شؤون ثقافية

أفكار..بلا ضفاف

أفكار..بلا ضفاف
 
 
بُرهان شاوي
 
في رواية “الأخوة كورامازوف” للخالد فيودور دوستويفسكي يطرح الأخ الأكبر “إيفان كارامازوف” سؤاله الأخلاقي الصادم عن حقيقة وجود الإله..ويسوق سؤاله للتساؤل إن كان الإله موجودا فلماذا كل هذا الظلم والفقر والأمراض والكوارث والشر في الحياة..لماذا كل هذا القبح..!!؟
 
ويواصل “إيفان كارامازوف” أفكاره ليقف أما التحدي الأكبر في السؤال:
 
هل إن عدم وجوده سيعني أن كل شيء سيكون مباحًا..ما دام الحساب والعقاب قد انتفيا ..!
 
وبغض النظر عن شكوك دستويفسكي الجبارة التي قدمها من خلال شخصية الملحد ” إيفان كارامازوف” فأن دوستويفسكي كان مسيحيًا متعصبًا إلى حدود اللاتسامح مع الأديان الأخرى، لاسيما اليهودية. فقد وجد دستويفسكي في القيم المسيحية خلاصا للبشرية، ووجد في اليهود قتلة للمسيح..!، بيد إن تقديمه شخصية ” إيفان كارامازوف” تُعد نقلة جبارة في تجربته الروائية الخالدة، لأنه طرح أعظم سؤال واجه البشرية في العقود اللاحقة وبعد خوض غمار حربين عالميتين عرفت فيها البشرية الغرق في بحار الدم وعرفت أوجاعا أخلاقية هائلة.
 
وهذا ما جسده في كل أعماله الروائية سواء من خلال شخصية “الأمير ميشكين” في رواية “الأبله” أو من خلال شخصية “أليوشا كارامازوف” في رواية “الأخوة كارامازوف” أو شخصية “سونيا ميرملادوفا” في رواية ” الجريمة والعقاب”. لكن تاريخ البشرية يؤكد لنا بأن الإنسان ليس بحاجة للدين كي يكون صالحًا، وأن الأخلاق لا تنبع من الدين..!
 
**********
 
يطرح ريتشارد دوكينز في كتابه ” وهم الإله” السؤال التالي:
 
هل كنتَ لتقتل أو تغتصب أو تسرق لو علمت أن الله غير موجود؟”
 
ويجيب عليه:
أعتقد هناك قلة قليلة جداً من الناس سيجيبون على السؤال بنعم..
 
**********
 
الفكر الأروبي والإغريقي لم يعرف الأديان السماوية، بل كان الإغريق وثنيين،..لكن هذا الفكر العظيم ناقش الأخلاق البشرية والسلوك الإنساني، ووضع قواعد لهذا السلوك.
 
كما إن تاريخ البشرية يؤكد بأن تطور القيم الأخلاقية وتطورها لا يأتي من الدين والتراث الديني، بل من الفكر والفلسفة الإنسانية البشرية المبنية على النقاش والجدال والتجربة والألم. ومن الوضع البشري وما يمر به من كوارث اجتماعية.
 
ويمكننا أن نضرب مثلا بالعبودية التي حللتها الأديان ومارستها، بينما نبذها الفكر البشري الإنساني المبني على قيم المساواة، كرسّها الدين بينما الأخلاق الوضعية اللادينية ألغتها بقوة..!
 
ليس هناك دين ألغى العبودية وحرمها، بينما الأخلاق الوضعية والمبادئ الإنسانية رفضتها وحرمتها، فليس هناك دين ساوى بين البشر..؟ وبين الرجل والمرأة..؟ بل أن الكتب المقدسة تفصح عن شعبويتها وعنصريتها بشكل سافر ومقدس. فهناك تفضيل بين الشعوب، وهناك تفضيل بين الناس بعضهم على بعض ، وهناك تفضيل بين الناس في الرزق..!
 
فأيهما أكثر إنسانية ياتًرى..لائحة حقوق الإنسان التي تؤكد على أن البشر أحرار ومتساوون في الحقوق بغض النظر عن الجنس أو الدين أو القومية أو لون البشرة..أم تلك الأديان التي تؤكد بأن شعبا ما هو شعب الله المختار، أو أن مجموعة ما هي التي وجدت الخلاص لأنها تقبلت القربان والصليب، أم مجموعة ترى أنها خير أمة أخرجت للناس.!!
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق