شؤون ثقافية

” كريستال الشعر النثري في غيبة الثلج للشاعرة خيرة مباركي “

” كريستال الشعر النثري في غيبة الثلج للشاعرة خيرة مباركي “
 
بقلم :محمد خالد النبالي
 
بداية أستهل القراءة بشكل عام ومن ثم أتناول العنوان , بنيته , دلالته , ومن ثم نعرج للأغراض الشعرية التي تناولتها الشاعرة خيرة في النص الشعري ” غيبة الثلج ” وهذا الأسلوب البلاغي والتي استعانت به لتغزل لنا هذا الوجع بخيوط من الحرير .
فالعالم يتغير بسرعة وهناك تحولات كثيرة سواء علوم الاقتصاد أو الاجتماع وكذلك الثقافة , ثقافة المجتمعات ,,, والشعر أيضا شهد تحولات وما زال يشهد مراحل متقدمة فقد حدثت ثورة شعرية على بنية الشعر العربي , وكما نعرف ظهر في القرن الماضي الشعر الحر والشعر المنثور , وهنا برزت تجارب لا أحد ينكرها
وحققت جماليات ومظهرٌ جميل في الشعر , وبرز مجموعة من الشعراء استطاعوا المحافظة على جماليات النص , بعيداً عن شعر البحور والقافية والأمثلة كثيرة لا حصر لها , وهذا يجعلني أقول بأن الشعر يعتبر بمدى قدرة الشاعر الذي يستطيع أن يبدع فمن يقرأ كثيرا يمكنه أن يستعير من المعاجم ويوظفها في حقول الشعر , ويصنع مما يراه في الكون مظهراً من مظاهر الجمال الكوني .
 
“غيبة الثلج ” هو عبارة عن قطعة من البلور , الكريستال وأنثى بلورية وريشة بلورية صاغتها الشاعرة خيرة هذا النص يثير شهية القارئ وبدأت بالعنوان غيبة الثلج وأظنها ترمز للبياض بياض الفكر في زمن نعاني فيه من أزمة فكرية وانتقلت للفجر وقالت أيها الفجر أنها المناجاة والفجر بات رفيقاً لجرحها الدائم والفجر إشارة لروحانية حالة من التصوف , وجدت نصاً مثيراً لكل الحواس كما أثارني بفكرته المحلقة وهذه الشاعرية المتدفقة حتى أبهرني الذبول الناشب من بين أغصان شجر التفاح ورائحة التفاح وها هي تفاحة عربية ما زالت عالقة على الغصن فلم يدرك نيوتن بأن هناك تفاحة ما زالت عالقة فسقطت نظريته أمام تفاحة عربية ما زالت عالقة تخاطب الفجر في هدأته ومكانته السماوية الروحانية وتناجي رب السماء وهي تصرخ وتئن تستنجد بالفجر بطلوع النهار فالبرد والتغيب يجتاح قلبها كيف لا وهي نصف المجتمع بل كل المجتمع وهناك حفارين وهناك ذكورة مستبدة ( سي السيد ) يلاحقونها كل منهم له باباً , ويفتي كما يشاء وهناك من يعطي المواعظ وغير ذلك من الاستبداد من البعض والذكور وكل ذلك لحشر المرأة في زاوية ضيقة حتى أعلنت الغياب وقد استهلت البداية بغيبة الثلج وترمز للبياض وصفاء الفكر بعد أن دخلت مفاهيم جديدة فقرر الشاعرة مغادرة باب المئذنة فهي غيمة تبتهل لسماء تمطر في الحياة فيزهر الورد بهذا العطاء فتركت قوله خلفها فلن ترهبها الأقاويل وسوف تغلق النوافذ وتستعين بالغسق حتى تخاطب السماء وتستعير قميص يوسف كعصا سحرية في يدها .
 
نص مليء بالصور الشعرية والفكر والرمز العقلاني واللغة المبهرة بل المذهلة بمفردات عربية نعرفها جميعاً ولكن الشاعرة تمكنت من توظيف اللغة توظيفاً جيدا خدم النص النثري فوجدنا أنفسنا أمام نص يضج بصور شعرية فحققت الدهشة في بلورية مميزة لها بريق وفيها شفافية الماس , وها هي عاشقة للحياة كفراشة تراود الضوء على نفسه وتقترض قميص يوسف وترميه على بصره لعله يعود مرة أخرى فمن يخلصها من حالة الغياب , فأي جمال وأي تركيب وأي حالة كانت فيها الشاعرة وهي تكتب هذا النص إنه الاحتراق والاشتعال والتقمص والخيال السابح عبر الأفق وحالة من التوحد والسفر عبر مخيلتها وهي تسبح في فضاء الله وتستحضر الدين والقرآن إنه فضاء فسيح يتسع للجميع وما زالت أنثى عاشقة للحياة تحبس أنفاسها وتغازل الثلج بجرحها حتى يبرأ الجرح .
 
لو دققنا النظر فسوف نجد بأن الشاعرة كانت هي الشاعرة والناقدة لنفسها أولاً باختيارها مفردات بسيطة فيها جماليات وتم توظيفها بقالب شعري فحققت كل عناصر الجمال في النص من حيث التكثيف المتقن والتشبيهات ومفردات دلالية وقد صاغت تشبيهات فيها من العمق المحبب فحققت لنا الوهج والصدمة وتركتنا نتأمل حالة متفردة ,صنعت مائدة من الفكر والأدب الرفيع المؤثر فينا فكان نصاً جميلا من حيث الصياغة والبناء ومتنامي وفيه استعارات وإرهاص فكري وعصر ذهني ودون أن ترهق المتلقي كما نرى عند الكثير من شعراء النثر الذين يكتبون نصوصاً غارقة بالغموض , وهنا كان التوظيف السردي مما خدم شاعرية النص النثري وبحرفية عالية , هنيئا لنا بالشعر فما زال بخير وهنيئا لنا بالشاعرة خيرة مباركي لهذا المستوى الرفيع من النثر وهي تخلق لنا نص نثري بهوية عربية وهذا ما نسعى إليه في عالم الشعر النثري بأن نخلق هوية خاصة فما زال النثر يعاني من مخاض ,
لكن الشاعرة خيرة في نصها الشعري ركبت قطار الحداثة وتركت كل القيود وامتلكت الحرية في كتاباتها وجاءت بمظهر جميل في النص الشعري
ولو بحثنا في أسباب الغياب في غيبة الثلج سنجد للشاعرة مخرج وحق أن تضع لنا علامات التعجب والنقاط الفارغة فالبياض غائب والخطيئة حاضرة والسؤال يشقي الفكر , كل ذلك يترك مساحة للغياب عند الكاتبة مما يجعلها تعاند في نهاية النص وتختم بأنها تستحيل الغياب فهناك نعيم قادم على الشطآن وذلك بالتحدي والنوارس وقد أصبحت صديقة ولا تهرب منها .
 
شكرا للشاعرة فقد أمتعني النص جداً وقرأت ما يشف البصر ويطرب المسامع , إبداع مطلق وقرأت شاعرة كانت كفراشة تحوم حول الضوء تقتل نفسها طوعاً وفي الصباح تعيد تكوينها حتى تَفرد أجنحتها من جديد على صبح مشرق وعلى الورد حتى يتنفس ومساطب الروح وعلى صفحات الحياة حتى لا يجف الحب ولن تموت حواء .
 محمد خالد النبالي – الأردن – السبت 2019/ 25/2
 
————-
النص الشعري
“غيبة الثلج “
أيها الفجر
المُزامِلُ جُرحِي في غيْبَةِ الثّلْجِ
……………………………………….
ها أنا أتْرُكُ رحْلي بِبَابِ مِئذَنَتِكَ ،
أسْرِجَةَ اخضِرارٍ ،
تميدُ بطوفانِها أشْرعَتِي الطُّفوليّةُ
وأُراقِصُ كَرى دُجاكَ !!
حِينَ يحْتسِينِي الشَّفقُ أغنيةً
فَيُغْدِقُنِي عُمُرًا في عُنفُوان المَوَاسِمِ
ويَهْطِلُني غَيْمةً من عِطْر الحِنّاءِ
في مَمالِك الزَّهرِ
آآآآآآآآآآه مِنْ هَوى يُرْهِبُنا بخَطيئتِه المُثْلَى !!
إشَاعاتُك ما عادَت تلْثِم جُنُونِي
سأغْلِقُ دُونَها نَعيمَ القِيامَةِ
بيْنَ متَاهاتِكَ وأحْلامي
ما كنتُ واهمَةً بفتْنَةِ التُّفاحَةِ ….
………………….. بسقُوط حوّاء
ولكنّه الليلُ يرتّلُنِي نوافِل لرُضَابِ النُّجُومِ
دَعْني !!
دعني .. أراوِدُ الغَسَقَ منْ وراءِ حِجابِكَ
وأقْترضُ قَميصَ يوسُف ،
حتّى يبصركَ الضّياءُ
شِهابًا لا تُربِكُهُ النَّوارِسُ المُسافِرةُ ،
المُكْتظَّة بِلهاثِ المَسافات ،
دَعْنِي أبْتَهلُ
لِرُوحِكَ صلاة فِي عِناقِ الفَراشَاتِ
وأنْثُرُ انْتِظارِي اشتهاء على أرائِكِي
المَنضُودَةِ فِي نعيمِ الشُّطآن
فاقْتَربْ
منْ دثارِ صحْوي المَنْسِيّ
فِي
سُلالَةِ
الثّلْجِ
واستحالة الغياب
ــــــــــــــــــــ
خيرة مباركي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق