شؤون ثقافية

حزنٌ يحرسه الألم

حزنٌ يحرسه الألم
شعر: لقمان محمود
 
سأمِّزقُ ستائر التراب
ساتراً
ساتراً
لأرى من الشباك الترابي
كائناً يتحول إلى إنسانٍ
فيخرج من ظلّهِ غزالة فيسلخها
فيخرج من ظلِّه خنزيرٌ
فيستسلم لذهولهِ.
كائنٌ كان
فانحنى بكاملهِ
ليرى ما سيمضي:
عشرون رجلاً طاردوا غزالةً، من ” نصيبين” إلى “عامودا”،
و عندما إستصعبوا الإمساك بها إستراحوا على مقربةٍ من النهر
الجاري، حينها إقتربتِ الغزالة بدلالٍ، فاستسهلوها و انكبوا
على دموعٍ أُعيقتْ سلخها، و بينما هم في حيرتهم، ظهر خنزيرٌ
أمام أعماقهم، فهبَّ عشرةٌ منهم، فلم يعودوا، فهبَّ خمسةٌ فلم
يعودوا، فهبَّ أربعةٌ فلم يعودوا، و قبل أن يهبَّ الأخير، سال
دمعٌ كثيرٌ، بدل الدم، فقبل أن يسألَ أعماقه، سمع: أبي ما رأيتموه
ليس سوى أخي، فهبَّ و يده على بندقيته التي رأت تسعة عشر
رجلاً يجرّون خيطاً من الدم، فحصدتْ في حينها تسعة عشر خروفاً،
فقبل أن يستيقظ من ذهوله، كان يحلم بهذه المنطقة المأهولةِ بالجنِّ،
فإنحنى بكاملهِ على حزنٍ يحرسه الألم، فرأى في أعماقه البعيدة،
إنعكاس الشمال من جهة أخرى في هذه الأرض، فنادى على التراب
النائم، حتى تقشَّرَ الحلم على جسده، فإنفجر الجفاف العذب، ليبكي
غيمةً من التراب، فهطلَ غباراً.. غباراً. و على مقربةٍ من النهر،
صار يحفر بيديه قبراً لإبنته، ثم قبراً لإبنه، لكنَّ ذاكرة يديه
إستمرت في الحفر، فخلّفت واحداً و عشرين قبراً، و منذ ذلك
الوقت أصبحت المقبرة الوحيدة لأهالي ” عامودا”، ثم بنى
كوخاً على النهر، و أصبح معروفاً بين الناس بالمجنون، لما كان
يتوهَّمه: فكان يركض طوال النهار على غزالةٍ تركض في أعماقه
فقط ، متوسلاً إليها: توقفي إبنتي، لقد تعبتُ، و عندما كان يسقط
مغشياً عليه، كان الناس يشفقون عليه، فيبللونه من ماء النهر،
فعندما كان يفيق، كان يصرخ بهم: لماذا تلطخون وجهي بدم إبني،
و أثناء الليل كان صراخه يجعل الناس يسترقون سرَّه، عندما كانوا
يسمعونه و هو يقول: أيتها الجنِّيةُ سأسلخكِ، و في كل يوم كان يزداد
عدد الجنِّيات التي كان يسلخها في الليل، و عندما إختفى بنت الحكومة
مسلخاً من الإسمنتِ فوق كوخه.
 
مُلحَق
 
ما تسنّى لي:
 
(1)
 
كان ينبغي أن يظهر في ” عامودا”
هذا الخنزير الوحيد
كي نطلق على نهره اليتيم هذا الإسم.
كان ينبغي أن نُمتحن بأجدادنا
في غزالةٍ أخرى
لتجديدِ طيشنا.
 
(2)
 
لكي تظهر نجمة على الأقل
سأمارس الليل.
 
لكي أحيا كما أريد
سأمارس الموت.
و كي لا أنحني
سأدرِّبُ تمثالي،
أن يكون قامةً من الدم.
 
(3)
 
لكي أنسى
سأضيف شجرةً سعيدة
إلى هذه الجنَّة العاقرة
لأبرهن لذاكرتي
أنني طوال طفولتي
كنتُ أنصب الفخاخ
لعصافير من تراب.
 
(4)
 
أحبُّ صيف الشمال
كي أرى الشمس
و هي تبكي بهذه الحرارة الزائدة
ربّما ينصهر الحديد في دمنا.
 
 
(5)
 
إيه يا نهر خنزير
هناك فرقٌ
طالما كنتَ تخيّطُ أرض “عامودا”
هناك فرقٌ
طالما كنتَ تمسكُ بثقةٍ، صورة الماء.
 
* ما بقي غامضاً:
كوخٌ على النهر
يتفككُ إلى غبارٍ
و يصعد إلى السماء
يصعد بأقدامٍ غامضةٍ
على سلَّمٍ غامضٍ
في أرضٍ غامضةْ
لكنَّ النهر، كان الشاهد الوحيد
المشدودِ إلى هذا الغموض
ومنذ ذلك الوقت،
يجري في ذاكَ النهر الناشف
ماءٌ سريٌّ.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق