تحليل وحوارات

لعبة الانتخابات التركية وجهل الناخب

دارا مراد _xeber24.net

يؤخذ على الناخب في دول الشرق الأوسط على أنه ناخب “يجهل مصلحته” وان صوته اثير انتماءات قومية وايديولوجية و اجتماعية ,حتى وان كانت تخالف مصالحه المعيشية وتأتي عكس تطلعاته المستقبلة الذي يؤمن له حياة كريمة له ولأحفاده, فالانتماء العرقي في البلدان التي تضم اعراق مختلفة هي التي تسلب صوت الناخب ,من دون التمييز للمرشح الكفء والمتحرر من هذه الانتماءات لصالح المواطن وقضيته الانسانية و المعيشية, وحتى وان كانت دولته من ذات عرق واحد فان الطائفة الدينية والمذهبية هي السالبة لصوته بالدرجة الاولى و يضع الناخب صوته في خدمة الطائفة التي ينتمي اليها وان جاءت لتكريس الانقسام الاجتماعي و تحولها إلى تطرف يذهب بالبلاد الى مدارك مجهولة.

لم تكن الانتخابات التركية بعيدة عن هذا الوصف بل اصطنعت تاريخياً بهذه الصفات التي يكرس ” جهل الناخب “التركي بأصول الانتخابات و هدر صوته في صراع ولاءات عرقية و مذهبية, وقد كرس حزب العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان هذا الشرح وتأجيج صراعات اصولية في المجتمع التركي, الانتخابات التركية تجري في أجواء مشحونة بالنزاعات الثقافية والسياسية، أكثر ربما من الجوانب الخدمية الثانوية، وتسيطر الأحزاب الرئيسة في البلد على كتل سكانية كبرى، تمثل قاعدتها الرئيسة. بينما تبقى كتل أخرى رمادية غير خاضعة للتأثيرات الأيديولوجية هي ربما من تؤثر في ترجيح الحزب الفائز.

في تركيا لكل حزب كتلة صلبة تؤيده، تعتمد على مكون عرقي أو طائفي معين، لا تتأثر بالعوامل الاقتصادية أو الخدمية، بل هي أيديولوجية، وهناك كتلة متأرجحة لكل حزب هي التي تتأثر بتلك العوامل.

حزب العدالة يعتمد على الأتراك السنة ثلثا كتلة صلبة، معظمهم محافظون إسلاميون، وثلث كتلة متأرجحة، تعطى أحيانا لغيرها من قومي وجمهوري. لعبت المعارضة التركية على كسب أصوات الكتلة الكردية الصلبة، فسحبت جل أصوات أكراد إسطنبول.

الحزب القومي، يعتمد أيضا ككتلة صلبة على الأتراك السنة، لكنَ القوميين غير الإسلاميين، وكتلته المتأرجحة تصوت أحيانا لحزب العدالة، كما حصل في الانتخابات السابقة وأنقذوه قبل أن يتعزز هذا التعاون بتحالف انتخابي علني، وسبق أن ساند الحزب القومي حزب العدالة في انتخابات حاسمة قبل سنوات، ردا على صعود قوة الأكراد ودخولهم للبرلمان لأول مرة، وهو ما استفز القوميين، فلم يجدوا سوى منح نصف كتلتهم الانتخابية لحزب العدالة، الذي عاد وحقق في انتخابات الإعادة نصرا كبيرا، وكان ذاك أول اختبار لتحالف القوميين مع حزب العدالة ذي الجذور الإسلامية، الذي جاء اليوم بنتائج عكسية للمفارقة، حيث رد الأكراد في إسطنبول، وبعض محافظات الجنوب كأورفا وماردين بانتخابات المعارضة، وكانت الضربة الأقسى في إسطنبول.

فقد لعبت المعارضة التركية على كسب أصوات الكتلة الكردية الصلبة، فسحبت جل أصوات أكراد إسطنبول من خانة حزب الشعوب الكردي إلى صفها، فوحدت الجبهة ضد العدالة والتنمية، وخرجت بخليط معارض غير متجانس، لكنه موجه ضد بن علي يلدريم مرشح اردوغان في إسطنبول، غير أن العدالة والتنمية ما زال يراهن على مجموعة كبيرة من الأدلة كما يراها، على حدوث خروق كبيرة قدمها للجنة العليا للانتخابات، ضمن طلب لإعادة الانتخابات، ولكن فرصته بكسب قرار قضائي تبدو محدودة، خصوصا أنه سيبدو انه يستخدم نفوذه في السلطة للتحكم بالسلطة القضائية لصالحه، وهذا سيدخل البلاد في أجواء عدم ثقة، ما يطعن بمصداقية العملية السياسية برمتها.

حزب الشعوب الديمقراطية يعتمد على الأكراد، نصفهم إلى ثلثين منهم كتلة صلبة، وهم من الأكراد القوميين اليساريين، وثلث منهم متأرجح، هم الكرد المحافظون الإسلاميون كثيرا ما يعطون أصواتهم لأردوغان في المحافظات الكردية ويعاقبونه في اسطنبول إذا تحالف مع خصومه القوميين.

أما حزب الجمهوري، فلديه أكبر كتلة صلبة، لأنها تعتمد على العلويين الأتراك والعلويين العرب، وكتلته المتأرجحة تمثل نسبة قليلة من الترك السنة الأتاتوركيين والكرد العلويين، ‏وهم لا يتأثرون كثيرا بالعوامل الخدمية مقابل الأيديولوجية، ومن الأمثلة على ذلك اعتراضهم على تسمية الجسر الثالث في إسطنبول باسم السلطان العثماني، سليم الذي يكن له العلويون مشاعر عدائية، وكان من أبرز قادة حملة الاعتراضات رئيس الحزب الجمهوري، وهو أيضا علوي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق