فيه غيره، وأسهب في استكمال الأحاديث التي سمعها بدوره تدور في كل سماء من السموات السبع، يصعب الوقوف عليها لكثرتها، كما تتعذّر الإحاطة بكل معانيها. الإسراء والمعراج معجزةٌ فتنت العامّة والخاصّة، تعدّدت رواياتها وتناقضت عشرات المرّات. الثابت، في مطلق الأحوال، أن محمداً يتبوّأ قمة الهرم في هذه الرحلات الروحية كلّها. إنه البدرُ في تمامه، مرآة لشمس الله، وما الأولياء إلا ذرّاتٌ تسبح في هالة القمر وتستمدّ نورها منهما.
 
ليلة الإسراء من المسجد الحرام في مكّة، سرّة الأرض، شُقّ صدر النبيّ بـ “سكّين السكينة” وغُسل قلبه بالماء الطاهر للإيمان وَحُشِي بالحكمة، ثم حلّق به الدابّة المجنّحُ فوق الشام التي كان محمّد الطفل قد زارها مع عمّه أبي طالب، وظللّتهما في رحلة الطفولة سحابةٌ رافقتهما طوال الطريق قبل أن يتفيّأ في تلك القفار بشجرة بطم وحيدة عملاقة. أثنى النبيُّ على دمشق ورأى الجنة في غوطتها، دمشق حيث سال دم الشقيق بعدما قتل قابيل هابيل، على كتف قاسيون، غير بعيد عن مرقد “النور الأبهر”.
 
قبيل بدء المعراج في بيت المقدس، رفس البراق بقائمته الخلفية جرة ماء في المسجد الأقصى لحظة الصعود إلى السموات. في المجلد الثاني من “السيرة النبوية” لابن هشام، نقرأ كيف اختار النبيّ من أيدي الملائكة اللبنَ شراباً لأمّته وترك إناء الخمر. سبقت السماءُ الدُّنيا جهنمات دانتي وغويا، حيث يرى محمدٌ خازنَ النار، الملاك الوحيد الذي لا يضحك له. ثم يرى رجلاً تُعرَض عليه الأرواح فيُعرِض عنها ويتأفّف من خبثها أو يُسَرّ بطيبها، فيقول له جبريل: “هذا أبوك آدم، تُعرَضُ عليه أرواحُ ذرّيته”. ثم يرى الرسولُ اليتيم أكلةَ أموال اليتامى، رجالاً لهم مشافر كمشافر الإبل في أيديهم قطعٌ من نار يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم. ثم يرى أكلة الربا، ثم رجالاً بين أيديهم لحمٌ سمين طيّب إلى جنبه لحمٌ غثٌّ منتِن يأكلون منه ويتركون السمين الطيّب. هؤلاء هم الزناة الذين يتركون ما أحلَّ الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرّم الله عليهم منهنّ. ثم يرى نساء معلّقات من أثدائهن لأنهنّ أدخلن على الرجال مَن ليس من أولادهم. في السماء الثانية، يرى محمّدٌ المسيحَ “ابن الخالة مريم”، رجلاً أحمر، بين القصير والطويل، سبط الشعر، وجهه كثير الشامات “تخال رأسه يقطر ماء وليس به ماء”. في السماء الثالثة يرى أخاه يوسف بن يعقوب، رجلاً صورته كالقمر ليلة البدر، وفي السماء الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون بن عمران، وفي السادسة أخاه موسى بن عمران، وفي السابعة أباه إبراهيم مسنداً رأسه إلى البيت المعمور أي كعبة الجنّة.
 
وفق روايات أخرى، يختفي كلّ شيء بعد أن يتخطّى محمّدٌ وحده سدرةَ المنتهى، أي شجرة النور والبهاء التي يحطّ جبريل على فروعها، ويسمع فوقها صريفَ أقلام القدر التي تنسخ بها الملائكة في صحفها من اللوح المحفوظ. في الفراغ الصامت الذي لا يُحَدّ يضع الله يده على كتف النبيّ فيتجمّد الدمُ في عروقه ويثلج هذا البردُ قلبه ويطهّره.
 
عند رجوعه إلى بيت المقدس، لم تكن قد انسكبت قطرة ماء واحدة من جرّة الماء التي كان البُراق قد رفسها.
 
-رحلة إلى الغرب-
 
كان كُون أبو الملوك في إيرلندا، الملقَّب بـ “كُون المعارك المائة”، جالساً مع ابنه على سفح تلّة يمتّعان عيونهما بغروب الشمس. بغتة سمع الملك ابنه يكلّم الهواء. سأله: “مع من تتكلّم؟” فهتف صوتٌ يقول: “أنا امرأة جميلة. أتيتُ من جزيرة مفقودة في البحار الغربية. في تلك الجزيرة، لا يوجد مطر ولا ثلج ولا أمراض ولا موت ولا وقت. إذا أتى معي ابنُك الذي أحبّه فلن يعرف الموت أبداً، ولسوف يحكم شعباً سعيداً”. نادى الملك على شعراء بلاطه الكهنة فغنّوا من قصائدهم ليُسكِتوها، حتى رمت المرأة الخفيّة بتفّاحة إلى حضن الأمير وغادرت المكان. عاماً بأكمله، لم يأكل الأمير شيئاً سوى هذه التفاحة التي لا تنفد ولم يشعر قط بالجوع والعطش، ولم تغب عن ذهنه للحظة واحدة تلك المرأة التي سمعها ولم يرَها. وما إن انقضت السنة حتى عادت إليه فركب معها سفينة زجاجية أبحرت بهما إلى الغرب، حيث أرض المجهول التي لم تكن تسمّى حينئذ “أمريكا”.
 
يقال إن الأمير لم يعُد قطّ من بحر الظلمات إلى وطنه. تقول رواية أخرى إنه عاد بعد قرونٍ عديدة وكشف الحقيقة للناس، فحملقوا به غير مصدّقين: “نعم، ابن كُون المعارك المائة. تقول الحكايات إنك قد ضعتَ في البحار، وإنك إذا عدتَ يوماً إلى اليابسة ولامست قدماك أرض إيرلندا فستتحوّل إلى رمادٍ، لأن زمن الآلهة شيء وزمن الإنسان شيء آخر”.
 
-رحلتان إلى الشرق-
 
في يوميات رحلته إلى فلسطين عام 1867، اعتقد مارك توين إن البدو هنود حمر. التقط على الفور كيف تُقاس المسافات في الشرق بالساعات والأيام، فإذا ذهب إلى خيّاط مقدسيّ ليفصّل بنطلوناً فسوف يخبره إن قياس خصره تسعُ ثوانٍ.
 
مطلع ستينيات القرن العشرين. بحثاً عن مواقع لتصوير فيلمه “الإنجيل بحسب القدّيس متّى”، زار الشابّ الشيوعيّ بيير باولو بازوليني “الأراضي المقدّسة”، حيث “الضآلة والفقر والتواضع”، حيث بيعت أخشاب الصلبان الثلاثة وإكليل الشوك ومسامير الصلب وبقايا الزيت في مشاعل الطريق إلى الجلجلة، وحين لم يجد التجار ما يبيعونه باعوا الحجاج صرراً من غبار قيل إن يسوع قد باركه بقدميه الحافيتين. لم يحدّث بازوليني الفلسطينيين العرب، ومع ذلك نعتهم بالسعداء. صوّرهم بدواً وفلاحين معدمين خارج الزمن يرتدون أسمالاً في ريف مهمل وسخ، وأطفالهم في الأزقة حفاة ضاحكون يلاحقون موكب الغرباء. أحبطه البؤس الذي رآه على أرض الواقع وأفزعته تشوّهات التاريخ.
 
لم يستطع المخرج الشابّ أن يتخيّل أمّه تلعب دور مريم العذراء إذا كان سيصنع فيلماً عن المسيح ويصوّره بالقرب من مصانع ميلانو. لهذا حجّ إلى فلسطين وبدأ الاستطلاعات. صوّر التلال الشاحبة تحت وهج الشمس، القفار المترامية التي لا ينبت فيها تين ولا زيتون، جلس على صخرة في الجبل الذي وعظ فوقه المسيح حوارييه قرب كفرناحوم، حيث سأله إبليس أن يحوّل الحجارة إلى خبز. في حضرة المتزلّجين على مياه طبرية توارى ابن الله الذي سار على أمواج تلك البحيرة. حاور شاعر الشباب المتوقّد كاهناً كاثوليكياً، “دكتور كنيسة”، والقدس تلوح لهما وراء سياج من الأسلاك الشائكة، ولاحظ كيف وحّدت الكيبوتسات ملامح يهود مستوطنين بيض: “في وسعكم مصادفة أمثال هؤلاء بكل سهولة في ريف روما أو سويسرا”. داخل واحد من كيبوتسات اليوتوبيا، كتب مارتن بوبر المنادي بالمساواة والاشتراكية في “أرض الميعاد”: “الحياة دخولٌ إلى بيتٍ غريب من بيوت الروح، أرضه رقعة شطرنج نلعب فوقها لعبة محتَّمة ومجهولة ضد خصمٍ متحوّل ومرعب أحياناً”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق