شؤون ثقافية

هيَ أمّي ..

هيَ أمّي ..
 
عيسى بطارسة
 
يَومَ كانَتْ،
كانَتِ الأرضُ
يُغطّي وَجهَهَا الحَالِمَ
منْ أمّي ابتِسَامَاتٌ كأقوَاسِ القُزحْ،
يَومَ كانَتْ ..
طِفلةً كانتْ هِيَ الأرضُ
تُحبُّ اللهْوَ بالألوانِ مِثْليْ!
و هيَ فيْ حَضرَةِ أمّي،
تَعبُرُ الأقوَاسَ لونًا تِلوَ لوْنٍ
تَتَلهّى، تَرتَدِيهَا كفَسَاتِينَ منَ الزّهرِ المَرِحْ،
كُلمَا مَسّتْ خُطَاهَا
فيْ صُعُودٍ أو هُبُوطٍ بَعضَ لَونٍ
بَرَقَ اللوْنُ اشْتِهَاءَاتٍ
و دَبّتْ فِي حَنَايَاهُ
زَغَارِيْدُ الفَرَحْ.
*
يَومَ كانَتْ
كانَ ليْ فِي الأرْضِ بَيتٌ
منْ هَدِيلِ الحُبِّ
حُلوٌ مِثلُ أمِّي
و أمِينٌ و صَدُوقٌ مِثلُ أمِّي
و مُطِلٌ عَلى أحلامِيْ و آمَالِيْ
ليَرعَاهَا كمَا لوْ كانَ أمِّي
و مُحَاطًا كانَ بَيتِي، بِسَمَاءٍ و نُجُومٍ و غُيُومٍ
و حُقُولٍ منْ رَبِيعٍ دَائمِ الخُضْرَةِ
لا يَيْبَسُ فِيهَا عِرقُ زَيتُونٍ
و لا دَالِيَةٌ تَتعَبُ منْ حَملِ زَبِيْبٍ أوْ خَبِيْصٍ ..
ليسَ فِيهَا نَبعُ مَاءٍ وَاحِدٌ يَبخُلُ بالمَاءِ قَليْلًا
لا بُقُولًا أشْتَهيْهَا حَولهُ لا ألتَقِيهَا،
و سَلامٌ ليَ يَلقانِي و ألقَاهُ كريْمًا فِي زَوَايَاهُ،
و لِيْ أيْضًا سَريْرٌ حَالِمٌ منْ عَبَقِ الوَردِ
و مَحرُوُسٌ بِآيَاتِ نَبِيِّ
سَاكِنٍ فِي مُقلتَيْهَا.
هيَ أمِّي
كلمَا أتعَبَنِي يَومًا تَعَبْ،
كلمَا ضَاقَتْ عليَّ الأرضُ،
و اسْتَشرَى بِأعْصَابِي صَقِيعٌ
أوْ إذَا ما انْفَجَرَتْ فِي العُمْرِ
منْ عُمْري بَرَاكِينُ الغَضَبْ،
أو إذَا يَومًا تَكسّرْتُ كَلوْحٍ منْ زُجَاجٍ
دُوُنَ أنْ أدْريْ السَّبَبْ،
جِئتُهُ كالطّيْرِ مَلهُوفًا،
و أحْكمْتُ وَرائِي البَابَ حَتّى
لا أرَى الدّنيَا و لا الدّنيَا تَرَانِي،
و رَجَعنَا أنَا و البَيتُ و أمِّي
لِعُصُوُرٍ لمْ يَكنْ هَمُّ و لا غَمٌّ دَرَى
يَومًا طَريْقًا واحِدًا يُفضِيْ إليْهَا.
و أنَا أرْجِعُ طِفْلًا
لا يَلذُّ النّومُ فِي عَيْنيْهِ
إلا فَوْقَ سَاحَاتِ يَدَيْهَا ..
صَوْتُ أمِّي
هوَ ارْجُوُحَةُ نَومِي كلمَا غَنّتْ،
أرَى أرْجُوُحَةً زَرقَاءَ تَأتِيْ مِنْ عُلَا
تَنشِلنِيْ نَحوَ يَدَيْهَا:
 
” بُكرهْ الصّبُحْ ع بَكيرْ
جَاييْـــــــك الهَنــا لِكثِــــيرْ
نـــامْ يَبــــنِي نَــــــامْ نَــــــــامْ
لشْويْلَكْ جُوزِ الحَمَــامْ
جَايِهْ أمّـــكْ من بَعيــــدْ
جَابَتْــلكْ قْــرَاصِ العِــيدْ
مَسَــاء النّورْ منْ بُـكّــرْ
خدّكْ يَقريْــــصِ السّـكرْ
فَطـوُركْ عنـــدِ اللحـــــامْ
لحِمْتِينْ مِندُونِ عْظامْ”.
هِيَ أمّيْ.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق